الاعتماد المفرط على خطط الإنفاق العام سبب نكستها
المصاعب التي تواجه التوازنات الاقتصادية-الاجتماعية في الجزائر ترتبط أساسا بنموذج النمو المعتمد على الإنفاق العمومي في خلق الثروة ومناصب العمل، والذي يستند بدوره على المداخيل النفطية بنسبة تتعدى 92 في المئة من إجمالي الصادرات، مما يخلق ظروف تبعية مفرطة لتطورات السوق النفطية العالمية التي دخلت دورة تدهور جديدة وفريدة في تاريخها جراء اندلاع جائحة كورونا.
وبالفعل شهدت مداخيل الجزائر تقلصا كبيرا حيث ينتظر أن تختتم السنة المالية الحالية بمستوى يقارب 20 مليار دولار أمريكي بعد أن بلغ أكثر من 35 مليار دولار السنة الماضية، أي بمعدل تراجع يصل إلى 43 في المئة. أولى النتائج المترتبة عن تراجع المبيعات النفطية للجزائر، انخفاض الناتج الداخلي الخام لها مما أدى إلى تدحرج ترتيب البلد حسب تصنيف البنك العالمي من صنف الدول المتوسطة الدخل من الدرجة العليا إلى الصنف الأدنى من بين هذه الدول مما يجعلها أقرب من الدول الضعيفة الدخل.
وفي هذا الصدد، فإن نموذج الإنفاق العمومي المنتهج يتسبب في استنزاف الخزينة العمومية، في ظل العجز الذي تبديه السلطات العمومية لإصلاح الوضع الاقتصادي العام للبلاد، وإيجاد البدائل اللازمة للمداخيل النفطية. وهنا، فإن شراء السلم الاجتماعي قد دفع إلى تبني سياسة للدعم عن طريق التحويلات الاجتماعية وذلك بتخصيص نصف ميزانية الدولة للسنة المقبلة في شكل مساعدات اجتماعية مباشرة وغير مباشرة بما يقارب 4000 مليار دينار (ما يقابل 31 مليار دولار تقريبا) وهو ما يعني الإبقاء على صيغة الدعم الشامل دون التفريق بين مختلف أصحاب المداخيل، وهو النهج المتبع منذ العام 2011 عند انطلاق ثورات الربيع العربي حيث رفعت السلطة آنذاك مستوى الإنفاق العمومي بـ 60 في المئة دفعة واحدة من أجل مواجهة أي اضطرابات اجتماعية في علاقة مع سوء الأحوال المعيشية. درجة تحمل الأعباء الجديدة بقيت مرتبطة بالمداخيل النفطية أساسا، وهي الوضعية التي أصبحت لا تطاق منذ تسجيل التراجع في أسعار النفط منذ العام 2014 وهو ما أدى إلى انحصار إمكانيات الدولة في توفير الأموال اللازمة للإبقاء على نفس مستوى الإنفاق.
وما يفاقم في الوضعية كون أن السلطات العمومية لم تعتن بإيجاد البدائل للمداخيل النفطية، ذلك أن طبيعة نظام الحكم جعلت آلية الإنفاق العام تُستخدم كوسيلة من وسائل التحكم في الوضع العام للبلاد، وذلك باتجاه التصرف في أموال الدولة بصورة إدارية لا تمت للمنطق الاقتصادي بصلة. في هذا الصدد، فإن خطط الإنفاق العام لم تهتم أبدا بتحقيق المردودية الاقتصادية والمالية من المشاريع المبرمجة، حيث أن إنفاق دولار واحد لا نعرف كم سيدر في المقابل هل دولار، أو أقل من دولار أو أكثر من دولار؟ وهنا الوضعية الاقتصادية السليمة هي تلك التي من المفترض أن تؤدي إلى تغطية حجم الإنفاق بواسطة المداخيل الجديدة الناجمة عن المشاريع المبرمجة، مما يتيح تجديد الموارد العمومية وهو الشيء الذي كان بعيدا كل البعد عن التصور الذي تضعه السلطات العمومية. إذ أن دراسات خبرة تؤكد أن ما يسترد لا يتعدى 30 في المئة مما يتم إنفاقه وذلك حسب وجهة نظر الاتجاه المتشائم، أما بالنسبة للتيار الأكثر تفاؤلا، فإنه يعتبر أن ما يسترد لا يتعدى 70 في المئة من حجم الإنفاق. وهنا يجب ملاحظة كون أن مستوى ضياع الموارد يتراوح بين 30 و70 سنتا من الدولار، مما يعطي صورة عن حالة الاستنزاف الحاصلة لموارد الميزانية العامة للدولة المعتمدة في 60 في المئة من مداخيلها على الجباية النفطية.
وهكذا، فإن تراجع أسعار النفط قد أضعفت حالة الاقتصاد الوطني أمام بقية العالم، إذ أن احتياطات الصرف التي تعدت 194 مليار دولار في العام 2013 تآكلت منذ 2014 بصورة مستمرة لتفقد أكثر من 100 مليار دولار خلال 4 سنوات لتصل إلى 92 مليار دولار العام 2017 وتستقر حاليا في حدود أقل من 60 مليار دولار، على أن توقعات قانون المالية لسنة 2021 يحددها بمستوى 47 مليار دولار. وهنا يجب التركيز على كون أن عوامل عدة قد أدت إلى هذا التطور السلبي في الأرقام، حيث أدت السياسات العمومية المتبعة إلى أن يعرف ميزان المدفوعات الذي يشمل كلا من الحساب التجاري للدولة وتحويلات رأس المال، عجزا متواصلا خلال كامل فترة التآكل، إذ أن قيمة الواردات من السلع والخدمات أصبحت تفوق قيمة الصادرات النفطية التي تعرف بدورها تراجعا وفق تطورات السوق الدولية، الشيء الذي تفاقم مع جائحة كورونا ليزيد بذلك من مستوى الضغط على موارد الدولة.
الخطط التقشفية
هامش المناورة المتاح للسلطات العمومية لا يخرج عن الخطط التقشفية التي دفعت إلى تقليص حجم الواردات بصورة آلية بحدود 10 مليارات دولار خلال السنة الحالية، حيث لن يتعدى 30 مليار دولار نزولا من حدود 60 مليار دولار المسجل قبل سنوات، مع العمل أيضا على تقليص خطط الاستثمار المعلنة سابقا من قبل شركات القطاع العام وعلى رأسها شركة النفط الحكومية “سوناطراك” التي راجعت برنامجها للإنفاق إلى النصف لكي لا يتعدى 7 مليار دولار فقط، بما يسمح لها القيام بأعمال الصيانة لمنشآتها والحفاظ على مستوى إنتاجها. أما بالنسبة للخطط الداخلية فقد تم تجميد العديد من مشاريع الإنشاءات ما عدا في ميدان الإسكان، في حين أن القطاع العام أسديت له التعليمات بوقف عمليات التوظيف وتقليص نفقات التسيير بمستوى 30 في المئة لتصل إلى حدها الأدنى. النتيجة المباشرة لمثل هذه الإجراءات تتمثل في حالة الانكماش التي تصل إلى 5.5 في المئة وارتفاع معدل البطالة إلى 14.1 في المئة خلال العام الحالي، وذلك حسب أرقام صندوق النقد الدولي، الذي يؤكد أن الاقتصاد بإمكانه التعافي العام المقبل ليسجل نموا إيجابيا بـ3.2 في المئة ولكن معدل البطالة سيحافظ على ارتفاعه ليصل إلى 14.3 في المئة. حالة الهشاشة التي تمس الوضع الاجتماعي ترتبط ليس فقط بوقف التوظيف في القطاع العام وإنما بفقدان الوظائف في القطاع الخاص أو بالنسبة للعاملين باليوم أو الساعة، وهو ما يراكم حالة الاحتقان الاجتماعي جراء تراجع مداخيل الأجراء وانعدامها بالنسبة للعاطلين عن العمل. مع العلم أن الخطط التي تم إقرارها من قبل الحكومة في صالح المؤسسات التي عانت من توقف النشاط أو تقلصه تبقى بعيدة على أن تعوض الخسائر التي تكبدتها جراء توقف نشاطها بالكامل أو جزئيا مثل ما حصل في قطاعات النقل والسياحة والخدمات الملحقة بهما.
وهكذا فإنه من الواضح أن الخلاص من حالة الهشاشة الهيكلية للاقتصاد، ترتبط بضرورة إصلاح نموذج النمو من خلال فتح المجال لضمان التسهيلات في صالح المتعاملين الاقتصاديين ورفع العراقيل الإدارية والمؤسساتية بما يكفل إعادة بناء الثقة في المنظومة الاقتصادية الوطنية، خاصة وأن الضربة القاصمة التي تلقتها جراء قضايا نهب أموال القطاع العام وسوء إدارة البرامج الحكومية قد أثنت المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين والأجانب على استكمال مشاريعهم الاستثمارية في الجزائر مما يضر إمكانيات دعم النمو في المدى المتوسط.
من جهة أخرى، وضعت السلطات العمومية نفسها أمام تحد كبير بإعلانها على لسان الوزير الأول عبد العزيز جراد، الذي كان يتحدث في إطار لقاء الأعمال الجزائري-الإسباني بداية الشهر الحالي، تبني نظام اقتصاد السوق الاجتماعي كنموذج جديد والذي يعني فيما يعنيه أن الدولة ستعمل على الرفع من أداء الاقتصاد باستهداف معدلات نمو مرتفعة ومعدلات بطالة منخفضة وتضخم متحكم فيه بما يساعد على تحسين قدرات تدخل الدولة لدعم المستوى المعيشي للسكان. هذه المؤشرات في الحقيقة، تعد نفسها التي تمثل حالة الإخفاق في التجربة الجزائرية السابقة المعتمدة على التدخل الشامل للدولة، كما أنه لا يتقاسم هذه المؤشرات المستهدفة بعضُ المسؤولين العموميين على رأس مؤسسات مهمة مثل المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، الشيء الذي يطرح تساؤلا عن مدى القدرة على تعبئة القدرات العمومية لوضع تصور متناسق يحترمه الجميع من أجل تجاوز الأزمات المتلاحقة التي تنخر الاقتصاد منذ عقود من الزمن.