الجزائر: أزمة نخبة تريد الحفاظ على مريض وشعب غاضب من الإهانة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تثير التظاهرات المستمرة في الجزائر منذ ثلاثة أسابيع أسئلة عدة حول ما سيؤول إليه الحراك وفحوى التغيير الذي يأمل الشعب تحقيقه، فدولة يقف على رأسها رئيس لم يره شعبه ولم يسمع منه منذ مرضه عام 2013 مع نخبة تحاول إطالة عمره في الحكم حتى لو ظل مربوطا على كرسي متحرك يقع في جوهر الغضب الحالي. ذلك أن الرئيس وحزبه لا يزالان يستمدان شرعيتهما من حرب التحرير التي أدت لنهاية 130 عاما من الاستعمار الفرنسي البشع، وهي الحرب التي أدخلت الجزائر كتب التاريخ باعتبارها “بلد المليون شهيد”. لكن الفرق بين جزائر الاستقلال عام 1962 وجزائر القرن الحادي والعشرين هو أن غالبية سكانها البالغ عددهم 41 مليون نسمة هم دون الثلاثين من العمر وولدوا بعد عقدين أو ثلاثة عقود من حرب التحرير. وفي الوقت الذي يواصل فيه الجيل الباقي من جيل الاستقلال وعلى رأسهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التمسك بالماضي يطمح الجيل الشاب لحياة أفضل وخيارات أحسن. وتبدو مسألة ترشيح الرئيس لعهدة خامسة هي عرض لكل ما عانته الجزائر طوال العقدين الماضيين. ونحن أمام شعب سئم من مهزلة تجري أمام عينيه منذ عام 2014، وغاضب على إصرار النخبة الحاكمة على ترشيح الرئيس المقعد وتقديم أوراقه رغم أنه يعالج في مستشفى سويسري. ولهذا قرر الشعب الذي ظل ساكنا وشعر أن الإهانة لم يعد يحتملها، الخروج إلى الشوارع ومطلبه الوحيد هو منع بوتفليقة من خوض الانتخابات المقررة في نيسان (إبريل). وفي هذا دعوة لطي صفحة الرئيس وجيله من بقايا حرب الاستقلال وحنين كما تقول مجلة “إيكونوميست” (7/3/2019) للتجدد والخروج من شرنقة الماضي. والمشكلة كما تقول ليست في الشعب ولكن في الزمرة الحاكمة من الجنرالات ورجال الأعمال والسياسيين الذين أبدوا عجزا على إصلاح النظام أو العثور عن البديل لما تقول إنها جثة بوتفليقة الهامدة. وترى أن الوقت قد حان لتسلم جيل جديد زمام السلطة، جيل قادر على استثمار امكانيات الجزائر. والمشكلة تكمن في خلاف المواقف والرؤى بين ما تراه النخبة الحاكمة استقرارا ويراه نقادها ركودا والحفاظ على الوضع القائم.

بداية جديدة

وفي محاولتها للتخلص من مأزق الاحتجاجات الجديدة وإطالة عمر النظام لكي ترتب أوراقها، طرحت النخبة فكرة الندوة الوطنية وانتخاب الرئيس بوتفليقة ثم إجراء انتخابات لا يكون جزءا منها. ولجأت في الوقت نفسه للتحذير من كوابيس السنوات السود التي عاشتها الجزائر بعد تدخل الجيش عام 1991 وألغى انتخابات فاز الإسلاميون في جولتها الأولى، ما أدخل البلاد في نفق الحرب الأهلية المظلم التي قتل فيها أكثر من 200.000 شخص. واستطاع بوتفليقة إخراج بلاده من “العقد المظلم” وتجنبت الجزائر الاضطرابات التي ضربت الدول الجارة عام 2011 وأصبحت اليوم من أكثر الدول أمنا في العالم العربي. إلا أن الثمن كان باهظا، فقد استحضرت النخبة الحرب الأهلية والخطر الجهادي لتبرير وحشية النظام. فرغم إلغاء قوانين الطوارئ التي ظلت مفروضة على مدى 19 عاما في سنة 2011 إلا أن حرية التعبير لا تزال مقيدة وتعاني الصحافة من الرقابة والتكميم، أما من ينتقد الدولة من الصحافيين فيواجه الاستفزاز والتحرش. وسجنت السلطات أشخاصا بناء على قوانين صيغت بطريقة غامضة مثل “إهانة جهاز حكومي”. أما مؤسسات الدولة والبرلمان فقد فقدت معناها وتحولت إلى مجرد صوت للنظام. وفي هذا السياق يفهم تحذير قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح الشعب الجزائري من ثمن التظاهر وقال في بيان له “هناك أطراف تريد إعادة الجزائر إلى سنوات العنف”.  مع أن التظاهرات اتسمت حتى الآن بالسلمية يشارك فيها شباب يشعرون بالانفصام عن أشخاص مثل الجنرال صالح، ممن قاتلوا في حرب الاستقلال. ففي الوقت الذي يتواصل فيه المسؤولون من خلال الفاكس ينظم المحتجون تظاهراتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتعتقد المجلة أن “السلطة” خائفة من عدم قدرتها على شراء الولاء العام من خلال وظائف الدولة والدعم الحكومي للمواد الأساسية. فالميزانية العامة تقوم على موارد النفط والغاز. ومنذ عام 2014 استخدمت الدولة بسبب تراجع أسعار البترول مواردها ولم تعد قادرة على توفير الوظائف حيث تصل نسبة البطالة في البلاد إلى حوالي 11في المئة. وهناك نسبة الثلث من الشباب تبحث عن عمل. ويزيد الفساد المستشري من الصورة الصارخة. فالجزائر الغنية بالمصادر الطبيعية وذات القوة العاملة والقريبة من أوروبا كان يجب أن تكون في وضع أفضل. إلا أن “السلطة” التي لم تعد قادرة على استرضاء الشعب عاجزة عن الحل. ولهذا تحول بوتفليقة بالنسبة إليها مثل “السيد” النبيل الاسباني في القرن الحادي عشر الذي ربط أتباعه جثته الميتة بحصانه وأرسل إلى ساحة المعركة لتحشيد قواته. وعلى خلاف “السيد” تحول بوتفليقة لموضوع سخرية أو شفقة. وكما هو الحال في الدول التي تعيش سنوات في ظل الحاكم القوي فلن تتمكن الجزائر من تحديد المسار المستقبلي عندما يموت حاكمها، فبدلا من منع حرب أهلية أخرى يقوم النظام بإثارتها. وعليه فالحل يجب أن يبدأ بإرسال بوتفليقة لدار رعاية صحية. ومن ثم الشروع بتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على عملية التحول السياسي وفتح النظام وتشكيل مؤتمر وطني لتحديد مسار الإصلاح وعقد انتخابات برلمانية ورئاسية بعد ما تستطيع المعارضة الضعيفة والمنقسمة إعادة تنظيم نفسها، فالجزائر معتلة ومنذ وقت طويل مثل رئيسها وعلى خلافه لديها فرصة للنجاة. وكما علقت صحيفة “نيويورك تايمز” (4/3/2019) في افتتاحيتها فاستمرار بوتفليقة في الحكم يعني تأبيدا لأزمة الجزائر، فهو لا يريد أن يتلاشى مثل الرجال الكبار في العمر. وعلى ما يبدو كلما استمرت “السلطة” كما تعرف شلة الحكم بالتمسك به كلما كبرت الاحتجاجات. فلم تشهد الجزائر تظاهرات كهذه منذ ثمانينات القرن الماضي، وهي ظاهرة مثيرة للدهشة في بلد تجنب ويلات الربيع العربي عام 2011. فالجزائريون يعرفون أن الرئيس المريض يحكم البلاد منذ عام 1999 لا يمكنه مواصلة الحكم. ويعرفون أنه مجرد “إطار” للدولة العميقة التي تقف وراءه. وكان الرئيس حذرا مثل بقية الديكتاتوريين في تعيين نائب له، مما سمح لـ “السلطة” استبعاد أي شخص شكل تهديدا عليها. ونصحت “نيويورك تايمز” النخبة المضي نحو الحوار الوطني قبل الانتخابات المقبلة وإلا خسرت فرصة مهمة لإخراج البلد من مأزقه وكررت أخطاء الديكتاتوريين الذين استفاقوا على وقع التظاهرات أمام قصورهم.

أصداء مبارك

وكما لاحظت صحيفة “فايننشال تايمز” (7/3/2019) ففي تظاهرات الجزائر أصداء للأيام الأخيرة للديكتاتور المصري حسني مبارك في عام 2011 حيث واجه اعتصام ميدان التحرير فوعد بحكومة جديدة والبقاء في السلطة حتى الانتخابات المقبلة. ولكنه تأخر وأجبر على خروج مهين واستقالة انهت 30 عاما من حكم مصر. صحيح أن الجزائر تتميز بالخصوصية الثقافية والتاريخية عن جيرانها، فهي البلد الوحيد الذي لا تزال تحكمه حركة قادت التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي. وهي أول بلد عاش “ربيعا عربيا” في عام 1988 عندما أنهت أعمال الشغب حكم الحزب الواحد بقيادة “حركة التحرير الوطني”. ولاحظت الصحيفة أن تظاهرات اليوم تتخذ شكلا وطنيا جديدا جذب إليه قطاعات عدة من المجتمع، شباب وكبار في العمر، فقراء وأغنياء وأبناء المدن والبلدات في عموم البلد. وهو ما دمر فكرة الخوف من عودة الماضي الأسود والعنيف. ولا ينظر للتظاهرات في الجزائر باعتبارها هجوما شخصيا على بوتفليقة ولكن كتعبير عن الغضب من النظام الاستبدادي الغامض والذي أساء التقدير عندما اعتقد أنه قادر على تنصيب رجل مقعد لم يتحدث أو يخرج للعلن منذ ستة أعوام. فقد أساء شقيق الرئيس الأصغر، سعيد ونخبة رجال الأعمال قراءة المزاج الجزائري العام. ويقول الباحث في جامعة أوكسفورد ومؤلف كتاب “تاريخ الجزائر” جيمس ماكدوغال: “كان النظام ذكيا في البحث عن طرق للحفاظ على نفسه في المدى القصير. وما فشل في العثور عليه هو حلول طويلة الأمد للمشكلة الكبيرة ألا وهي مسألة الخلافة” وأضاف: “ليست المشكلة البحث عن شخص آخر ولكنها عن التغيير المنظم الذي يستدعيه التطور الجيلي الذي يمثله بوتفليقة، وهو نهاية جيل الثورة”.  ورغم دعوة المراقبين إلى عدم المبالغة في دور الجيش الذي تعرض كغيره من مؤسسات الدولة للتطهير أثناء عهدة بوتفليقة الرابعة إلا أن البعض يخشى من تكرار مشهد مصر عندما انحاز الجيش مع المتظاهرين للتخلص من مبارك ونجله الوريث له. لكن لا يعني هذا أن المؤسسة العسكرية الجزائرية ليست أمام مأزق كبير.

ربيع جديد

تؤكد احتجاجات الجزائر أن الشوق للديمقراطية والتغيير لم يمت رغم ما تعانيه دول الربيع العربي من عودة القمع وهزيمة قوى التغيير في مصر واليمن وليبيا. فقد أطاح التونسيون قبل ثمانية أعوام بالرئيس زين العابدين بن علي مع أن المستبدين العرب الذين نجوا منها يعتقدون أنهم قد تجاوزوا العاصفة. إلا أن جنرالات الجزائر الذين يحاولون التذكير بالفوضى التي تعاني منها ليبيا وسوريا واليمن لتثبيط عزيمة المواطنين عن التظاهر لم يتعلموا أن الظروف التي قادت لولادة حركات الخروج العربي الأولى لا تزال قائمة. ففي السودان يواجه عمر حسن البشير حاكم السودان أكبر تظاهرات منذ توليه السلطة قبل 30 عاما فيما شهد الأردن والعراق وتونس تظاهرات احتجاجا على الظروف المعيشية. وفي الوقت الذي لا يتوقع فيه أي ربيع عربي جديد إلا أن التوتر في الجزائر هو دليل آخر عن وهم الاستقرار الذي تسوقه الأنظمة الأوتوقراطية. وفي مقال رأي نشرته “فايننشال تايمز” (6/3/2019) لرولا خلف نقلت ما قاله كينث روث، المدير التنفيذي لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” الذي سمعته يتحدث عن “عودة المقاومة”. فالنظام الديمقراطي عانى من تدهور خلال العقد الماضي. وزاد من تراجعه تآكل القيادة الأخلاقية الأمريكية. إلا ان ما عناه روث هو أن المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يحققون مكاسب وإن لم يظهروا في عناوين الأخبار. فمن الإطاحة العام الماضي بحكم رئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق إلى صعود رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والتظاهرات التي تقودها المعارضة في فنزويلا والتي قد تضع نهاية لحكم نيكولاس مادورو. ومقاومة قضاة المحكمة العليا في بولندا لعملية تطهير قصد منها تأكيد الاستبداد في البلاد كلها علامة على صحة المكافحة من أجل الديمقراطية. ولم تكن المقاومة غائبة عن الولايات المتحدة نفسها أثناء الانتخابات النصفية العام الماضي التي منح فيها الناخب الأمريكي مجلس النواب للحزب الديمقراطي. بالإضافة لقرارات المحاكم التي قيدت النزعة السيئة لدى ترامب خاصة بموضوع المهاجرين. ورغم هذه الانتصارات إلا أن الديمقراطية حسب تقرير “فريدم هاوس” لا تزال تعاني وللعام الثالث عشر على التوالي. فقد انتخب البرازيليون رئيسا يحب الديكتاتورية، وصوت البرلمان المصري المذعن على تعديلات دستورية تجعل من عبد الفتاح السيسي رئيسا مدى الحياة. فأمام صعود الديكتاتورية هناك مقاومة متزايدة والجزائر هي واحد من الأمثلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية