الجزائر: الحراك والمثقف وتطهير التاريخ

حجم الخط
0

الأحداث تتسارع والحراك الشعبي يتسع وهناك من يريد قذف مثقفين إلى خانة الاتهام بأنهم لم يتنبأوا بما يحدث في الجزائر، ولم يهيئوا أو يتهيأوا له. بدل الانتظار ـ قليلاً ـ وتكثيف الآراء والجهود في خدمة مسيرات التحول، انفتحت نوافذ فرز، ولم يتوان عدد من قارئي الفنجان في رمي مثقفين إلى الخارج، بينما فضلت بقية منهم صلب آخرين في الداخل. والمحير أن بعض المنتسبين إلى الثقافة واكبوا موجة التصفية، وتفريق الصفوف، بما يخدم الذهنية التي كرسها النظام منذ خمسين سنة. فما إن خطت الجزائر إلى الاستقلال (1962) حتى بدأت تصفية المثقفين، زج بهم بومدين في السجن ونفى بعضهم إلى شمال المتوسط، واستقوى الشاذلي بن جديد عليهم بتحرير لسان جماعات دينية ضاغطة، واستيراد شيوخ متزمتين، ثم جاءت العشرية الحمراء، التي كان المثقف ضحيتها الأثيرة، ووصل بعدها بوتفليقة، الذي أسس قاموساً متيناً في السخرية من المثقفين وثبت سياسة محكمة في استبعادهم أو توجيههم بما يوفر له جواً آمناً كي يستمر عشرين سنة. إن لعن مثقفين أو رجمهم ليس سوى ممارسة موروثة من نظام منته، وتواصلها يعني صك وفاء لسنوات القهر الماضية.
المثقف لا ينوب عن السياسي، وليس مطالباً بالقيام بأكثر من دوره، وأي محاولة لدحرجته في السياسة، أو رغبة منه في القفز إليها، لا تُعد أكثر من انحراف عن وظيفته، ويذكرنا ذلك بما وقع فيه بعض مثقفي ألمانيا الشرقية، فبمجرد سقوط جدار برلين، ذهب كثير منهم إلى محاولة استدراك التاريخ والقول إنهم كانوا يكتبون في الأدب أو المسرح من أجل توحيد الألمانيتين، كلام لا ركيزة له، ويتنافى مع ماهية الثقافة. إن توريط الكتابة في السياسة هو أفيون الأدب، فالمثقف معني بالملاحظة والتأويل والاقتراح والنقد، لا تأليب الرأي العام أو تحريضه أو التلاعب به. مهمته تتجه نحو الجماهير في البحث وفي كشف عورات السلطة، لا مصارعتها بأدواتها وإعادة إنتاج خطابها، فهناك من هم مسؤولون عن تلك الوظيفة، من مناضلين أو حقوقيين أو معارضين سياسيين. ومن يسعى إلى اختصار المثقف في السياسة يُشبه من يُحاول قطع رأسه.
نشأ هذا التعريف الجديد المخاتل للمثقف بالزج به في قضايا لا تعنيه منذ ظهور المثقف الميديائي، الذي استوطن التلفزيونات، وفاق حضوره نجوم مسلسلات رمضان، وحوّل دوره من صناعة الأفكار إلى تبني خصومات شخصية. تكاثر مثقفو الميديا على حساب المثقفين النقديين، ونسوا أصل وجودهم، وصرنا نخلط بينهم وبين المعارضة أو الموالاة. فإذا ذكر المثقف النظام بالحسنة، في سياق نقاش أو رغبة منه في مصلحة ذاتية، أسقطنا عليه تهمة مبايعة الحكم، والتواطؤ معه. ويحصل الأمر نفسه إذا فضل الصمت. وإذا اختار الانتقاد صار معارضاً، ولا ننتظر منه سوى خطاب شرس عن الحاكم وزمرته، هكذا انقلبت التعريفات والمعايير، وصرنا في كل لحظة مواجهة بين السلطة والشعب نفتش عن المثقف ونطلب منه ما في نفوسنا، لا ما يمليه عليه واجبه باتخاذ مسافة أمان من الأحداث، كي يرصدها ويحللها ـ لاحقاً ـ بعيداً عن الضغوطات.

تزحزح بعض المثقفين الجزائريين، من زمان، من مكانهم الأصلي، وفضلوا أن يمتلكوا الحق في الكلام تحول، في ما بعد، إلى رغبة في امتلاك الحقيقة، في تماه مع نموذج المثقف الفرنسي الجديد.

إن امتزاج بعض المثقفين مع الأحداث الآنية، ورشاقتهم في الالتحام مع القضايا السياسية، ومواجهة الناس بين معاتب ومصفق لهم، يشعرهم أحياناً بتضخم الأنا، فلا يفوتون على أنفسهم فرصة كي يتفاعلوا ـ بسرعة ـ مع القضايا السياسية، بالإيجاب أو السلب، عن قناعة منهم أن كل تفاعل مع الحدث السياسي يوفر لهم جمهور محبين، وخصوماً مهما كان عددهم، فهم أيضاً يصبون في الترويج لهم. لم يعد المثقف الجزائري يُدافع عن فكرة ولا عن قناعة، بل يُدافع عن صورته، ويروج لها. فقد السيطرة في انفعالاته وغيّب وعيه، ويصعب أحياناً التفريق بينه وبين المُعارض الصريح. لكن هذا الأمر لا يعني أن نسرف في التحامل عليه، وتحميله وزر ما لا يحتمل، لأن هذه التعليقات والخرجات، التي نسمعها ونقرأها من أيام، تزامناً مع الحراك الشعبي، لن تجذر سوى كره المثقف، كي تعود الدائرة إلى نقطة الانطلاق، وتولد من جديد الخطاب الذي داومت السلطة على تصنيعه في تنفير الناس من المثقفين. قد نصدق أن المثقف لم يتنبأ بالطوفان البشري، الذي خرج إلى الشارع، ضد الجماعة الحاكمة، وأن المثقفين لم يكونوا سبباً في صد سنوات الفساد، لكنهم لعبوا دوراً غير مباشر في تعبيد الطريق، ولا بد أن يكون لما يحدث على الأرض ـ الآن ـ انعكاساً على الثقافة، بأن تتجدد وتبتكر أساليب إبداع جديدة لها، أن تتخلص من جلدها القديم، وتوسع من أفق نظرها. قد لا يكون المثقف سباقاً في استشرف الأحداث، لكن عليه أن يتأقلم معها.
لقد تزحزح بعض المثقفين الجزائريين، من زمان، من مكانهم الأصلي، وفضلوا أن يمتلكوا الحق في الكلام تحول، في ما بعد، إلى رغبة في امتلاك الحقيقة، في تماه مع نموذج المثقف الفرنسي الجديد. وجدوا في الميديا أرضية لتجريب أفكارهم ونظرياتهم، أعجبتهم اللعبة، ولم يحسبوا لها حساباً بأنهم يفقدون جزءاً من حريتهم، وعفوية تصرفاتهم، وأنهم يتحولون هدفاً صريحاً، في حال انشق الشارع على السلطة، ويتورطون في مواقف السياسية وقد يُتهمون بالانحياز. ومن كثرة ظهور المثقف على الشاشة، بات أيضاً محل اهتمام التجمعات السياسية والأحزاب والنقابات التي تحاول استغلاله بما يخدم منفعتها في صراعاتها مع السلطة. كما ساعد هذا التهافت على الشاشات في ظهور منتحلي صفة، وصار كثيرون، بين عشية وضحاها، مثقفون، يبدعون في خطابات متضاربة، يتحمل خطاياها المثقفون الأصليون.
إن الحراك الشعبي، الذي نشهده هذه الأيام، يمثل نموذجاً حياً عن تورط المثقف وإلباسه ثياباً لا تناسب مقاساته. وهذا ما قد يؤدي ربما إلى قطيعة بينه وبين محيطه القريب منه، إذا لم يتريث في تصرفاته وكلامه وتصريحاته، التي باتت تحسب عليه لا له. يجب أن لا ننكر أن بعض المثقفين يسعون، من سنين، إلى تغيير النظام، ولو في هدوء وصبر، ولكن قبل أن يتغير النظام، هل يمكن أن تتغير «الحقيقة» الثابتة في عقول البعض، إن المثقف مهمته في ما يكتب وفيما ينتج من مقاربات؟ وليست وظيفته سياسية. إنها فرصة حاسمة، مع تشقق النظام وبداية تفتته، كي نطهر التاريخ من الشوائب التي خلفها، فقد كان النظام يلعب رأس حربة في تشويه صورة المثقفين في الجزائر، ونعيد بذلك تعريف المُسميات كما يلزم، لا كما يمليه علينا الحاكم ومستشاروه.

٭ روائي وصحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية