الجزائر العاصمة.. مدينة ساحرة لكن سكانها يحلمون بمغادرتها بسبب مصاعب الحياة

حجم الخط
0

الجزائر ـ رويترز: كالعادة يعود معظم السائحين الذين يرتادون سواحل البحر المتوسط بكاميراتهم خلال فصل الصيف لبلادهم بدون ان يلتقطوا واحدة من اجمل الصور في العالم للعاصمة الجزائرية وخليجها. ورغم تزايد الثروة وتحسن الاحوال الامنية فان عوامل ردع قوية مثل ماض من العنف السياسي وحالة القنوط التي اعقبت الحرب وعدم اكتراث رسمي قديم بالسياحة حالت دون تعرف العالم الخارجي علي عظمة البلاد المضمحلة. فبينما تستقبل كل من تونس والمغرب ستة ملايين اجنبي سنويا فان الجزائر الاغني تستضيف 1.4 مليون معظمهم من الجزائرين القادمين من فرنسا لزيارة أسرهم. والعاصمة الجزائرية الفاتنة قطعة من باريس شيدها مهندسون معماريون فرنسيون في شمال افريقيا محاكين العاصمة الفرنسية بحيوية مازالت تخطف الابصار حتي اليوم. وفي عام 1881 كتب الكاتب الفرنسي جاي جي موباسان جميلة هذه المدينة التي تغطيها الثلوج تحت الاضواء المبهرة والانطباع الاول الشائع لمن يشاهد المباني التي يغطيها اللون الابيض والتي اصبحت متهالكة الان المقامة علي التلال المطلة علي ساحل ضخم مقوس. ويقول الجزائريون ان امكانات المدينة المهدرة رمز لمعاناة البلاد التي ابتليت بصفوة سياسية وبيروقراطية عاجزة عن استغلال ما تتمتع به من امكانات ضخمة. وبدلا من التحضير للترحيب بزائرين من جميع أنحاء العالم يقول عدد كبير من سكان المدينة الذين أعيتهم الحرب والتوترات انهم يريدون مغادرة الجزائر نتيجة نقص الوظائف والمنازل والتوترات السياسية. ويحتسي حسن المتخصص في علوم الكمبيوتر القهوة علي مقهي في شارع ديدوش مراد، وهو شارع انيق قديم تحف به مباني سكنية ضخمة قديمة تزينها اعمدة متموجة. يحصل حسن علي اجر شهري 18 ألف دينار (253 دولارا) يقل 15 مرة عن دخله الشهري في عام 2006 حين كان يدير مطعما للكباب في مايوركا. وقد عاد لوطنه لاسباب عائلية ولكنه يتلهف للانضمام مرة اخري لمئات الالاف من الجزائريين الذي يعملون في اوروبا. ويقول المعلق الفرنسي المخضرم جان دانيال الذي ولد في الجزائر هذه واحدة من أكبر واغني واقوي دولتين او ثلاث دول في الشرق الاوسط. ومع ذلك يريد الناس مغادرتها.

ولا تساعد الاوضاع السياسية علي تشجيع المواطنين علي البقاء. فبعد 45 عاما من طرد الجزائريين الاحتلال الفرنسي اثر حرب ضارية وقيام احد اشكال الانظمة الاشتراكية مازالت الصراعات تساعد علي عزلة الجزائر. وتراجع عدد الزائرين من رجال الاعمال الاجانب حين فجرت القاعدة مكاتب حكومية في الجزائر في نيسان/ابريل مما اسفر عن سقوط 33 قتيلا. واثار مخاوف بشأن امكانية تجدد أعمال العنف التي شهدتها حقبة التسعينات بين متشددين اسلاميين والجيش والتي تركت اثارها علي كثير من الجزائريين. واستقرت الاوضاع في المدينة منذ ذلك الحين ومن المستبعد أن تبعد التفجيرات بضعة الاف من المغامرين الاجانب يجوبون الصحراء الجزائرية وعددا أقل يزور حي القصبة القديم كل عام. ولكن قلة تثق بان الجزائر والبلدات المحيطة بها يمكن ان توفر فرص عمل كريمة تكفي عشرات الالاف من الشبان من سكان الحضر الذي يمضون أيامهم بلا عمل. ولا توجد أرقام رسمية لاعداد الجزائريين الذين يغادرون البلاد، ولكن رئيس الوزراء الاسبق احمد بن بيتور يقول ان بلاده دولة مصدرة للعقول. ويقول رضا حمياني رئيس فيدرالية رؤساء المؤسسات ان كثيرا من العلل نابعة من فشل الدولة في تحديث النظام البيروقراطي المأخوذ عن النظام السوفيتي الذي يغرق المشروعات في الروتين. ويقول السكان ان العجز عن استغلال عدد كبير من المتاحف والحدائق والشواطيء يشير لعجز عن التعامل مع العولمة. ويتحسر العيد مغمول رئيس الديوان القومي للسياحة علي الضعف الصارخ لجهود سابقة للترويج للجزائر. ورغم حالة الضيق فان هناك تحسنا في الاوضاع لا يمكن انكاره. وعلي رأس القائمة الامن. فقد تراجع عدد المتشددين لحوالي 400 من 40 ألفا في ذروة اعمال العنف. وتأتي الثروة في المرتبة الثانية بفضل عائدات النفط والغاز المتزايدة مما ساعد علي نمو الانفاق الاستهلاكي. وانتشرت المتاجر والمباني السكنية في المدينة وتتوافر الاطعمة والاثاث والاجهزة المنزلية والادوية وتتعدد بشكل لم يكن ليخطر علي بال قبل خمسة اعوام. وبدأ مستثمرون اجانب يتوافدون علي البلاد وتنوي شركات خليجية ضخ مليارات لاقامة فنادق. ومن المقرر ان يبدأ مشروع مترو الجزائر الذي تجري دراسته منذ السبعينات في ايلول /سبتمبر عام 2008. وبعد ان تأخرت لعقود وصلت اخيرا مطاعم الوجبات السريعة بما لها وما عليها للبلاد. وصار بمقدور الجزائريين الان الاقتراض لشراء سيارات. ولكن لا يبدو الرضا علي سكان العاصمة الذين يرون انحرافا بين الشبان وتراجعا في مستوي المدارس وضعف كفاءة البنوك وانتشار المخدرات. ونحو 75 في المئة من البالغين دون الثلاثين لا يعملون. واحيانا تتحول المظاهرات للمطالبة بتوفير عدد اكبر من المساكن لاعمال شغب. ويقول محمد (23 عاما) الذي يمضي الوقت في مقهي بشارع ديدوش مراد سأذهب لفرنسا.

ويقول حارس الامن الذي يكافح ليحصل علي اجر 15 الف دينار (نحو 180 دولار) شهريا يمكن أن يفرح الجزائريون. كل ما نريده وظيفة محترمة بأجر جيد. ولكنهم لا يريدون لنا ذلك.

و هم هي السلطات، ويميل الجزائريون لتحميل مسؤولية كثير من العلل لصفوة سياسية منعزلة تحيط نفسها بسياج من السرية يقول منتقدون انها تبدو مصممة علي النهب. وعزز هذا الشعور موجة من عمليات الاستيلاء علي اراض باستخدام العنف وتصاعد عمليات التهريب في التسعينات. ويشير محمد لرجل يقود سيارة هامر رباعية الدفع ويقول انظر لهذه. هل تتصور انه حصل علي المال لشراء السيارة بطريقة نظيفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية