الجزائر: أجيال بوتفليقة تنتفض ضد أركان النظام وتدعو لرحيل كل رموز الفساد

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ “القدس العربي”: استجاب ملايين الجزائريين، غالبيتهم من الشباب، ومن الذين ولدوا بعد استلام عبد العزيز بوتفليقة مقاليد الحكم في البلد، ولم يعرفوا غيره رئيسا، لدعوات تظاهر اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي، مناهضة لاستمرار الرجل المريض في الحكم، والتمديد له.

حراك شعبي واسع تشهده الجزائر، فاجأ الجميع، وحتى أطراف السلطة، وبشكل غير مسبوق لم يعرفه البلد منذ الإضراب العام الذي خططت له تيارات سياسية متعددة المشارب، ونفذت فكرته الجبهة الإسلامية للإنقاذ حزيران/يونيو 1991.

الكل وقف مذهولا، أمام تدفق المتظاهرين، ومن شرائح المجتمع المختلفة، في مسيرات سلمية، تندد بالولاية الخامسة، ثم تدعو لاحقا لرحيل كل من تسبب في الأزمة.

شباب في مقتبل العمر، ومن مستويات تعليمية مختلفة، يسايرون الثورة الرقمية التي يشهدها عصرهم، ويتحكمون في لغتها، سلاحهم هواتف وأجهزة ذكية، يستخدمونها طوال الوقت بالرغم من ضعف تدفق الإنترنت في البلاد.

فئات واسعة من المجتمع شرعت في خضم هذا التحول تتبادل الأخبار، والجميع يروج للشعارات السياسية التي كسرت حاجز الخوف الذي سيطر على أقطاب المعارضة السياسية لسنوات.

تظهر في الأفق لغة جديدة، تتجاوز دوائر الخطاب السابق، المتسم بالجمود، الذي ظل يغذيه سياسيون أفلسوا في استقطاب هذه المجموعات، المتمردة، على أطر الأحزاب التقليدية التي كانت بعيدة عما يجري في الميدان.

تجد معظم التيارات السياسية الحالية نفسها خارج السياق، ويطبع سلوكها حتى الآن التردد، وقياداتها مشتتة بين مقاطعة الحراك، أو السعي لمسايرة الوضع، وركوب الموجة الجديدة التي تنتظم وفق أطر غير تقليدية، ومن دون قادة يوجهونها أو يهيكلونها.

الشعارات التي رفعت خلال هذا الحراك الذي شهدته أغلب ولايات القُطر، هدفت جميعها إلى وأد محاولة النظام تسويق بوتفليقة رئيسا، وحملت أيضا دعوات عدة لتغيير وجه النظام السياسي الجاثم على صدور الجميع، وهو محل استهجان كل من لم يستفد من ريعه.

وضع حد لاستفزاز أقطاب النظام

 

غذت ردة فعل المسؤولين، ومواقف أقطاب النظام الحاكم، الحراك الاجتماعي، ومنحته قوة دفع متجددة، وبدأ يعم مختلف مناطق الجزائر، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ويستقطب مجموعات جديدة بمرور الوقت، لتنضم للملايين التي تتحرك في الميدان، أو الناشطة في شبكات التواصل الاجتماعي.

ويؤكد أستاذ الإعلام في جامعة الجزائر البروفيسور رضوان بوجمعة، لـ”القدس العربي” أن “الطاقم السياسي في السلطة، وأتباعها من المستفيدين من ريع البترول، كانوا بتصريحاتهم الاستفزازية بالدعوة لترشيح الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة، أحد الأسباب التي شرّعت الحراك”.

واستشهد لتأكيد وجهة نظره، بتصريحات بعض السياسيين، على غرار رئيس الوزراء أحمد او يحيى (كان يقول إن الشعب سعيد بإعلان ترشح بوتفليقة). والوزير السابق عمار غول بتأكيده أن حزبه محسوب على تيار الإخوان المسلمين “مع بوتفليقة حيا أو ميتا”.

ويستطرد بوجمعة أن زعيم نقابة العمال (المحسوبة على السلطة) صرح “أن على الشعب الاختيار بين استمرارية بوتفليقة أو العنف والدمار”.

ويشدد على أن “مسار الأحداث في الجزائر قبل 22 فبراير/شباط، كان يوحي بظهور مقاومة شعبية لسلطة الأمر الواقع، التي فرضت على الجزائريين رئيسا مقعدا ومريضا”.

ويؤكد أن من المؤكد “أن أغلبية الجزائريين، ومن مختلف مواقعهم، اقتنعوا أن البلد مريض، أكثر من مرض الرئيس، وعلته الفساد، والتسلط، وترهل الدولة”.

ويركز على عامل الاستفزاز الذي تبنته أطراف السلطة للشعب، ويعتبره أحد أسباب الرئيسية التي غذت هذا الحراك.

ويستدل على ذلك بما جاء على لسان معاذ بوشارب مسؤول الحزب الحاكم، والذي يستمد مشروعيته من ثورة التحرير التي لم يعشها جل من هم في الميدان من تصريحات، أو محاولات الوزير الأول تسويق ما يحدث في سوريا على أنه نهاية حتمية للمظاهرات الشعبية.

ويعتبر أن هذه التصريحات، وغيرها “عوامل زادت من الحراك اتساعاً، وتنظيماً، وسلميةً”.

اختلال توازن النظام

 

تذهب قراءات، إلى أن ما يحدث في الجزائر إلى جانب كونه نابعا من تمرد فئات واسعة من الشعب التي سئمت وضع البلد وتردي أحواله، يعكس في الوقت نفسه حجم الصراع المستشري بين أقطاب النظام، وتغذيه مناورات زمره، وما تعده في مطبخها من دسائس ومؤامرات.

وتعد تركيبة النظام المعقدة والفريدة في صناعة قراره، أحد أسباب هيمنة تيارات بسطت هيمنتها على الساحة ولجأت لمختلف أساليب القمع، واعتمدت على تهميش كل الأصوات المناوئة بشتى الطرق.

وعمل الرئيس بوتفليقة الذي استلم الحكم بتوافق صقور النظام عام 1999 لخلافة الجنرال اليامين زروال، على تفتيت جميع مراكز القوى المنافسة، وجعلَ القرار محصورا بين مجموعة ضيقة تستفيد من وجوده في السلطة.

وتبرز في حلقة النظام نخبة اقتصادية جديدة، تظهر في هرم السلطة، حققت مكاسب من مشاريع البنى التحتية التي مولتها إيرادات النفط، وأصبح لها تأثير واضح.

وكان لقرار العصبة الحاكمة ترشيح بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة، وهو في حالة صحية متردية، التأثير المباشر على ارتفاع منسوب الغضب الشعبي، وشعور عدد متزايد من الجزائريين بالإهانة، لكون السلطة في بلادهم تستحوذ عليها مجموعة خفية، تضم مدنيين من سياسيين، ورجال أعمال، مع عسكريين، تلتف حول بوتفليقة، وعرابها شقيق الرئيس.

أصحاب القرار في الجزائر وجدوا أنفسهم في مأزق شديد بعد ترشيحهم للرئيس المريض لولاية جديدة، أولا لأنه يعتبر امتثالا لنفسية الرجل الذي يفتش عن مجد مسلوب، وقراره لا رجعة فيه، وهو أن يموت رئيسا، ولأنهم أيضا لا يحوزون على بديل أو مرشح آخر ينال ثقتهم.

من كان يتوقع؟

فاجأ الشباب الجزائري، الجميع بخطوته غير المتوقعة، بحجم المسيرات التي نزلت إلى الشوارع، ومستوى الشعارات المرفوعة.

وتؤكد الباحثة والمؤرخة كريمة ديريش، مديرة البحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث CNRS “في الواقع، لقد توقع عدد قليل، مثل هذه الخطوة”.

وتستدل على ذلك بكون الأمر كان محصلة سنوات من تخويف السلطات السياسية، وأذرعها الدينية والإعلامية، الجزائريين من مغبة الانحياز لأي حراك ضد السلطة، وتذكيرها بسنوات الفوضى التي شهدها البلد، تسعينيات القرن الماضي.

وتؤكد أن عصب النظام كانت تروج للعنف الذي شهدته الجزائر لسنوات، على أنه محصلة للاحتجاجات السياسية منذ أواخر الثمانينيات، وخاصةً “الربيع الجزائري” تشرين الأول/اكتوبر 1988 وتسوق ذات العصب أن النظام السياسي هو من يضمن، منذ الاستقلال الأمن والسلام.

دوافع الغضب الشعبي

 

تدفع الأوضاع التي تشهدها الجزائر مع تردي أحوال فئات الشعب، المزيد من المتظاهرين لتبني هذا الخطاب الموجه ضد أقطاب السلطة جميعا.

ومن السهل معرفة سبب الغضب الجماهيري من بوتفليقة المقعد على كرسي متحرك، ولم يخاطب شعبه منذ أكثر من خمس سنوات. هذا الغياب يأتي متزامناً مع وضع اقتصادي صعب تزداد مؤشراته قتامة، مع ارتفاع نسب التضخم، وتراجع احتياطيات الصرف، وظلت معه معدلات البطالة عالية.

قراءة سريعة للمؤشرات الاقتصادية في الجزائر تبرز حقيقة الوضع الصعب الذي يعانيه الشعب، مع تراجع نسب النمو المسجلة 2.7 في المئة هذا العام، وهي ليست كافية، لتوفير فرص العمل للجزائريين، علما أن ثلثي السكان هم أقل من 30 عاما.

والمظاهرات الأخيرة والمسيرات التي صنعت الحدث في الجزائر، تأتي امتداداً لعدد من الاحتجاجات المتفرقة التي شهدتها مناطق الجزائر قبل سنوات خلت.

وسجلت المناطق الجنوبية الصحراوية تحديدا، بوادر صحوة، استهلت سنة 2013 في محافظة ورقلة (800 كلم جنوب العاصمة الجزائر) والتي تضم آبار النفط، وخرج شبابها لفترات متتالية إلى الشوارع، مطالبين بتحسين أوضاعهم، ومنددين بسياسات التهميش التي طالتهم لعقود طويلة.

محافظة عين صلاح، في أقصى الجنوب، اعتصم مواطنوها لفرة طويلة في عام 2015 ضد مشروع إنتاج الغاز الصخري، وهو ما كشف عن خبرة وحداثة المجتمع المدني الذي كان يرفض بالفعل رؤية نفسه مهمشا.

وكان ترشح بوتفليقة الأخير، الشرارة التي تضرم نيران متقدة، بعد عقود من الحكم حولت الجزائر إلى دولة فاشلة.

 

السلم الاجتماعي

 

يحذر صندوق النقد الدولي من تداعيات الاختلال الاقتصادي الذي تشهده الجزائر، ويشير في تقرير له أعده خبراؤه في ختام زيارة للجزائر عام 2018 إلى أن البلد يواجه تحديات عويصة، ترتبط بتراجع أسعار النفط منذ أربع سنوات، وما رافقها من عجز كبير في الموازنة العامة.

ويكشف أن احتياطي الصرف انخفض بمقدار 17 مليار دولار أمريكي، ليبلغ 96 مليار دولار أمريكي.

تردي الأوضاع الاقتصادية، وتراجع مداخيل النفط، مع انتشار الفساد مثل وباء شاملا في الجزائر، جعل النظام في مأزق، ويفتقد للإمكانيات التي تسمح باستعادة قدرته على شراء السلم الاجتماعي، من خلال الانفاق الباذخ على مشاريع الإسكان والبنية التحتية والإعانات الاجتماعية.

مستقبل الحراك

 

تأزم الوضع في الجزائر، في ظل التطورات المحورية، نتيجة تزايد حدة الضغوط الكبيرة التي يواجهها جناح بوتفليقة يلقي بظلاله على استقرار البلد، ويدخل حافة أزمة خانقة تعصف باستقراره الهش.

ويتابع الجميع وبمزيد من القلق موقف المؤسسة العسكرية القوية من هذه الأزمة، ومعرفة الخيارات التي تفكر في اتخاذها.

تصريحات رئيس أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح، كانت مباشرة ومن دون لبس تعلن تأييد ترشح بوتفليقة، وضمان استمرارية المسار الانتخابي في وجه جميع النداءات المطالبة بإلغائها.

ورصدت القراءات أي إشارة صادرة من محيط المؤسستين الأمنية والعسكرية، للبحث عن أي مؤشر لوجود صراع بين دائرة الاستعلام والأمن بقيادة اللواء عثمان طرطاق الذي هو جزء من حلف بوتفليقة، وعدد من الضباط في المديرية المركزية لأمن الجيش.

وسعى البعض لوضع تسريب حديث لرئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال، ورئيس منتدى رجال الأعمال “FCE” علي حداد، الذي يتحدث فيه الرجلان عن امكانية استخدام القوة لإسكات المتظاهرين ضمن هذا الإطار.

ويسعى كثيرون لتحليل الحراك الشعبي الحالي، بعيدا عن مظهره العام، ومحاولة ربطه بمحاولات أطراف محسوبة على الصف المناهض لبوتفليقة، أو التي ألقى بها خارج المركب، والتأكيد على أن بعضها وعلى رأسهم مدير المخابرات السباق الجنرال توفيق وشلته يسعون جاهدين للاستفادة من الحراك الشعبي، أو حتى توجيهه بما يخدم مصلحتهم في الانقلاب على حلف الرئيس بوتفليقة.

البروفيسور رضوان بوجمعة يشير لـ”القدس العربي” إلى “أن الحراك بدأ عفويا، ولكن من المؤكد أن هناك العديد من القوى، تسعى لاحتوائه من داخل وخارج المنظومة”.

ويشدد على “أن النظام يخطط مع مرور الوقت للالتفاف على المطالب الخاصة بالتغيير الجذري”.

ويختتم تحليله للوضع مؤكدا “أن المجتمع سينتظم، وأن الحراك سيواجه تحديات، ومؤامرات، ومحاولات، لمصادرة مساره، مثلما تمت مصادرة الاستقلال سنة 1962”.

التفاعلات التي تشهدها الجزائر عشية الانتخابات الرئاسية المزعم تنظيمها نسيان/ابريل المقبل ستكون بلا شك حدثا محوريا، وعلامة فارقة في تاريخ البلد.

هذه الأحداث، وما تخلفه من نتائج ستكون مؤشر مخاض عسير، يحدد مستقبل بلد، تطالب فئات واسعة من شعبه ومنذ سنوات طويلة، بقطيعة تامة مع النظام الحاكم، وتدعو لاجتثاث رموز الفساد وكل من ساهم في تخلفها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية