الجزائر: أزمة البرلمان المفتعلة “تزلزل” أركان النظام وتفتح الأبواب أمام المجهول

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: عاشت الجزائر على مدار ثلاثة أسابيع فصول أزمة داخل وحول البرلمان، وبالتحديد الغرفة الأولى المسماة المجلس الشعبي الوطني. أزمة تسير نحو حل، لكنه حل له تكلفة غالية، ويؤشر على وجود شيء أو أشياء ما ليست على ما يرام داخل السلطة، لأن ما حدث في المؤسسة التشريعية لا يمكن أن يكون في أي حال من الأحوال حالة صحية، بل حالة مرضية بامتياز، ما يفتح الباب واسعا حول تساؤلات عديدة عما يجري وراء الأبواب المغلقة، وما يتم التحضير له بخصوص المرحلة المقبلة.

قضية الصراع داخل البرلمان انطلقت من خبر بسيط مفاده أن رئيس مجلس الشعب السعيد بوحجة الذي بلغ من العمر عتيا (80 سنة) أقال الأمين العام للمجلس، بسبب خلاف حول تكاليف السفر الخاصة بمسؤول البروتوكول، والتي رفض الأمين العام التوقيع عليها، فقرر رئيس المجلس إقالته، ولكن هذه القضية ما هي إلا نقطة أفاضت الكأس، فالأمين العام هذا مثله مثل الكثير من الأمناء العامين في المؤسسات والهيئات الرسمية هو الآمر الناهي، فالرجل الموجود في المنصب منذ سنوات، نجح، حسب الكثير من النواب، في نسج علاقات قوية عمودية مع أصحاب الحل والعقد، بدليل أن رئيس المجلس السابق العربي ولد خليفة، حاول إقالته ووقع على القرار فعلا، لكن عاد وتراجع عن ذلك، بعد أن تلقى اتصالا يطلب منه إعادته إلى المنصب.

بداية محتشمة

ومع تسرب بعض المعلومات الشحيحة عن وجود امتعاض بشأن السعيد بوحجة بسبب هذه الواقعة، بدأ الكلام باحتشام عن إمكانية المطالبة باستقالته، لكن الأصوات ارتفعت شيئا فشيئا وظهر لـ”عمي السعيد” أعداء يريدون رأسه، ولكن الأمر تطور بسرعة، لأن بوحجة المعروف بأنه شخصية مسالمة ولا يحبذ الصدامات والصراعات، فاجأ الجميع بإعلانه رفض الاستقالة، رغم أن كل المؤشرات كانت توحي أن الرجل مغضوب عليه في القمة، وأن قصة الأمين العام وتحركات النواب ما هي إلا ذريعة وغطاء لعملية إبعاده عن رئاسة البرلمان، وانطلقت عملية مد وجزر، ونجح بوحجة في الصمود والتلاعب بخصومه، خاصة وأنه وضع شرطا كان يعلم ( أو أن من نصحوه كانوا يعلمون) أنه لن يتحقق، وهو أن يتلقى اتصالا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطلب منه الاستقالة، وهو ما أربك خصومه، الذين أعلنوا في وقت أول عن قائمة توقيعات لسحب الثقة منه، ثم تبين بسرعة أن سحب الثقة غير وارد في أي مادة قانونية، فأصدروا بيانا تحدثوا فيه عن أخطاء وتجاوزات في التسيير، وتوظيف أشخاص في البرلمان لا تتوفر فيهم الشروط، فرد عليهم رئيس المجلس بالتأكيد على أنه لم يوظف إلا ثلاثة أشخاص، وأن نائبا لرئيس سابق وظف لوحده 87 شخصا على مستوى البرلمان خلال الولاية النيابية السابقة، وبجرة قلم أسقط بوحجة كل مبرراتهم، التي اضطروا إلى سحبها، قبل أن يقرروا اللجوء إلى تجميد نشاطاتهم وعملهم على مستوى المجلس، وبما أن الخصوم هم أحزاب الموالاة، فمن الطبيعي أنهم يمتلكون الأغلبية، وبالتالي توقف البرلمان عن العمل.

منذ البداية بدا أن ما يحدث في البرلمان مفتعل، وأن هناك نية مبيتة، فلا النواب معروف عنهم حرصهم على طريقة التسيير وكيفية إنفاق المال العام، ولا بوحجة من النوع الذي يستطيع الوقوف في وجه الطوفان، وبالتالي توقع الكثير من المراقبين أن يكون الهدف هو الذهاب نحو انسداد يمهد الطريق ويوفر المبررات لحل البرلمان لتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة، وبالتالي تأجيل الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تجرى في الربيع المقبل. واعتبر أنصار هذه النظرية أن وجود خلافات حول ترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة، أو عدم التوافق حول خليفة له، هو ما يدفع نحو هذا الحل، ولكن النظرية سقطت في الماء لأن رئيس الوزراء خرج ليقول إن البرلمان لن يحل، داعيا رئيس المجلس السعيد بوحجة للاستقالة.

كسر العظم

المعركة كانت أيضا إعلامية، فبوحجة الذي يمكن الجزم أنه لم يكن لوحده، عرف كيف يدير المعركة لصالحه إلى حد كبير، فقد كسب تعاطف الرأي العام، رغم أن الكثيرين كانوا ينظرون إليه كباقي “ديناصورات” الحزب الحاكم ( جبهة التحرير الوطني) لكنه تحول في نظر الكثيرين إلى ضحية، وإلى ممثل للشرعية، وأن خصومه هم الذين أرادوا التخلص منه لأنه تجرأ وقال كلمة “لا”، بل وفي مبادرة غير متوقعة قرر في يوم من أيام الأزمة أن يخرج إلى الشارع مشيا على الأقدام ويجلس إلى مقهى في وسط العاصمة، وهو ما أثار حفيظة أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس، الذي ارتكب ما يمكن أن يوصف بالخطأ السياسي الجسيم، عندما راح يهاجمه لأنه لم يتصرف كرجل دولة، وأن الجلوس في المقاهي مع عموم الشعب ليس من أخلاق أعضاء جبهة التحرير الوطني، مع أن الكثير من المسؤولين الفرنسيين لما كانوا يزورون الجزائر، كانوا يجلسون على ناصية الشارع في مقاهي العاصمة مع وزراء جزائريين، وكانت وسائل الإعلام تتناقل تلك الصور على أنها مشهد جميل يعبر عن تواضع المسؤولين، ولكن زعيم الجبهة الذي كان في حرب ضد بوحجة لم ينتبه إلى أن ما يقوله سيحسب عليه لاحقا.

معركة إزاحة بوحجة أثبتت أن الذين اعتقدوا أن “عمي السعيد” لقمة سائغة وقعوا في فخ نصبوه بأنفسهم، لأنهم وصلوا بالأزمة إلى نقطة اللاعودة، فلا هو يريد الاستقالة، ولا السلطة قادرة على تحمل تكاليف حل البرلمان في مثل هذه الظروف، الأمر الذي كان يدفع نحو حل جذري، حتى لو كانت التكلفة هي التعدي على القانون، وخرق الدستور، لأن الأخير يحدد بوضوح الحالات التي تستوجب إعلان منصب الشغور على مستوى رئاسة المجلس، وهي كلها حالات غير متوفرة، لكن مكتب المجلس اجتمع في غياب بوحجة، الذي منع جسديا من دخول مكتبه، لأن النواب المناوئين له اعتصموا أمام المقر وأغلقوا الباب بقفل وبسلاسل حديدية، وأعلن المكتب أن هناك حالة شغور على مستوى رئاسة المجلس، وأن بوحجة عاجز عن أداء مهامه، واجتمعت في اليوم التالي اللجنة القانونية لتثبت القرار، وتلجأ إلى مادة في القانون الداخلي للمجلس تتحدث عن إعلان حالة الشغور بسبب العجز، مبررين ذلك بأن الرئيس الحالي السعيد بوحجة عاجز عن التعامل مع أغلبية النواب، وبالتالي فقد أقرت اللجنة بالأغلبية أن هناك حالة شغور على مستوى الرئاسة، في انتظار عقد جمعية عامة لانتخاب رئيس جديد للبرلمان.

ما حدث في قضية بوحجة يطرح عدة تساؤلات، لأن الذين دبروا هذه العملية وضعوا أنفسهم في ورطة كبيرة بصرف النظر عن مآلات هذه الأزمة، التي تصفها الكثير من أحزاب المعارضة بالانقلاب، فهل كان الأمر يستحق كل هذا؟ وما هو الخطر الذي كان يمثله بوحجة حتى يتم إخراجه من المشهد السياسي بهذه الطريقة التي ستكون لها تكلفة غالية؟ كما أن السؤال المهم هو هل كان البرلمان ساحة لمعركة أخرى والحرب على بوحجة كانت حربا بالوكالة، خاصة وأن الظرف الذي جرت أطوارها فيه غلبت عليه مشاهد مبهمة وغير واضحة الأسباب والدوافع، وفي مقدمتها الإقالات على مستوى قيادات في الجيش، وإيداع خمسة من كبار ألوية الجيش السجن في قضايا فساد، والكلام الدائر عن وجود خلافات حول الولاية الخامسة، أو وجود تردد حيال الذهاب إليها.

الأكيد أن الرابح الأكبر من هذه القضية هو السعيد بوحجة، الذي لم يكن يتوقع يوما أن يصبح رئيسا للبرلمان، ولم يكن أيضا يحلم بشعبية مثل التي اكتسبها هذه الأيام، والتي كانت هدية من السماء. ففي ظرف ثلاثة أسابيع تصدر بوحجة المشهد الإعلامي في الجزائر، وكان القضية رقم واحد في النشرات الإخبارية والصحف اليومية، وحتى وإن كان سيغادر مجبرا البرلمان الذي تشبث به إلى آخر رمق، فإنه يبقى بطل المشهد الأبرز في الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة، في حين أن الذين قادوا هذه الحرب ضده هم الخاسرون سياسيا، لأنهم ورطوا أنفسهم في معركة فاشلة مسبقا، ولم يتحرجوا في استعمال كل الوسائل والأسلحة فيها، لكنهم نسوا أو تناسوا أن كل طلقة نحو بوحجة ستصيبهم هم قبل أن تنال منه، والخاسر الأكبر هو مؤسسات الدولة، فالبرلمان الذي كان دائما يعاني عقدة نقص الشرعية والمشروعية، ستزداد متاعبه وتتعاظم عقدة الشرعية التي ستظل تلاحقه طوال ما تبقى من الولاية النيابية الحالية، هذا إذا التزمت المعارضة الصمت وتركت أحزاب الموالاة تواصل عملية إزاحة بوحجة وتنصيب رئيس جديد، لأن من الوارد أن تتحرك أحزاب المعارضة داخل البرلمان وتحاول التصدي لما يجري وتفسد مخططات أحزاب الموالاة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية