الجزائر ـ يو بي اي: دأب الساسة الجزائريون على ترداد أن بلادهم شهدت ‘ربيعها’ قبل 24 عاماً عندما تخلت عن نظام الحزب الواحد ودخلت في تعددية حزبية وإعلامية، سرعان ما شهدت انتكاسة بعد إلغاء السلطة عام 1991 نتائج أول انتخابات برلمانية تعددية فاز فيها حزب إسلامي، وما صاحب ذلك من عنف لا تزال تعيش نتائجه.والآن بعدما شهدت دول عربية ‘ثورات’ أزاحت أنظمة حكم ونظمت فيها انتخابات، تجد الجزائر نفسها في مواجهة تداعيات ذلك، مع ازدياد الضغوط الداخلية لمنح الفرصة للشعب لاختيار حكامه بصورة حرة ونزيهة .كما ظهرت تهديدات أمنية أرّقت الجزائر بعد سيطرة جماعات متشددة على منطقة الأزواد الحدودية بشمال مالي، وهو ما اعتبرته تهديداً مباشراً لأمنها القومي، بالخصوص بعد دعوات غربية للتدخّل العسكري لحسم الموقف خوفاً من إقامة إمارة إسلامية تدعم ‘الجهاد’ العالمي.وقد رأت الجزائر في ذلك ‘خطورة قصوى’ على اعتبار أن الأمر سيكون ‘مطية لإنشاء قواعد عسكرية غربية على حدودها’، في منطقة غنية باليورانيوم والنفط.وقال الخبير بالجماعات المسلّحة بوعلام غمراسة ليونايتد برس إنترناشونال، إن المسؤولين الجزائريين يسوّقون قصة ‘عشنا الربيع العربي قبل 24 عاماً، للإستهلاك المحلي والخارجي معاً، لأن أي مراقب موضوعي يقول إن التجربة الديمقراطية التي بدأت في 1989 أجهضت في بدايتها، وبعدها دخلت البلاد في حرب أهلية لا تزال تعيش تداعياتها إلى يومنا’.وأضاف ‘خلال هذه الفترة تراجعت ممارسة الحريات السياسية والنقابية بشكل رهيب، وتقلّصت هوامش حرية الصحافة ونشاط تنظيمات المجتمع المدني بشكل غير مسبوق، ولما جاء (الرئيس عبد العزيز) بوتفليقة إلى الحكم، فمنع إنشاء أحزاب ونقابات، لغاية العام 2012 أي بعد 13 سنة من ممارسة الحكم، ولم يكن ذلك ممكناً لولا مخاوف النظام من امتداد الاضطرابات التي وقعت في تونس وليبيا، إلى الجزائر’.وتساءل ‘أين هذا الربيع الذي تزعم السلطة أن الجزائريين تنعموا بنسيمه؟’.في المقابل، تساءل رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري (الغرفة الأولى في البرلمان) السابق عبد العزيز زياري، عن ماهية التغيير الذي تدعو إليه المعارضة، قائلا ‘عن أي إصلاح سياسي يتحدثون؟ هل الإصلاح يعني أننا نغادر الساحة لتمكينهم من مناصبنا’.وتابع زياري’ وهناك من زل لسانه وقال إنه يتعيّن على الجيش والعسكر التدخّل لإزاحة فلان وتنصيب فلان.. مطالب هؤلاء الديمقراطيين هي من هذا النوع وهدفهم المناصب، عبر طريق غير طريق الصندوق (الانتخابات)’.وحذّر من دعوات المعارضة لتبنّي النظام البرلماني في التعديل الدستوري المرتقب في النصف الأول من العام 2013، قائلا إن ‘النظام البرلماني خطر لأنه يضع الحكم في يد الوزير الأول المنتخب من قبل المجالس المنتخبة’.وأضاف ‘أؤكد أنه على مدى 30 إلى 40 سنة المقبلة سيبقى النظام البرلماني خطراً على الجزائر، لأن الخارطة السياسية الحالية، ستنتج نظاماً عروشياً جهوياً،.. وأرفض هذا النظام’.وعلى هذا الأساس أدخل حزبا السلطة (جبهة التحرير الوطني) و(التجمع الوطني الديمقراطي) تعديلات على قوانين الإنتخابات شلّت قدرة المعارضة على التأثير على الأقل في السنوات الخمس المقبلة.وأهم ما فرضته هذه التعديلات وجوب حصول الأحزاب المترشّحة لأي انتخابات على 7′ على الأقل للفوز بمقعد، وهو ما أنتج في النهاية برلماناً ضعيفاً انتخب في 10 أيار/مايو 2012 ومنح الفوز لجبهة التحرير والتجمع بفارق كبير عن المعارضة.وتساءلت المعارضة هل أن حصول جبهة التحرير على غالبية مقاعد البرلمان بـ 1.6 مليون صوت فقط من أصل 21 مليون ممن يحق لهم الإنتخاب يعد فوزاً؟ وهو ما دفع هذه الأحزاب إلى الدعوة لحل البرلمان الجديد وإلغاء بند الـ7′ ‘المشؤوم’ بنظرها.غير أن بوتفليقة لم يستجب لدعوات المعارضة وأكد في المقابل أن تعديل الدستور سيتم من قبل البرلمان الحالي، وهو ما فهم بأن السلطة ماضية في إقرار نظام الحكم الرئاسي الذي يعزز من صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب البرلمان ويجعل منه الآمر الناهي، بعيداً عن أي مجازفة بخوض انتخابات برلمانية جديدة ربما جاءت بنتائج عكسية في غير صالح السلطة.وقال الكاتب السياسي جلال بوعاتي ليونايتد برس إنترناشونال، ‘تقرر أن تحدث تغييرات في الجزائر، غير أن الطريقة التي تم الاتفاق عليها بين دوائر صناعة القرار ركّزت أساساً على عدم المساس بالتوازنات الاجتماعية بالدرجة الأولى، وفي درجة أقل أهمية بالخريطة السياسية التي تعرّضت للتغيير الظاهري على اعتبار أن القوة الأولى في البلاد ليست سوى الإسلاميين الذين تم تهميشهم خلال العام الماضي بسبب مرافعتهم لصالح الربيع العربي’أي وقوفهم مع الثورات التي جاءت بإسلاميين مثلهم إلى السلطة.واعتبر أن مراهنة الإسلاميين هذه ‘أخافت نظام الحكم الذي راهن على فوز التيار الوطني الحاكم وتقهقر الإسلاميين إثر حملة إعلامية وسياسية شرسة قادتها أحزاب علمانية بيّنت الأيام أنها كانت متواطئة مع الحكم وحصلت على عدد مريح من المقاعد في البرلمان والمجالس البلدية والولايات’.وأضاف أن ‘الربيع العربي’ الذي راهنت عليه السلطة ‘تمثل في تغيير التحالفات السياسية، حيث عمدت إلى السماح بظهور أحزاب كثيرة بغرض التشويش على عملية الفرز الانتخابي لدى الناخبين الذين يتناقص عددهم من سنة لأخرى بسبب اقتناعهم بعدم جدوى حدوث تغيير عبر صندوق الانتخاب’.وبالفعل، فبعد منع دام 13 عاماً (1999-2012) قرّرت السلطة الجزائرية اعتماد أكثر من 40 حزباً جديداً خلال شهرين فقط وقبل إجراء الإنتخابات البرلمانية بشهرين، وهو ما اعتبرته المعارضة سعياً من الحكم لتمييع الإنتخابات من خلال تشتيت أصوات الناخبين وبالتالي دعم حزبي السلطة، وهو ما حدث بالفعل.وفي ظل هذا الوضع حذّرت أحزاب المعارضة من أن ربيع الجزائر ربما تأخر عن دول الجوار لكنه قد يفاجئ الجميع، على الرغم من أن البحبوحة المالية تتيح للحكم ‘شراء’ ما تسميه المعارضة بالسلم الإجتماعي من خلال ضخ أموال كبيرة في المجال الإجتماعي.من ناحية أخرى، لم تكد الجزائر تخرج من التهديد الأمني الداخلي الذي تشكله الجماعات المسلحة بقيادة تنظيم (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) حتى ظهرت تحديات أمنية جديدة في جنوبها على الحدود مع الدول الإفريقية.وقال الكاتب السياسي والخبير بالجماعات المسلّحة بوعلام غمراسة إن ‘حدود الجزائر مضطربة مع ليبيا ومالي والنيجر بسبب تهديدات الإرهاب وتجارة السلاح، وحدودها مع المغرب غير مستقرة.. فالمخاطر إذن تحيط بالبلاد من كل جانب، وأكثر ما تخشاه السلطات اليوم نشوب حرب على حدودها مع مالي، لأنها تعي جيدا أنها ستكون المتأثر الأول بها’.وأضاف ‘إذا قامت حرب ستتحمل الجزائر أزمة إنسانية بنزوح مئات المدنيين الطوارق إليها هروباً من الاقتتال، وسوف يتسرّب السلاح إلى مناطقها الصحراوية كما حصل في حرب ليبيا، وسوف يتسلّل إرهابيون أيضاً’.وتابع ‘ لهذا السبب حاولت الجزائر فرض الحل السياسي القائم على التفاوض في مالي، لكن الضغط الفرنسي الذي دفع إلى الخيار العسكري كان أقوى’.من جهته، يرى بوعاتي أن ‘لا أحد ينكر خطورة الوضع في جنوب الجزائر بسبب حمى التنافس على السيطرة على ثروات الساحل ومعادنه الثمينة من ذهب وماس ويورانيوم، والأهم من كل ذلك النفط والطاقة الشمسية، في زمن بدأت فيه بوادر نضوب العديد من آبار وحقول البترول في الدول المصنعة وعجز دول أخرى من الحصول عليها بأسعار غير مرهقة’.وحذر بوعاتي من أن ‘الرهان في ظاهره إنساني ودفاعاً على حقوق الأقليات، لكن في باطنه حرب شعواء على مصادر الطاقة، ولا أحد يعلم بالضبط متى تخمد نيرانها إن اشتعلت يوماً ما’.واعتبر أن ‘الجزائر تبرز كأكبر متأثر بما يجري في الساحل لاعتبارات تاريخية.. فحدودها مع كل من موريتانيا ومالي والنيجر، موروثة عن الاستعمار الفرنسي الذي يحاول، بل يسعى منظروه الجدد، لاستعادة النفوذ عليه بالكامل أو على الأقل الاحتفاظ بما بقي، في ضوء الهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة في الجزائر وليبيا وجنوب السودان ونيجيريا’.وقال إن ‘أي فوضى أو عدم استقرار في الجنوب يعني أن خطراً داهماً يترصّد الجزائر التي هي في غنى عنها’.هكذا تبدو الجزائر تسير بين ضغط وأحلام الاسلاميين بالوصول إلى السلطة واستعادة تجربة مرّ عليها حوالي ربع قرن، تيمناً بزملاء لهم في تونس ومصر..وبين ضغط على حدودهم مدفوع بهوس استعمار قديم لاستعادة السيطرة اقتصاديا ونهب الثروات،ولو أدى ذلك لأزمات سياسية واجتماعية.