الجزائر: انتقال سلس أم ترميم النظام القديم؟

الدكتور محمود بلحيمر
حجم الخط
0

بعد مضي عام ونصف على اندلاع الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة التي أطاحت بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ينبغي أن نتساءل: ما هو نهج الانتقال الديمقراطي الذي تمضي فيه الجزائر؟ وهل سيتيح المجال لبناء مؤسسات ديمقراطية تضمن الاستقرار أم سيعيد فقط ترميم وبناء نظام تسلطي جديد؟

في خطاب له أمام الولاّة في 12 آب/اغسطس الجاري سخِر الرئيس عبد المجيد تبّون من الدّاعين لمرحلة انتقالية، وقال إن “الناس الذين يطمعون في مرحلة انتقالية وزمّارة ما وراء البحار.. القطار لا يعود إلى الوراء” وأشار تبّون إلى أن الدستور المرتقب “يحوي كل الاقتراحات”. وهكذا سدَّ الرئيس الجزائري الباب تماماً في وجه مقترح المضي إلى مرحلة انتقالية تؤسس للبناء للديمقراطي الجديد، فبناء “الجزائر الجديدة” بالنسبة للسلطة الحالية يمّر عبر تعديل الدستور والعمل مع الأحزاب والتنظيمات الموجودة ضمن الإطار المؤسساتي الراهن.

والواقع أن خيار الانتقال الديمقراطي، الذي يُفترض أن يقتضي مرحلة انتقالية يتّم فيها صياغة دستور توافقي لإعادة بناء المؤسسات السياسية من الأساس، كان عارضه بشدّة الفريق الراحل أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش، الذي فرض المرور لانتخابات رئاسية عرفت أضعف نسبة مشاركة منذ الاستقلال (39 في المئة) واعتلى على إثرها عبد المجيد تبّون سدّة الحكم خلفا لعبد العزيز بوتفليقة المستقيل تحت ضغط الشارع. كان الجيش، ولا يزال، يرى في المرحلة الانتقالية مغامرة محفوفة بمخاطر جمّة على استقرار البلاد، ولقد كالت مجلة الجيش تُهمًا خطيرة وانتقادات عنيفة لمن يتحدثون عن هذا الخيار.

الفراغ السياسي

تركّز مخاوفُ السلطة في الجزائر والذين ينتقدون مطالبات “الحراك” بمرحلة انتقالية حقيقية على مسألة المخلّفات الخطيرة للفراغ السياسي وللصراعات الإيديولوجية التي يمكن أن تعصف بالاستقرار كما حصل في دول عربية عقب ما عرف بـ”الربيع العربي” مثل ليبيا واليمن، وترى أن “الحراك” منقسمٌ ويحمل تناقضات يصعبُ التوفيق بينها لرسم بناء سياسي جديد وأنه غير ناضج ولا يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً وليس له ممثلين إلخ، وأن الأحزاب التقليدية عاجزة وفاقدة للمصداقية، ويرون أن الانتقال المراقب هو الأنسب للجزائر في الظرف الراهن، مع الإشارة إلى ان الجزائر جرّبت على النهج بعد أحداث تشرين الأول/اكتوبر 1988 وأفضى إلى نمط سياسي فاشل، كما سنرى لاحقا.

حقيقة، ليس هناك وصفة جاهزة للانتقال الديمقراطي؛ فهناك تجارب مختلفة باختلاف بنية كل نظام سياسي وثقافته السياسية وآليات الحكم فيه ومحيطه الجيوسياسي إلخ، لكن المختصين يشيرون عادة إلى التجربة الإسبانية كنموذج يمكن الاهتداء به لبناء انتقال سلس وناجح، كونه دفنَ ديكتاتورية فرانكو ورسّخ نظاماً ديمقراطياً مستقراً، وقد جاء بمبادرة من نظام الحكم وعبر الآليات القانونية والدستورية التي استخدمت لتجاوز البنية المؤسساتية والقانونية التي رسّخها النظام الديكتاتوري لفرانكو خلال 36 عاماً، فتمّ بناء المؤسسات السياسية الجديدة استنادا إلى اتفاق سياسي تم التوصل إليه في بداية الأمر بين النظام الحاكم وقوى المعارضة.

وتبدو الحالة الجزائرية الحالية بعيدة جداً عن النموذج الإسباني، فليس هناك اتفاق سياسي بين السلطة والمعارضة على ترتيب المرحلة المقبلة وبناء نظام سياسي جديد يُحدد القواعد الجديدة للوصول الى الحكم وممارسته ومحاسبة من يتولون السلطة إلخ.. حقيقة الوضع هي كالتالي:

1) هناك هدوء لـ”الحراك” بسبب وباء كورونا، ربما هدوء مؤقت، لكنّه أراح السلطة من الضغط الكبير الذي يمثّله الشارع المطالب بالتغيير. فالنزول إلى الشوارع كان السلاح الناجح لإرغام بوتفليقة على الرحيل، ويبقى خيارا قابلا للعودة لاسيما مع الاعتقالات التي استهدفت بعض النشطاء.

2) غياب ما يُسمى بالمعارضة، فالأحزاب التقليدية المُعارضة أفلَ نجمها ولم تعد قادرة على حشد الأتباع أو القيام بأي دور لافت في الساحة، أما الأحزاب الأخرى التي ساندت بوتفليقة وكانت طرفا رئيسيا في نظامه فهي في ورطة تاريخية، إذ يُصعب عليها بناء مصداقية سياسية جديدة، كما يُصعب عليها الخروج من البؤرة التي صنعتها بنفسها، فهي جُبلت على طاعة السلطة لا على معارضتها.

3) شروع السلطة في ترتيبات جديدة لبناء النظام الجديد، وقد برز ذلك في 11 آب/أغسطس الجاري بإطلاق مسعى وطني تحت مسمى “مبادرة القوى الوطنية للإصلاح” من قبل أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات وطنية ومنظمات اقتصادية وشخصيات لـ”تجسيد إصلاحات حقيقية عميقة تعكس الإرادة الشعبية في التغيير”. بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية. ومن الوجوه المشاركة في الندوة الطاهر بن بعيبش رئيس حزب الفجر الجديد، وعبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني، وعبد العزيز بلعيد رئيس حزب المستقبل. وهي احزاب مجهرية يرتبط مسؤولوها بالماضي ولا يُنظر إليها كأحزاب جدية لها رؤية لمستقبل البلاد.

فالسلطة ترى نفسها أنها تجاوزت مسألة الانتقال الديمقراطي، وتسعى من خلال “مبادرة القوى الوطنية للإصلاح” لإعادة ترتيب شبكاتها الزبائنية وتهيئة الأرضية لبناء سياسي جديد سيشكّل القاعدة السياسية والاجتماعية للحكم في المراحل المقبلة. ما هو على المحك الآن، بالنسبة للسلطة، ليس مطالب الحراك، بل هو إعادة بناء الشرعية ولو شكلية وبأحزاب وتنظيمات النظام السابق.

ثلاثة عقود من الانتقال العقيم

ينبغي أن نعود قليلا إلى الوراء لفهم الآليات التي لجأت إليها السلطة للتعامل مع ما عرف بالانتقال الديمقراطي، والذي لم يخرج عن نطاق معالجة الشرعية المفقودة للسلطة. فبعد توقيف المسار الديمقراطي في 11 كانون الثاني/يناير 1992 كان هاجس السلطة هو إيجاد حل لأزمة الشرعية التي أرّقتها منذ ذلك الحين؛ فالمجلس الأعلى للدولة كان هيئة مُعيّنة ومؤقتة حلّت محل الرئيس المنتخب، والمجلس الاستشاري الوطني الذي حلّ محل البرلمان معيّنٌ هو أيضا. كانت مسألة إيجاد قاعدة سياسية واجتماعية تستند إليها السلطةُ لتبرير شرعيتها تبدو معقّدة  للغاية، لكن بعد انتخاب الجنرال اليمين زروال رئيسا للجمهورية في تشرين الثاني/نوفمبر 1995 استغلّت السلطة ذلك الزخم لحسم مسألة القاعدة السياسية للحكم، فتمّت الإطاحة بعبد الحميد مهري من رأس حزب جبهة التحرير الوطني (الأفالان) في ما عُرف بـ”الانقلاب العلمي” ليتم وأد حلم تحوّل الحزب العتيد إلى حزب كباقي الأحزاب، كما جرى تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي) في 12 شباط/فبراير 1997 وفق مسعى سلطوي هدَف إلى توسيع القاعدة السياسية للنظام بحشد شرائح سياسية واجتماعية أخرى وفي الإدارة لتلتحق بحضيرة زبائن النظام، وسخّرت الإدارةُ إمكانيات كبيرة لهذا الحزب الذي مُنح فوزا ساحقا في أول انتخابات نيابية خاضها في 5 حزيران/يونيو 1997 ووصفتها المعارضة بالمزوّرة حتى اشتهر بأنه “آلة انتخابية بامتياز”. يُضاف إلى هذا تعديلات دستورية على المقاس لتأطير هذه التصميم للحياة السياسية.

وهكذا شكّلت أحزب “الأفالان” و”الأرندي” وحركة مجتمع السلم “حمس” (تيار إسلامي) وأحزاب أخرى القاعدة السياسية للسلطة، تشارك في الائتلاف الحكومي وتصوّتُ لصالح السياسات الحكومية في البرلمان وفي المجالس المحلية وتدعمُها. مع العلم أن هذا التحالف كان شكليا ولا دور فعّالا له في القرار السياسي الذي كان بيد القوى الأخرى الفاعلة في النظام وعلى رأسها الجيش.

وعندما جاء بوتفليقة إلى الحكم في نيسان/أبريل 1999 أبقى على هذه “الهندسة السياسية” وعزّزها لكي يستغلّها في تلميع صورة حكمه بالزعم أنه يرتكز على قاعدة سياسية عريضة تضم الأحزاب الكبرى في البلاد إضافة الى منظمات المجتمع المدني، رغم أنه يدرك أن السلطة الفعلية موجودة في جهة أخرى. وهكذا، جرى التأسيس لتقليد نشاز في الممارسة السياسية بالجزائر يتعارض مع الآليات الديمقراطية التنافسية المتعارف عليها، بحيث صار التحالف المذكور يلعب دور الحزب الواحد السابق، مع فارق بسيط وهو أنه يتشكل من ثلاثة أحزاب رئيسية، قبل أن تلتحق بها أخرى. والواقع أن التحالف الرئاسي قضى كلية على المنافسة السياسية التي كان يسعى إليها الجزائريون في مسار البناء الديمقراطي وخنَقَ المعارضة؛ فلقد وجدت السلطة القائمة في تلك الأحزاب المذعنة والداعمة لها القاعدة التي توّفر لها، على نحو دائم، أرضية مريحة للاستمرار في الحكم بعيدا عن أي منافسة سياسية أو حتى مساءلة في المؤسسات الديمقراطية كالبرلمان. ولقد رأينا التداعيات الكارثية لهذا النمط من الممارسة السياسية؛ رئيس عليل على كرسي متحرك لم يكلّم شعبه لسنوات، وزمرة ماكرة، نُعتت بالعصابة فيما بعد، تفترس البلد وثرواته، وآخرون يتسابقون على ما تبقى من فُتات الريع، وأزمات البلاد تتعقد يوما بعد يوم.

هناك سؤال جوهري يطرح هنا وهو: هل سيُبقي عبد المجيد تبون على هذا النمط الفاشل من الهندسة السياسية الذي صُمم في تسعينيات القرن الماضي وأثبت عقمه في تعزيز الممارسة الديمقراطية، بل وخطره على استقرار البلاد؟

لا شيء يوحي في الوقت الراهن بأن السلطة ستودّع هذا النمط؛ فاجتماعات ما سُمي بـ “مبادرة القوى الوطنية للإصلاح” والتغييرات التي طالت حزبي “الأفالان” و”الأرندي” المرتبطين بالسلطة تصب في هذا الاتجاه. وعدم المبادرة بأي إجراء للتقرب من الحراك، (على العكس هناك حملة اعتقالات تستهدف نشطائه) رغم زعم الرئيس تبّون بأنه يسهر على تنفيذ مطالب الحراك، يجعل السلطة تتصرف بمفردها في ترتيب المشهد السياسي للمرحلة المقبلة، مستغلة، طبعا، ميزان قوى لصالحها. ولا شك أن نتائج هذا النهج ستكون كارثية مرة أخرى، وكأننا نريد أن نُلدغ من نفس الحجر عشر مرات. لأن جزائر ما بعد 22 شباط/فبراير 2019 لا يمكنها أن تصدّق بأن وجوها قديمة كصالح قوجيل أو بن بعيبش وبن قرينة، على سبيل المثال، تحمل مشروع إصلاح. وكأننا نعود سنوات إلى الوراء من دون أولئك الذين هم وراء القضبان من أمثال ولد عبّاس وأويحيى وعمّار غول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية