الجزائر: الجبهة الاسلامية للانقاذ من المغالبة الي الأفول

حجم الخط
0

يزيد بوعنان

لقد كان مسار الجبهة الاسلامية للانقاذ مليئا بالأحداث المتسارعة والغريبة، فمنذ انشائها في شهر اذار (مارس) من سنة 1989 مستفيدة بذلك من جو الحريات الذي أشاعه الرئيس السابق الشاذلي بن جديد والأسهم السياسية لهذا الحزب في صعود وهبوط، فمن المطالبة والمغالبة الي المواجهة المسلحة مع النظام الذي وقف حجر عثرة أمام تحقيق الرغبات الملحة لهذا الحزب وأنصاره ـ الذين كانوا يعدون بالملايين ـ في الوصول الي الحكم عن طريق انتخابات تشريعية أقر الجميع بأنها كانت حرة ونزيهة، ولكن مسار الأحداث اتخذ الوجهة التي لم ينتظرها أحد حتي وصلنا الي ما نحن عليه الآن، والسؤال المطروح: ما مستقبل جبهة الانقاذ في ظل التوجهات السياسية الراهنة؟ وهل بامكانه أن يسترجع بريقه السياسي بعد حالة الوهن والترهل والانشقاق الذي أصاب مختلف الفصائل والتيارات المنضوية تحت هذا الحزب؟

هل أخطأ الفيس باتباعه سياسة المغالبة؟

لم تكد جبهة الانقاذ تكمل هيكلتها التنظيمية سنة 1989 بعد أن استفادت من جو التفتح الديمقراطي الذي أشاعه الرئيس الشاذلي بن جديد بعيد التصويت علي تعديل الدستور في شباط (فبراير) 1989 والذي سمح بانشاء أحزاب ومنظمات ـ اثر اللقاء التاريخي بين زعماء الحركة الاسلامية والذي ضم: احمد سحنون، محفوظ نحناح، علي بلحاج، وغيرهم مع الرئيس الجزائري ـ حتي بدأت جبهة الانقاذ تستعد لدخول حلبة التنافس السياسي، بدءا بالمجالس البلدية في حزيران (يونيو) 1990 والتي فازت فيها بنسبة 55% من المقاعد وانتهاء بالانتخابات البرلمانية الملغاة في كانون الاول (ديسمبر) 1991 والتي حصلت فيها علي 189 مقعداً من أصل 216، ولكن هذا المسار الحافل بالانتصارات السياسية رغم قصر مدته كان حافلا أيضا بأحداث متسارعة وتصريحات نارية ملتهبة من قبل زعماء الحزب وعلي رأسهم عباسي مدني وعلي بلحاج حيث كانت هذه التصريحات متناغمة مع التوجه العام للحزب المبني علي سياسة المطالبة والمغالبة. منذ الأيام الأولي لتأسيس الجبهة الاسلامية للانقاذ اتضح جليا بأن سياسة المطالبة والمغالبة هي التي فرضت نفسها علي التوجه العام للحزب، فبعد سلسلة اللقاءات والحوارات التي كانت تدار في (رابطة الدعوة الاسلامية) بقيادة المرحوم احمد سحنون، اتضح أن هناك تيارات عديدة ومختلفة داخل التيار الاسلامي أبرزها: السيد علي بلحاج الذي دعا الي انشاء جبهة اسلامية موحدة، أما عباسي مدني فقد اقترح اسما آخر هو (الجبهة الاسلامية للانقاذ) معللا هذه التسمية بأن الجبهة تعني المجابهة والاتساع لآراء مختلفة ومتعددة، ورفض محمد السعيد تشكيل الجبهة في البداية قبل أن يلتحق بها مع كوادره التي كانت تؤطر العمل داخل تيار البناء الحضاري (الجزأرة)، كما رفض محفوظ نحناح فكرة تأسيس حزب من الأساس ولكنه عاد ليؤسس (حركة المجتمع الاسلامي)، ونفس الشيء بالنسبة للسيد: عبد الله جاب الله الذي أنشأ (حركة النهضة الاسلامية). لا شك أن الخطابات والتصريحات التي كانت تصدر عن بعض زعماء الفيس واطاراته قد أثارت الرعب في نفوس الكثير من رموز النظام الذين عملوا كل ما في وسعهم للحيلولة دون أن يصل هذا الحزب الي السلطة، وقد تجلت سياسة المطالبة والمغالبة التي تبناها حزب جبهة الانقاذ في الكثير من الخطابات والمذكرات التي قدمت الي الجهات الرسمية، ففي المذكرة التي وجهها الحزب الي رئيس الجمهورية في: 7 اذار (مارس) من سنة 1989 والتي تضمنت البرنامج السياسي لجبهة الانقاذ ومما جاء فيها: ـ ضرورة التزام رئيس الجمهورية بتطبيق الشرعية الاسلامية ـ استقلال القضاء بغرض الحسبة ـ تحديد مجالات الاصلاح وفق جدول زمني ـ حل البرلمان واجراء انتخابات تشريعية مسبقة ـ اعادة النظر في سياسة الأمن، ـ الغاء الاحتكار الرسمي لوسائل الاعلام ـ وقف عنف الدولة ضد المطالب الشعبية، وغيرها من المطالب والنقاط التي توضح بأن جبهة الانقاذ قد سلكت طريقا مطلبيا، ولكن هذا المسلك كان فيه نوع من المخاطرة وعدم الاحتساب الدقيق للنتائج، وعدم الاكتراث بالمؤامرات التي كانت تحاك ضد الجزائر ناهيك عن المشروع الاسلامي والحركة الاسلامية، ويعود كل ذلك الي كون أن هذا الحزب لم تكن له الكوادر التي بامكانها استشراف المستقبل. وحتي وان كانت هناك بعض الاطارات الكفاءة فانه لم يعتد برأيها، والا لما ذهب الحزب الي ما ذهب اليه من راديكالية في مواجهة نظام متجذر ومتحكم في كل شيء، وأول مظاهر هذه المواجهة الخاسرة هي المظاهرات والاضراب السياسي العام الذي دعا اليه الحزب في حزيران (يونيو) 1990، حيث شلت جميع القطاعات في المدن والقري والمداشر لمدة أكثر من أسبوع، حيث كانت المسيرات تزداد حدة مطالبة بذهاب الرئيس والحكومة، وازدادت معها استعراضات للقوة من قبل جماعات تكون آنذاك قد خرجت من السيطرة الكلية للقيادة السياسية للحزب، وكانت هذه الجماعات مستعدة للمواجهة حيث بدأت أول فصائل الجماعات المسلحة في التشكل، وحتي وان كان بعض رموز النظام يرون مثلا بأن قادة الانقاذ كانت لهم اليد الطولي في تشكيل الجماعات المسلحة حيث يقول اللواء المتقاعد خالد نزار في مذكراته: (لقد تجسد العنف في استعراضات القوة من قبل ميليشيات يرتدي أفرادها الزي الأفغاني في المسيرات، وكانت كل هذه الميليشيات تحت امرة علي بلحاج الذي كان مقره مسجد بلكور والذي أطلق عليه مسجد كابول)، اذا كان هذا هو الرأي الغالب عند رموز النظام وحلفائهم ممن قادوا الانقلاب علي نظام الشاذلي فان بعض زعماء الفيس لهم رأي مناقض حيث صرح السيد مصطفي كرطالي لصحيفة الحياة اللندنية الصادرة في 8 شباط (فبراير) 2000 قائلا: (الجبهة لم تكن تحضر أبدا للعمل المسلح ففي سنة 1990 ومع بداية مؤشرات التوتر في علاقة جبهة الانقاذ بالسلطة قال أحد الحضور في لقاء مع عباسي مدني: ماذا لو نحضر جناحا مسلحا للجبهة؟ فرد عليه عباسي مدني قائلا: لو قام أناس بهذا العمل في الجبهة فكأنهم ضربوني بخنجر)، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن داخل الجبهة كانت هناك تيارات تؤمن وتمجد العمل المسلح، وحتي وان كانت قيادة الحزب قبل اعلان حالة الحصار واعتقال بعض الزعماء ضد أي عمل مسلح حيث كانت في الكثير من المرات تتدخل لتهدئة الأوضاع، ولكن وبعد حالة الحصار وتوقيف المسار الانتخابي وحملة الاعتقالات التي طالت العديد من أنصار الفيس ومتعاطفيه فان هذه القيادة التزمت الصمت ازاء العمل المسلح وحتي ازاء بعض العمليات العسكرية التي استهدفت المواطنين بل وأصبح للحزب جناح مسلح علي الأقل يتمثل في (الجيش الاسلامي للانقاذ). حدود المسؤولية بين الفيس والسلطة:

يجمع الكثير من المحللين والمتتبعين للشأن الجزائري في الداخل والخارج علي أن المسؤولية لا يمكن القاؤها علي طرف دون آخر، بل أن الطرفين المتصارعين يتحملان كل من موقعه النتائج والمآلات التي سارت اليها الأحداث، واذا كان تبيان من المسؤول عن المجازر وحمامات الدم التي كانت تتطاير يبدو في الوقت الراهن علي الأقل أمرا غير ذي جدوي، خاصة وأن البلاد تحاول جبر الكسور ولململة الجراح، الا أن الحديث عن الأخطاء يبدو ملحا من أجل تجاوزها وعدم الوقوع فيها مستقبلا، وبعيدا عن الآراء المتضاربة والمتناقضة التي صدرت عن هذا الطرف أو ذاك فان الأزمة الدامية التي عاشتها البلاد تكون قد تفاقمت واستفحلت بفعل عدة عوامل نذكر منها: 1 ـ عدم تفطن الفاعلين في السلطة والمعارضة لما قد ينجر عن الصدام والمواجهة بين الطرفين، ولجوء البعض منهم الي التصرفات الانتقامية التي أضرت بالبلاد وكادت تدخلها في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، فتوقيف المسار الانتخابي يعتبر خطأ تاريخياً غير مسبوق قابله خطأ آخر من قبل بعض أجنحة الفيس يتمثل بالتورط في أعمال العنف التي استهدفت مؤسسات الدولة وبعض الفئات الشعبية الفقيرة في مختلف المناطق من الجزائر العميقة.2 ـ الأكيد أن الجزائر كانت ضحية لمؤامرات محبوكة لم يتفطن لها الجميع ونتيجة لهذه المؤامرات فان الجزائريين كانوا وسائل في أيدي المتحكمين فيها من داخل البلاد وخارجها.3 ـ لقد عجزت السلطة وجبهة الانقاذ معا في فرض رؤية واضحة ونتيجة لهذا العجز لجأ الطرفان الي المواجهة والمقارعة، حتي وصلت المجازر ورائحة حمامات الدم الي حدودها القصوي، وبعد أكثر من سبع سنوات من المواجهة والاصطراع والعنف الدموي وصلنا الي أكثر من 100 ألف قتيل ومليون ضحية بين مشرد ومعاق ومفقود وخسارة مادية قدرت بـ 30 مليار دولار، فهل بقي بعد هذا أن لا يعترف الكل بأخطائه ويحاول تصحيحها بعيدا عن التعنت والنرجسية والتهميش والاقصاء.

وحتي نعرف مسؤولية كل طرف في الأحداث نكتفي بشهادة اثنين من الفاعلين في مسار الأحداث وهما اللواء المتقاعد خالد نزار وزير دفاع سابق، وكذا مدني مزراق زعيم ما كان يسمي بالجيش الاسلامي للانقاذ.

يقول خالد نزار في مذكراته وهو يبرر موقفه وتحمله مسؤولية توقيف المسار الانتخابي رغم ما انجر عن ذلك من نتائج وخيمة: (لقد قررنا عدم التوجه الي الدور الثاني من التشريعيات منذ الأيام الأولي التي أعقبت الدور الأول من هذه الانتخابات، وكانت الفكرة هي اقناع الرئيس بخطورة الوضع وتقديم الاستقالة، فالبرلمان كان قد أكمل عهدته، وشغور السلطة كان نافذا ولم يكن أمام الجيش أي اختيار آخر غير التكفل بمصير البلاد بعد أن تأكد الرئيس أنه لم تبق أمامه سوي الاستقالة)، بهذه الصراحة يقول رأس الانقلابيين علي نظام الشاذلي ولكنه يتكتم علي أمور أخري تبدو خطيرة حينما يقول في موضع آخر: (التزاما بواجب التحفظ فقد فضلت عدم التطرق علنا الي أحداث كبيرة عاشتها بلادنا خلال تلك الزوبعة التي مرت بها)، فما طبيعة هذه الأحداث وما هي الأسرار التي تكتنفها؟ نترك خالد نزار لنتوقف عند الشهادة التي أدلي بها مدني مزراق من خلال خطاب ألقي علي أتباعه سنة 1994 ونشر بجريدة اليوم الجزائرية في عدد 11 كانون الاول (ديسمبر) 2000 ومما جاء فيه باختصار: 1 ـ الجهاد بدأ في شباط (فبراير) 1992 ولماذا فيفري ففي ذلك الوقت كانت القيادة السياسية تجري حوارا لايجاد مخرج سياسي للأزمة 2 ـ تكلم عن عباسي مدني وكأنه وريثه الشرعي 3 ـ يشرح مصطلح المطالبة والمغالبة قائلا: المطالبة تعني أن نطالب النظام بتحقيق وتنفيذ أهدافنا المشروعة، والمغالبة تعني اذا وقفوا في طريقنا ومنعونا من اقامة الدولة الاسلامية نجاهدهم كما كنتم تسمعون من شيوخ الجبهة مثل عباسي مدني وغيرهم 4 ـ الجبهة الاسلامية كانت تهييء الشعب لمثل هذا الموقف، نحن ندخل الانتخابات ونسعي لتحقيق أهدافنا واذا وقفوا في وجهنا نجاهدهم والحمد لله فان عباسي مدني كان أعلن قبل اعتقاله قائلا: من حقنا اعلان الجهاد، وكان علي بلحاج يقول: نظفوا أسلحتكم. هذا بعض ما جاء في الخطاب المذكور لمدني مزراق. من هنا يتضح أن المسؤولية مشتركة بين الجميع وأن الزج بالبلاد الي المآلات الخطيرة هو نتيجة لتعنت كل الأطراف دون أن يحتسبوا العواقب الوخيمة التي انجرت عن هذا التعنت.

نجم الفيس لماذا أفل؟

لن نجانب الحقيقة اذا قلنا بأن الفيس ليس مجرد حزب ولكن هو ظاهرة اجتماعية حاملة للكثير من الأحلام الدينية والاجتماعية التي كانت تسكن بال الأغلبية من متتبعيه وأنصاره ولكن هذه الظاهرة ـ كما ذكر لنا أحد الاطارات الذين تربوا في أحضان الحرة الاسلامية رفض ذكر اسمه ـ كانت دون تأطير سياسي في المستوي، والذين تولوا المسؤولية في مختلف المواقع لم يكونوا في مستوي الحدث، وأسباب أفول الفيس ـ كما أضاف ذات المتحدث ـ كانت موجودة في طريقة انشائه والتي تمت لأغراض مجهولة ومشبوهة، ولا يستبعد أن تكون هناك أياد خارجية قد أثرت علي السلطة في الجزائر لتسير الأمور وفق ما سارت عليه، واذا سلمنا بأن الفيس هو ظاهرة اجتماعية فانه يمكن تشبيهها بالهزة الأرضية التي تحرك الأشياء وقد تدمرها ولكن سرعان ما تزول مثل باقي الظواهر الطبيعية التي تتسم بالظرفية والمحدودية، وعندما طرحنا سؤالا علي أحد الكوادر الذي كانت تربطه علاقة حميمية مع مختلف رموز الحركة الاسلامية لا سيما تيار الجزأرة المعروف بمتانة بنائه الفكري، لماذا لم يستطع هذا التيار ترشيد العمل السياسي داخل حزب جبهة الانقاذ وعقلنته أجاب قائلا: (جماعة البناء الحضاري دخلوا الحزب متأخرين أي بعد الانتخابات البلدية حيث أن كل شيء كان قد انتهي، ورغم معارضة بعض اطارات هذا التيار لهذا الدخول الا أنه تم ولم يستطيعوا التأثير ويذكر أن هناك تيارات أخري داخل الفيس أصابها الذعر عندما انضم تيار البناء الحضاري الي الحزب وعارضته بشدة مما صعب فيما بعد خلق تجانس بين التيارات ووصل الأمر الي غاية التناحر والتقاتل). وخلاصة القول أن ظاهرة الفيس وما اتخذته من مسارات دراماتيكية مؤلمة تحتاج الي دراسات وكتب، واذا كانت هذه الظاهرة بامكانها أن تكون ظاهرة للاسلام الحقيقي فانها ستعود لا محالة، ولكن ليس بنفس الثوب ولا بنفس الوجوه، أما اذا كانت كظاهرة اجتماعية لأشخاص فليس من الممكن عودتها لأن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا يحتملون بعضهم، وآراءهم ومواقفهم مشتتة حيث فعل بهم الزمن كما فعل الماء بالركام المتروك.

ونختم هذا المقال بمقولة للمتحدث السابق: (لو كان لجبهة الانقاذ عقل مدبر لفجر القنبلة التي زرعت في قلب الجزائر قبل أوانها أو بعد أوانها أو أنه لفككها دون أضرار)، أما وقد تفجرت كما خطط لها زارعوها فنسأل الله اللطف والصون حتي لا نسقط في مطبات أخري.

ہ كاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية