الجزائر: الفصل بين النقابي والسياسي وتنظيم حق الإضراب قانون جديد يثير مخاوف «عمّالية»

محمد سيدمو
حجم الخط
3

الجزائر ـ «القدس العربي»:  تتجه الحكومة في الجزائر، بعد أكثر من ثلاثين سنة، لتغيير القوانين الناظمة للعمل النقابي في البلاد، بدافع تكييفها مع مقتضيات الدستور الجديد لسنة 2020 وإبعاد هذا الميدان الحساس عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية وتوجيه نشاط المؤسسات بالدرجة الأولى نحو العمل والإنتاج، لكن هذا التوجه يلقى معارضة شرسة من قبل أحزاب يسارية ونقابات، ترى فيه تراجعا عن المكاسب العمالية ونكوصا عن الحق الدستوري في الإضراب ومحاولة لإبعاد النقابيين عن الانغماس في الشأن الحرمان عبر حرمانهم من ممارسة السياسة.

ويجري حاليا مناقشة نصين، على مستوى اللجنة المتخصصة بالبرلمان، يتعلقان بالعمل النقابي. الأول هو مشروع قانون يتعلق بالمنظمات النقابية وممارسة الحق النقابي يهدف إلى تحديد المبادئ والقواعد المرتبطة بالحرية النقابية وحماية ممارسة الحق النقابي. والثاني، هو مشروع قانون يتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية للعمل وتسويتها، يرمي إلى «تحديد الأحكام المتعلقة بالوقاية من النزاعات الجماعية للعمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب».
وفي حال اعتماد القانونين، سيلغيان أحكام القانون رقم 90 ــ 14 المؤرخ في 2 حزيران/يونيو 1990 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي، وهو أحد أبرز القوانين التي جاءت بها حكومة مولود حمروش في إطار الإصلاحات التي سمحت بفتح المجال للتعددية السياسية والنقابية والإعلامية بالجزائر، حيث كانت الجزائر قبل ذلك يحكمها الحزب الواحد الذي ظل يؤطر العمل السياسي وحتى النقابي والإعلامي في البلاد، إلى أن فرضت الظروف التي صاحبت انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 1988 الانفتاح والتعددية.

محتوى مشروعي القانونين

وفي نص مشروع القانون الذي اطلعت عليه «القدس العربي» تشير المادة 12 منه، على أنه يمنع على المنظمات النقابية الارتباط هيكليا ووظيفيا بأحزاب سياسية، ولا يمكنها الحصول على دعم مالي أو امتيازات أخرى من الأحزاب تحت طائلة تعليق نشاط المنظمات، كما يمنع الجمع بين عهدة في هيئة قيادية وإدارة منظمة نقابية وممارسة مسؤولية قانونية أو عهدة في الهيئات قيادية لحزب سياسي.
ويمنع القانون كذلك في المادة 13 المؤسسين والأعضاء والقياديين في النقابات، التصريح بمساندتهم أو دعمهم لأحزاب وشخصيات سياسية، مع التشديد على ضرورة أن تتضمن القوانين والأنظمة الأساسية للمنظمات الفصل بين النشاط النقابي والسياسي والاستقلال عن أي جمعية أو مجموعة ضغط.
واحتوى القانون على شق عقابي، فهو يسلط غرامة 100 إلى 200 ألف دينار جزائري (700 إلى 1400 دولار) على كل من يجمع بين ممارسة عهدة قيادية في حزب سياسي وإدارة نقابة. وتشدد النص في موضوع التمويل، فهو يمنع استلام الهبات والوصايا الواردة من المنظمات والهيئات الأجنبية أو الوطنية إلا بعد الموافقة المسبقة للسلطات الإدارية المختصة، وفي حال قبولها يعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة 100 إلى 200 ألف دينار.
ومن الأمور اللافتة الأخرى، اشتراط القانون نسبة تمثيل للنقابات تساوي على الأقل 30 في المئة من تعداد العمال والمستخدمين بينما هي 20 في المئة في القانون المعمول به حاليا. وفي حال ممارسة نشاطات غير المنصوص عليها في قانون الحق النقابي والقانون الأساسي للمنظمات النقابات، يمكن تعليق نشاط المنظمة لمدة أقصاها سنتين بالطرق القضائية أمام القضاء الإداري.
أما مشروع القانون المتعلّق من النزاعات الجماعية وتسويتها وممارسة حق الإضراب، فيضع أيضا عدة قيود أمام اللجوء للإضراب ويوجب في البداية إيجاد مساحات للحوار بين العمال والإدارة.
ولا يمكن وفق نص القانون، اللجوء إلى الإضراب بمجرّد إشعار بالإضراب، بل تُلزم المنظمات النّقابية بإجراءات طويلة تبدأ بالمصالحة ثم الوساطة والتحكيم. ويعتبر أيّ إضراب لا يحترم هذه الإجراءات الطويلة غير قانوني ويعاقب بمجالس تأديبية وباللجوء للعدالة.
كما يحصر الإضراب بمطالب مهنية محضة والظروف العامة للعمل، يمنع الإضراب على أساس مطالب سياسية أو مدة غير محددة أو الإضراب المفاجئ أو المتقطع أو التضامني. ويفرض مشروع القانون التصويت بأغلبية مطلقة للعمال بحضور ثلثي العمال المعنيين لاتخاذ قرار الإشعار بالإضراب. ويقرّ أيضا عدم تقاضي أيّ أجر خلال أيام الإضراب.
وينصّ مشروع القانون على تحديد قطاعات الأنشطة ومناصب العمل التي تتطلّب تنفيذ قدر أدنى من الخدمة عن طريق التنظيم. وتعود سلطة تقدير تحديد القطاعات للسلطات العمومية بدون أي إمكانية الطعن. كما ينصّ مشروع القانون على «منع الإضراب في قطاعات الإستراتيجية ذو الحساسية السيادية وفي المصالح الأساسية ذات أهمية حيويّة للأمة». ويمنع أيّ إضراب «قد يؤدّي توقف النشاط إلى تعريض حياة المواطن أو سلامة أو صحته للخطر أو احتمال أن يؤدّي الإضراب إلى أزمة خطيرة».

الحكومة تؤكد منح
مزيد من الحرية للنقابيين

وتدافع الحكومة بقوة عن الإجراءات الجديدة المتضمنة في القانونين، ويقوم وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، يوسف شرفة، منذ فترة بالترويج للقانونين مؤكدا أن الهدف منهما منح المزيد من الحرية للعمل النقابي.
وخلال عروضه المتكررة أنام نواب البرلمان ولجانه، يقول شرفة إن «القانون يصبو إلى منح الحريات النقابية إطارا قانونيا متقدما وملائما لمهام المنظمات النقابية، انسجاما مع المعايير الدولية للعمل وتعزيزا للضمانات القانونية التي تخول للعمال الأجراء ولأرباب العمل تأسيس منظمات نقابية بكل حرية بدون تمييز للدفاع عـن مصالح أعضائها المادية والمعنوية». ويأتي تعديل القوانين المؤطرة للعمل النقابي، بناء على توجيهات مباشرة من الرئيس عبد المجيد تبون الذي دعا في مجلس الوزراء المنعقد في كانون الثاني/يناير 2022 إلى الشروع في فتح نقاش واسع حول مقترحات كيفية ممارسة الحق النقابي، وفقا لمضامين الدستور، والقوانين السارية للجمهورية، والقوانين الدولية.
ومما شدد عليه الرئيس، ضرورة العودة إلى أبجديات العمل النقابي المعمول به دوليا، والمتمثلة في الدفاع عن حقوق العمال وترقية مناخ العمل، مع الابتعاد نهائيا عن الممارسات السياسوية، والارتباط العضوي بين النقابات والأحزاب.
وبدا قرار السلطات منع أي ارتباط بين العمل السياسي والنقابي، نابعا من اعتقادها بوجود يد للأحزاب السياسية في تحريك احتجاجات عمالية. وفي نيسان/ابريل 2021 اتهمت الحكومة بقيادة عبد العزيز جراد في ذلك الوقت، بعض النقابات بالإفراط والتعسف في استغلال الحق النقابي، ومحاولة «تعكير مناخ التغيير الذي شرعت فيه السلطات العمومية، ولا سيما عبر تنصيب المؤسسات الجديدة في إطار مشروع بناء الجزائر الجديدة (شعار الرئيس تبون)».
ويرى المحامي والحقوقي عبد الرحمن صالح، أن محاولة الفصل بين العمل السياسي والنقابي، قد ترجع في جزء منها إلى تجربة الحراك الشعبي، حيث لعبت النقابات دورا كبيرا في إدارة النقاش العام والسعي للتنظيم عبر عقد الندوات والاجتماعات وتقديم الاقتراحات والحلول والمبادرات السياسية.
ويذكر صالح في حديثه مع «القدس العربي» أنه يمكن القول أن النقابات والنقابيين في فترة ما بعد الحراك، لم يكونوا بنفس القدر عرضة للتضييق كما حدث مع نشطاء سياسيين أو في الإعلام. وأبرز أنه باستثناء كونفدرالية النقابات التي تعرض مقرها للتشميع من قبل الضبطية القضائي سنة 2020 لم تسجل حالات أخرى، لكن الواقع العام مع ذلك أدى لتراجع الأداء والممارسة، وهو يواجه تحديا آخر بفعل القوانين الجديدة.

مطالب بسحب القانون

تبرُز الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون كأكثر الرافضين لفكرة الفصل بين العمل السياسي والنقابي. وقدمت المرشحة الرئاسية السابقة في تدخل لها خلال اجتماع حزبها الأخير، أمثلة على الارتباط العضوي للعمل النقابي مع السياسي. وأشارت إلى أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي هو أكبر نقابة في البلاد، تأسس في وقت الاستعمار الفرنسي، من أجل تحقيق الاستقلال الوطني الذي هو مطلب سياسي. وتحدثت عن دور هذه النقابة الوطنية عقب الاستقلال في منع الحرب الأهلية سنة 1962 فيما عرف وقتها بأزمة الحكومة المؤقتة مع جيش الحدود، حيث رفعت النقابة شعار «7 سنوات بركات (يكفي)» للقول بأن الجزائريين تعبوا بعد 7 سنوات من الكفاح المسلح ضد المستعمر ويرفضون الدخول في أتون حرب أخرى بين الإخوة. وذكرت دور النقابات أيضا خلال الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر سنوات التسعينات من القرن الماضي، حيث كان النقابيون إسمنت الاقتصاد الوطني وحافظوا على المؤسسات العمومية وسقط منهم العشرات من الضحايا تحت رصاص الجماعات الإرهابية.
ويعتقد القيادي في حزب العمال رمضان تعزيبت، تعقيبا على كلام مسؤولة الحزب، أن تجارب العالم أكدت دائما وجود علاقات وطيدة بين أحزاب عمالية ونقابات. فالحزب الشيوعي في فرنسا مثلا هو من أسس نقابة CGT والحزب الاشتراكي أسس نقابة CGT FO لكن بقيت استقلالية بين الأحزاب والنقابات. وفي بريطانيا، يقول، كانت نقابة TUP هي التي أسست حزب العمل. أما في البرازيل، فحزب العمال ومركزية CUT تجمع بينهما علاقات عضوية.
وتساءل تعزيبت في حديثه مع «القدس العربي»: «هل يعقل أن يمنع للقيادي في حزب سياسي أن يكون إطارا نقابيا في نفس الوقت أو لقيادي نقابي أن لا يكون في قيادة حزب سياسي؟ هل القيادي في نقابة ما، يفقد حقوقه السياسية ويحرم من التفاعل مع كل ما يجري في بلاده فقط لكونه نقابيا؟». وعقّب بالقول: «هذا تعد صارخ على الديمقراطية وخطوة جد خطيرة لانه في العالم وفي بلادنا العمل النقابي سياسي بامتياز ولا يمكن فصله عن مصير المجتمع».
ويصف من جهته مسعود بوديبة الأمين الوطني المكلف بالإعلام في نقابة المجلس الوطني المستقل لأسلاك التربية، المقاربة المطروحة في القانون، بأنها تنطوي على نظرة ضيقة لحرية ممارسة العمل النقابي وإهمال دوره في التنمية والتطور المستدامين، مشددا على أن الحريات النقابية مصدر أساسي للاستقرار والسلم المجتمعيين.
وذكر بوديبة في تصريح لـ«القدس العربي» أن التنظيمات النقابية مستقلة عن الأحزاب والإدارة، وهذا مكرس في قوانينها الأساسية المصادق عليها من طرف السلطة الإدارية، وهو أمر كفيل بإبعاد العمل النقابي عن الجدل الإيديولوجي والسياسة الحزبية التي يشار إليها في شروحاتهم، متسائلا عن سبب الإلحاح عن الفصل بين العمل النقابي والسياسي إلا إذا كان من وراء ذلك رغبة في إبعاد النقابات عما يهم الشأن العام.
ويضيف المتحدث فيما يخص الحق في الإضراب، أن القوانين الحالية واضحة وهي تدفع للحوار والتفاوض كحل رئيسي لفك النزاع. لكن مشروع التعديل، حسبه، يعقد الإجراءات التي يجب احترامها للقيام بالإضراب لدرجة التمييع بتفاصيل تسمح للإدارة التلاعب بها وإدخال الممثلين النقابيين في حصار والتهديد بالمحاكم من طرف المسؤول.
كما أن نسبة التمثيل النقابي التي يريدون رفعها إلى 30 عوض الحالية 20 في المئة تعجيزية، حسب بوديبة، خصوصا مع التعددية النقابية وعزوف العمال عن الانخراط، إضافة إلى «كثرة الإحالات في القانون إلى التنظيم أي إعطاء الفرصة للإدارة لتفسير النصوص على هواها».
وتتقاسم النقابة التي يمثلها بوديبة مع أخرى مطالب بسحب القانونين من البرلمان وفتح قنوات حوار من أجل إعادة تعديلهما. واعتبر ممثلو عدة نقابات خلال جلسة سماع لهم على مستوى لجنة الصحة والعمل بالبرلمان أن المشروعين مناقضين لقوانين الجمهورية وللاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، ويشكلان تراجعا عن المكاسب النقابية الحالية وحرية ممارسة العمل النقابي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية