إلى وقت قريب كانت رفوف الأكشاك في الجزائر، تعج بجرائد ومجلات ومطبوعات أجنبية، من باريس وموسكو وبكين وواشنطن والكويت والقاهرة، وغيرها من العواصم الأخرى، كان بالإمكان أن نتصفح الأخبار والمقالات التي تفتح أعيننا عما يحصل خلف الحدود، كانت البلاد سوقاً واسعة للإعلام الدولي، ملعباً للنقاشات والجدل.
كان الجزائري يُثرثر في المقاهي عن صراعات القوى الكبرى في غزو الفضاء، يعلم ما يجري في شنغهاي كما يعلم ماذا يحدث في قرى فرنسية نائية، مطلعاً على حوارات أهم الشخصيات السياسية، يقرأ آخر قصة قصيرة كتبها مؤلف مصري، أو قصيدة لشاعر من سوريا، مسايراً لما يحصل من حراك ثقافي في بيروت، أو في مسارح موسكو، كانت الحياة تبدو بالألوان، مكتظة بالأخبار، من معسكرين أحدهما شرقي، وآخر غربي ونزاعاتهما، لا نكاد نشعر فيها بضجر، فكل يوم حدث جديد، كل يوم دورية جديدة تخبرنا عن أشياء نجهلها، عن اختراعات في طوكيو أو مظاهرات في ميانمار، عن انتخابات في أمستردام أو جني الكروم في صوفيا، كانت الكتب أيضاً تصل بالقناطير، صحيح أن الرقابة لم تفتر، لكنها توجهت بالخصوص إلى كتاب محليين، وتسامحت مع ما يأتي من الخارج، ما كان يُمنع في سوريا أو العراق، يجد حرية له وقراءً في الجزائر، كان مبدعون عرب يتوافدون على الجزائر، التي كانت تقرأ أكثر مما تطبع، مستفيدة من خيار الانفتاح على الآخر، بدون غربلة، حيث كان من العادي أن نُصادف في رف واحد كتباً عن الماركسية تُجاور كتباً عن الشريعة، قبل أن تنقلب الحياة إلى أسود وأبيض.
انغلق البلد على نفسه، مثل حلزون يحتمي بقوقعته، توقف تدفق المطبوعات الأجنبية إلا القليل منها، قطعت الجزائر حبلاً لطالما كان مضيئاً ونافعاً لها، وانغمست في محليتها، بات الجزائريون لا يقرؤون سوى لأنفسهم، يقرؤون ما يكتبه جزائريون عن الجزائر، غير متاح لهم التطلع لأبعد ما يوجد خارج جغرافيتهم، غير عالمين كيف ينظر إلينا الأجنبي، بل هذه الكلمة تحديداً تحولت إلى مذمة، صار الناس لا يستلطفون أن يكتب عنهم «أجنبي»، مقتنعين بالتهم المعلبة التي تغذوا منها، كل أجنبي مرادف لمتآمر، تحول الأمر إلى مسألة مؤرقة من هذه المعاداة المجانية إزاء الغريب، كما لو أن البعض يودون احتكار البلد بصفته ملكية خصوصية، لا جزءا من عالم فسيح، انصرفنا إلى مدح أنفسنا بأنفسنا ونقدها بأنفسنا، ودخلنا دائرة العزلة في أكبر بلد مساحة في قارة افريقيا.
كان بالإمكان أن تتحول العزلة إلى تعدد، أن يستغل الجزائري هذا الانطواء الإجباري على نفسه، كي يدرك تعدد الأرض التي يعيش فيها، أرض كانت دائماً متصالحة مع تعدد ديني وعرقي، لكن حصل العكس، بات أكثر تزمتاً مع الاختلاف.
يصنع الجزائري يومه في عزلته، بقطيعته مع الأخبار، لم يعد متاحاً له أن يعلم سوى القليل مما يجري بعيداً عنه، قد يبدو الأمر مبالغا فيه، بحكم أن الأخبار اليوم تتناقلها وسائط التواصل الاجتماعي، وليس صعباً بلوغ مطبوعات وجرائد أجنبية، لكنها في غالبيتها تعتمد على اشتراكات، وفي نظام مصرفي تقليدي محلي، لا يتيح أبسط الإمكانات، لا يوفر بطاقات تأمين، فإن الأمر مستعبد، كما أن الإنترنت رغم توحشها ليست بديلاً عن الورق، لم تستطع أن تنوب عنه، فالأجيال السابقة تحدثنا عن قراءاتها، عما تحتفظ به من أرشيف وفي الذاكرة من مجلات دولية، باتت اليوم أسماء مجردة، لأن الأيادي لا تصل إليها، أُوصد الباب، ولسنا نعلم من أمر بغلقه، وهل فكر في انعكاسات ذلك الخيار على عقلية الجزائريين وثقافتهم، استحالوا إلى مواطنين محليين، مهمومين بصغائر القضايا، بندرة كيس الحليب وزيادة سعر رغيف الخبز، لا تصور لهم بما يكفي عما يحصل في بلد مثل كوبا، الذي كان دائماً قريباً من الجزائر، كوبا ليست سوى تشي غيفارا وكاسترو في عقول الأكثرية، لا نعرف ماذا يجري في فنزويلا ولا في روسيا، كل الكليشيهات التي ترسبت في العقول، إنما هي كليشيهات مستمرة منذ سنوات الانفتاح، قبل سقوط جدار برلين، وقبل أن ينخرط البلد شيئاً فشيئا نحو عزلته، وانصرافه عن تداول ما يكتبه الآخرون وكيف ينظرون إلينا.
كان بالإمكان أن تتحول العزلة إلى تعدد، أن يستغل الجزائري هذا الانطواء الإجباري على نفسه، كي يدرك تعدد الأرض التي يعيش فيها، أرض كانت دائماً متصالحة مع تعدد ديني وعرقي، لكن حصل العكس، بات أكثر تزمتاً مع الاختلاف، رافضاً لكل ما هو مختلف عليه، لم يعد الجزائري يرى في نفسه ولا في مواطنه سوى مسلم مبالغ في انحيازه لوطنه، زاد تدينه وتضاعفت مغالاته في التغني بالوطنيات، تكاد كل المكونات العقائدية والإثنية الأخرى تمحى، رافضا لأي تنوع في ميول جنسية لغيره، والأسوأ من ذلك هذا الميل المتزايد في التفرقة بين الجنسين، في هذه النزعة الذكورية، التي لا نجد علة لها، لم يعد الجزائري الآن يُشبه في شيء جزائري الأمس، طغت عليه الذاتية، واستسهال النقد والذم والمدح، لعب هذا الانغلاق ضده، جعل منه كائناً ينظر إلى نفسه في مرآة، ولأنه لا يرى غيره، يعتقد في نفسه الكمال، انعدام الانفتاح على صحف العالم، وعدم قراءة ما يدور في أمكنة أخرى، يجعله يظن أن العالم يبدأ في محيط عيشته وينتهي فيها، وزادت مواقع التواصل من تضخم تلك النرجسية، إننا اليوم نجد أنفسنا في مقابلة جزائري يسبح في تعظيم ماضيه وحاضره، غير متوجس من مستقبله، مقتنعاً بأنه سيكون أفضل مما يتوقع، مصدقاً ما يقرأه في مطبوعات محلية وما يترامى إلى مسامعه في نشرات أخبار رسمية، تلك النشرات أيضاً التي كانت تمدنا بالحد الأدنى من أخبار المحيطين بنا، استحالت نشرات لأخبار وطنية لا أكثر، هذا هو البورتري الراهن لجزائري من عام 2020 لا يقرأ سوى لنفسه، غير قادر على التفكير في أن هناك حياة وقضايا اشسع من بلده، لا يشعر بحاجة إلى التنقيب والبحث عما يفعل الآخرون، مكتفياً بذاته، منطوياً عليها، غارقاً في اللافهم، ويعتقد نفسه أنه بمجرد أن عرف بما يحدث في بلده فقد علم كل شيء ولا يحتاج إلى مزيد.
٭ كاتب جزائري