كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’ ا ف ب: احتفلت الجزائر أمس الاثنين بمرور خمسين عاما على وقف إطلاق النار بين جيش التحرير والقوات الفرنسية، وذلك في أعقاب التوقيع على اتفاقيات إيفيان في 18 آذار (مارس) 1962، والتي نتج عنها استفتاء تقرير المصير، الذي جاءت نتائجه مكرسة لرغبة الاستقلال التي قاوم من أجلها الشعب الجزائري طوال 132 سنة من الاستعمار.
ومرت الذكرى دون أن تكون هناك احتفاليات رسمية ضخمة، عدا بعض الندوات التي نظمت هنا وهناك، ولكنها لم ترق إلى ما كان منتظرا في هذه المناسبة، في حين أن الكثير من القنوات الفرنسية خصصت منذ أيام برامج ونقاشات وحوارات حول هذه الذكرى، من أجل استحضار ماضي العلاقات بين الجزائر وفرنسا، وكذا استشراف مستقبلها.
وفي الجزائر العاصمة نظمت بلدية بئر مراد رايس وقفة تابينية في مقبرة ‘شهداء الثورة الجزائرية’ بالاضافة الى قافلة تجوب الجزائر للتعريف باتفاقيات ايفيان، بمبادرة من المنظمة الوطنية للمجاهدين. ومن جهته اصدر بريد الجزائر طابعا بقيمة 15 دينارا (0,15 يورو) بمناسبة ‘الذكرى الخمسين ليوم النصر’، بينما تم تنظيم منتديات ومحاضرات وخصص التلفزيون الحكومي برامج حول الموضوع. وفي فرنسا عزا وزير الدفاع جيرار لونغي الاثنين غياب الاحتفالات الرسمية الى كون اتفاقيات ايفيان تسببت ايضا في ‘مآسي’. وسانده في ذلك عدة جمعيات للمرحلين من الجزائر بعد 1962 والحركى الذين حاربوا في الجيش الفرنسي. وقال دوني فادا رئيس لجنة التنسيق بين جمعيات المرحلين ‘من المطمئن ان الدولة اوضحت ان تاريخ 19 اذار/مارس يمثل بالنسبة لالاف الرجال والنساء بداية معاناة كبيرة’. وفي هذه الظروف الاليمة، تعرض نصب تذكاري يخلد انتهاء المعارك في الجزائر للتدنيس في منطقة غرينيي (محيط باريس، ايسون) ليل الجمعة السبت. فقد تم تكسير اللوح وكتابة ‘الله اكبر’ على النصب. واكد مرشح الرئاسة الفرنسية فرانسوا هولاند في مقال نشر الاثنين على الصفحة الاولى لصحيفة ‘الوطن’ الجزائرية الناطقة بالفرنسية انه ‘يريد القطع مع (حرب الذاكرة)’ (القراءات المختلفة للتاريخ) بين فرنسا والجزائر من اجل ‘المرور الى مرحلة اخرى لمواجهة التحديات المشتركة في منطقة البحر الابيض المتوسط’. وتحدث هولاند مطولا عن ‘تدمير مئات القرى واجبار مليوني فلاح على ترك اراضيهم’ في الجزائر، وكذلك ‘مقتل مئات الاف من الجزائريين’. واضاف ‘اليوم بين الاعراب عن الندم (عن الاستعمار) الذي لم يعبر عنه البتة او الركون الى النسيان وهو بالتاكيد خطأ، هناك مجال لنظرة ثاقبة ومسؤولة لماضينا الاستعماري وللتقدم بثقة باتجاه المستقبل’. والى جانب المقال نشرت ‘الوطن’ في الصفحة الاولى ملفا حول الذكرى عنونته ‘الجزائر حذرة و(الرئيس الفرنسي نيكولا) ساركوزي واهم’ و ‘نصر جميل وشاق’. وخصصت الصحف الجزائرية الاخرى مقالات وملفات مطولة حول الذكرى، اما صحيفة ‘الشروق’ الواسعة الانتشار (500 الف نسخة يوميا) فنشرت في صفحتها الاولى ملفا حول ارشيف الجزائر المهرب الى فرنسا في 1962 تحت عنوان ‘فرنسا هربت 100الف وثيقة في شاحنات عسكرية فور اعلان الاستقلال’. وكان استطلاع للرأي نشرته صحيفة ‘ويست فرانس’، اظهر ان 57’ من الفرنسيين يرون ان استقلال الجزائر ‘شيئ جيد لفرنسا’ مقابل 38′ فقط في 1972 اي عشر سنوات بعد استقلال الجزائر. وانهت اتفاقيات ايفيان (نسبة لمدينة في فرنسا) 132 سنة من الاستعمار الفرنسي للجزائر وسبع سنوات ونصف من الحرب.
من جهة أخرى عاد الجدل مجددا حول موضوع استصدار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي على الجرائم المقترفة خلال فترة استعمارها للجزائر، وهو مطلب لا يحقق الإجماع في الجزائر، ويثير الجدل في كل مرة يتم فيها طرحه، وقد فاجئ وزير المجاهدين محمد شريف عباس الجميع أمس الأول بالإعلان عن أنه غير متحمس لاستصدار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، مؤكدا على أن هذا سن قانون مثل هذا سيشغلنا عن قضايا أكثر أهمية.
وشدد على أن الأولوية يجب أن تكون للعمل على استرجاع الأرشيف الخاص بالحقبة الاستعمارية والموجود لدى فرنسا، لأن هذا الأرشيف سيكشف حقائق جديدة عن تلك الفترة، مشيرا إلى أن عدم استصدار قانون يجرم الاستعمار لن يمحي من ذاكرة الجزائريين الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الاستعمار.
يأتي هذا التصريح أياما قليلة بعد أن دعا السعيد عبادو الأمين العام لمنظمة المجاهدين، وهو ينتمي لحزب الوزير الأول أيضا، إلى استصدار قانون تجريم الاستعمار، مؤكدا على أن هذا القانون أصبح أكثر من ضرورة لأنه يمثل أفضل رد على قانون تمجيد الاستعمار الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي في عام 2005. وكان عبادو قد شدد على أن الجزائريين كانوا قد قلبوا صفحة الاستعمار، لكن الساسة الفرنسيين فتحوها من جديد، عندما استصدروا قانون يمجد الاستعمار، ويتحدث عن الجوانب الإيجابية من، موضحا رفضه لنظرة الاستعمار للشعوب المستعمرة من زاوية الاحتقار.
وذكر أن منطق الفرنسيين الذي يعول على رحيل جيل الثورة، للتعامل مع الجيل الذي لا يعرفهم من الجزائريين ليس منطقا سليما، لأن رسالة ثورة التحرير تتناقلها الأجيال الصاعدة، دون أن يغير ذلك من الماضي الأسود لفرنسا الاستعمارية في الجزائر. وأوضح أن فرنسا يجب أن تعترف بجميع الجرائم وأن تقدم الاعتذار و التعويض وأن ترجع ما نهبته من ثروات طوال 132 سنة، مشددا على أن الاستقلال لم يكن هدية، وأن هناك العديد من الشهداء سقطوا منذ بداية الاحتلال’. من جهته كان الوزير الأول أحمد أويحيى قد رد قبل أيام على الأصوات المطالبة بضرورة اعتذار فرنسا، مؤكدا على أن هذا المطلب أصبح موظفا لأغراض سياسية، متسائلا إن كان الرؤساء الذين حكموا الجزائر منذ الاستقلال ليسوا وطنيين، لأنهم لم يطالبوا فرنسا بالاعتذار؟
جدير بالذكر أن أويحيى سبق وأن أعلن صراحة رفضه لمشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، والذي كان قد تقدم به مجموعة من النواب مطلع السنة الماضية، قبل أن يؤكد الوزير الأول أن هذا المشروع له أهداف سياسية انتخابية ضيقة، وهو ما أدى إلى تجميده على مستوى البرلمان، رغم احتجاجات أصحاب المشروع.