الجزائر-“القدس العربي”: عادت الأزمة السياسية في الجزائر إلى نقطة الصفر، ففي كل مرة يلوح الحل في الأفق تختلط الأوراق مجددا، ويبقى الوضع يراوح مكانه، في وقت تمر فيه الأيام والأسابيع تباعا، وسط مخاوف من تبعثر الحراك وانحرافه وظهور الانشقاقات والصراعات، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر الانحراف.
الأسبوع الماضي كان أيضا حافلا بحلقات جديدة في مسلسل المتابعات القضائية ضد المسؤولين السابقين والمحسوبين عليهم ومنهم من رجال أعمال، فالعصابة التي شكلها هؤلاء تبين حتى الآن أنها تآمرت لنهب خيرات البلد، وإذا عدنا إلى تصريح سابق لقائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي قال إنه اطلع على بعض ملفات الفساد، وأنها بلغت أرقاما خيالية، نجد أن الوصف كان دقيقا، حتى وإن كان ما خفي أعظم، فالظاهر حتى الآن يوحي أن التحقيقات في ملفات الفساد ستستغرق سنوات، حتى يتم فتح كل الملفات، وربما أيضا إعادة فتح ملفات سابقة، فتحها القضاء في عهد الرئيس السابق المخلوع من طرف الحراك الشعبي، والتي أعيد غلقها، بعد أن تمت التضحية بصغار المسؤولين وتجنيب كبارهم عناء السؤال ومشاق العقاب.
المحكمة العليا شهدت أيضا هذا الأسبوع استدعاء وزراء ومحافظين سابقين وحاليين، والذين انتهى بهم الأمر تحت الرقابة القضائية، كما سحبت جوازات سفرهم، وأغلب هؤلاء كانوا من علية القوم، ومن الآمرين والناهين في عهد المخلوع، ويكفي أن نتذكر أنه قبل أقل من سنة عندما سئل محافظ العاصمة السابق عبد القادر زوخ عن إشاعات بشأن تنحيته من منصبه كيف انفجر ضاحكا في وجه الصحافي الذي سأله، فالأمر كان أقرب إلى الخيال، ويمكن أن نتخيل لو أن صحافيا تجرأ وسأله عن إمكانية رحيل بوتفليقة، بل وطرده ومحاكمة كل نظام حكمه؟ كما تم خلال الأسبوع الماضي استدعاء أحمد أويحيى رئيس الوزراء إلى التحقيق أمام محكمة سيدي أمحمد في قضية الإخوة كونيناف وفي قضية الوكيل المحلي لعلامة كيا للسيارات، وقد خلدت الصورة التي اختطفها مصور قناة “الشروق” (خاصة) لأويحيى وهو داخل قفص سيارة الدرك الوطني لحظة تاريخية، ظل الكثيرون يشككون فيها على طريقة “أرنا الله جهرة” فأويحيى كان داخل القفص ونقل كأي سجين إلى المحكمة من أجل التحقيق معه مرتين، كما تم نقل عبد المالك سلال رئيس الوزراء الأسبق كذلك، والتحقيقات متواصلة على مستوى المحكمة العليا وعلى مستوى المحاكم العادية، ومن الضروري القول إن أثر هذه التوقيفات وعملية قطع رؤوس الفساد كانت إيجابية على الشارع الجزائري، الذي طالما كان يحلم برؤية من استعبدوه لسنوات طويلة واستنزفوا خيراته.
المعادلة الصعبة
الحل السياسي ما زال بعيد المنال، فالسلطة ضمنت لنفسها جرعة جديدة من الاستمرارية، بعد أن قررت تمديد ولاية الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح لفترة إضافية غير محددة في الزمن، لكن هذا الحل ظرفي، ومجرد هروب إلى الأمام، لأن المخرج من نفق الأزمة مازال مؤجلا، فحتى وإن كان الجميع متفقا على ضرورة الذهاب إلى الحوار، وتوفير الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات رئاسية، وكذا رحيل الحكومة الحالية، وتعيين حكومة كفاءات وطنية، ورئيس وزراء يحظى بحد أدنى من المصداقية لدى الشارع الجزائري، لكن الآليات مازالت غائبة، ولم يتم بعد الاتفاق على كيفية الدخول في مسار الحل، ومادام نور الدين بدوي مازال باق في منصبه كرئيس للوزراء فإن الأزمة ستظل قائمة، وإلى غاية كتابة هذه السطور، مازال كل طرف متمسك بموقفه وموقعه، وما لم يتم تقديم أية تنازلات فإنه من الصعب تصور أي، وفي ظل المعطيات القائمة فإنه من الصعب تصور أي حل في الوقت الحالي.
الجيش والحراك
من الصعب إصدار حكم نهائي بشأن العلاقة بين الجيش والحراك، لكن الأكيد أن مواقف المؤسسة العسكرية تتطور من أسبوع إلى آخر، وهذه نقطة تحسب للمؤسسة، خاصة وأن الذين راهنوا منذ البداية على تكرار مواقف سابقة، واستنساخ تجارب دول أخرى، خسروا الرهان، فالجيش أكد منذ البداية أن لا أطماع له في السياسة، وأنه حريص على احترام الدستور، وإيجاد مخرج من الأزمة في إطاره، وهذا يتأكد يوما بعد آخر، صحيح أن الجيش يرفض الاستجابة بشكل لكل المطالب التي يرفعها الحراك، ويفضل أن يترك جانبا بعض المطالب التي يتخوف من نتائجها وانعكاساتها، خاصة ما تعلق بالفراغ الدستوري، لكن مواقف المؤسسة العسكرية عموما كانت في صالح الحراك، سواء بوقوف الجيش إلى جانب المتظاهرين منذ البداية، وتوجيه تعليمات إلى أجهزة الأمن بعدم التعرض إليهم، وكذا دفعه لعصابة بوتفليقة في وقت أول إلى باب الخروج، ثم الشروع في محاسبة رموز الفساد في عهده، لكن أحيانا تصدر بعض التصريحات والمواقف غير المفهومة.
قضية الرايات التي ترفع خلال المظاهرات والتي أثارها الفريق أحمد قايد صالح خلال أحد خطاباته الأسبوع الماضي أثارت جدلا واسعا، خاصة وأنه قال إن الراية الوحيدة المسموح برفعها خلال المظاهرات، هي العلم الجزائري الذي استشهد من أجله ملايين الشهداء، وأن تعليمات وجهت إلى أجهزة الأمن من أجل منع جرح مشاعر الجزائريين، وهو ما فهم منه أن قوات الأمن ستلجأ إلى منع المتظاهرين من رفع العلم الأمازيغي، الذي يرفع إلى جانب العلم الجزائري منذ الأسابيع الأولى لبداية الحراك، وهو ما اعتبره البعض خطأ في التوقيت وفي الهدف، لأن هذا التصريح الذي لم يكن صريحا بما يكفي، أثار علامات استفهام عديدة، وفتح الباب أمام التخوف من وقوع صدامات وانحراف الحراك عن أهدافه ومقاصده، لكن الصور التي صنعها الجزائريون خلال مظاهرات الجمعة ال18 أثبتت أنهم أكثر وعيا وأكثر تمسكا بمطالب الحراك الأساسية، حتى وإن كان البعض قد أصر على رفع العلم الأمازيغي، وحتى لو أن أجهزة الأمن سارعت إلى توقيف بعض هؤلاء، لكن الأمور سارت عموما بعيدا عن الانحراف الذي تخوف منه الكثيرون.