الجزائر: سلطة ضد الدولة

د. نورالدين ثنيو
حجم الخط
0

بين الدولة في الجزائر وما يجب أن تكون عليه جملة من التصورات الخاطئة، يمكن أن نجملها على النحو التالي: إذا كانت حقيقة الدولة هي مجموعة من المؤسسات العامة الكفيلة بأن تقدم خدماتها بشكل موضوعي ونزيه إلى الشعب الذي يعد عِماد الدولة وركنها الرّكين ولا تقوم الدولة إلا به، فالشعب هو مصدر السلطة وليس السلطة التي تصنع جماهيرها لكي تبرر بها وجود الدولة، كما هو السائد في الجزائر، حيث انفردت السلطة بالحكم واستقلت به عن الشعب الذي يجب أن يحيل إلى المواطنين وليس إلى رعايا أو كتلة تساق في كل موعد انتخابي إلى الموافقة على مرشح السلطة، وتزكية نتائج الانتخابات التي تكون دائما في صالحها. وعليه، فقد تورمت السلطة بالقدر الذي صادرت الدولة وحاصرتها لكي لا تزدهر مؤسساتها لصالح الشعب في كافة قطاعاته وفئاته.

حال الوضع في الجزائر منذ عقود، أن السلطة أفرزت نظاما سياسيا يسمح لها بالبقاء الدائم في الحكم، وهذا مناف لمقتضيات وشروط الدولة التي تبحث دائما عن التجديد والتناوب وترشيد إدارة الشأن العام، لأن الأصل في تكوين ووجود الدولة الدائمية التي تعني بالضبط زوال الحكّام وبقاء المؤسسات، لأن هذه الأخيرة تعبر عن الشخصية المعنوية أو الاعتبارية، بينما رجال الحكم يعبّرون أولا عن شخصية طبيعية من خصائصها الزوال والموت، كما أنهم ينتمون إلى جهة سياسية جاءت إلى الحكم لكي تقدم أفضل ما عندها ، وأن أي فشل أو إخفاق يجب أن ينقل تدبير الحكم إلى جهة سياسية أخرى تأتي عبر صناديق الاقتراع. بينما الأمر على خلاف ذلك تماما في الجزائر، حيث تمت مصادرة مؤسسة عمومية اعتبارية من قبل زمرة من الذين يحتكرون الحكم كدائرة محْكمة لا يمكن أن تؤول إطلاقا إلى المعارضة. وأكبر جريمة ارتقت إلى الخطيئة هي أن السلطة صادرت الدولة عندما أصرّت على عدم وصول المعارضة إلى الحكم، ومن ثم تكرس للعالم أجمع أن الحكم في الجزائر وفي بعض البلدان العربية، نظام سلطوي لا يمكن التخلص منه إلا بانهيار نظام الحكم ذاته. فقد تبين في هذه البلدان أن أصل الجرم هو مصادرة السلطة للدولة وصدِّها عن التّماهي مع المواطنين كمصدر للحكم، وليس العكس، أن تقْرن وتصْهر مؤسسات الدولة في السلطة الحاكمة والتعامل معها كملكية لأشخاص طبيعيين، لأن الدولة في ماهيتها لا تقبل إطلاقا التمليك.

فالجزائر التي حازت على استقلالها السياسي، عبر كفاح شرعي حددت معاييره السياسة الدولية لما بعد الحرب العالمية خاصة الأمم المتحدة، التي صارت الجهة التي توفر شرعية ميلاد الدول و تمنح لهم أحقية إدارة دواليب الحكم فيها، ومن ثم الشرعية الدولية لميلاد الدول، ولم تواصل نفس المساعي من أجل مسألة شرعية نظام الحكم عندما يخيب في إدارة مؤسسات الدولة، كأن تسهر على حق المعارضة في الحكم ونزاهة الانتخابات، والاعتراض على تزييف الوعي وتدنيس الضمائر وتحريف السياسة و استغباء الجماهير وشراء ذممهم فقط لإبقاء الحكم في يد السلطة التي تحوّلت إلى طغْمة تحْترف البقاء في الحكم عبر تنظيمات لا صلة لها بالشعب كمصدر للسلطة و عبِّر عن معنى الدولة في تعريفاتها الحديثة والمعاصرة.

وعليه، فإن الدولة، كما يجب أن تكون في الجزائر تنتظر من يحرِّرها من قبضة السلطة التحرير النهائي والإعلان عن بداية مرحلة جديدة توفر شرعية وطنية حقيقية، بعد ما كانت إرادة الشعب كلها مصادرة ومغلولة في يد جماعة من رجال الحكم الذين تمادوا في طغيانهم وعبثهم السياسي أوصلوا البلد إلى حافة الهاوية، معلنين صراحة: إما الأمر الواقع أو حقبة النار والدمار.

أن إقدام السلطة على الانقلاب عام 1992على أول تجربة ديمقراطية في البلد وزجه في أتون حرب أهلية، كان بمثابة الهزيمة التي أوقعتها على الشعب، حوّل بسبب ذلك إلى جهة تساق عند كل استحقاق انتخابي لكي توافق على مرشح السلطة وتزكي الأغلبية المناصرة للسلطة عبر صناعة مزيفة لتشكيلات يراد لها أن تكون معارضة بالاسم لكنها تدرج ضمن لعب السلطة في عملية إفساد متواصل للنشاط السياسي والعبث بمؤسسات الدولة وقانونها الأساسي، حيث صار الدستور خرقة بالية من فرط التعديلات التي تعيد كل مرة صياغة إرادة الشعب بالقدر الذي يوافق على مرشح السلطة.

ما حاولنا أن نوضحه في ما سبق، أن السلطة حالة، والدولة كما يجب أن تكون عليه حالة أخرى في الجزائر، وأن حيازة الاستقلال لا تعني إطلاقا بناء الدولة بمؤسساتها العامة التي تأبى الامتلاك، لأنها من طبيعة منافية تماما للأشخاص الطبيعيين. وهكذا، بمنطق الاستنتاج، أن الدولة في الجزائر لا تزال رهينة في يد السلطة، وأن هذه الأخيرة ليس لها من دور إلا الحيلولة دون الوصول إلى استقلال الدولة، الاستقلال الذي يفصح عن إرادة الشعب الحقيقية كمصدر للسلطة من حيث التعيين ومن حيث إنهاء مهام ممثليه عن إدارة الشأن العام. وعندما ندفع بمنطق الاستنتاج إلى أقصاه، نرى أن ما يجري اليوم في الجزائر من حراك شعبي هو الرد الطبيعي جدّا للشعب على انفراد السلطة بالدولة ومصادرتها. فما يجري من حراك سلمي هو السبيل الأقوم والأسلم إلى استعادة الدولة من يد سلطة باغية طاغية فاسدة ومفسدة.

في سياق ما يجري اليوم في الجزائر، هو لحظة تاريخية قلّما توفرت لغيرها من الدول، مع اختلاف وتباين التاريخ في طبيعة الحال. وإذا كانت الثورة التحريرية قد أفضت إلى الاستقلال عن دولة محتلة بعد كفاح مسلح مرير، فأن ما يجري اليوم، ويجب إن يستمر، هو الاستقلال عن السلطة التي امتلكت الدولة وتصرفت بها طوال عقود كجهاز ريعي. إن الحراك السلمي الرامي إلى تحرير الدولة من السلطة هو العنوان الكبير للمرحلة التي يتم تأسيسها ويبدأ معها تحرير الدولة الوطنية من أسر النظام السلطوي، ليس في الجزائر فحسب بل في كل البلدان العربية والافريقية التي شهدت استبدادا سلطويا اغتصب الدولة ومنعها عن الشعوب. فما أكده التاريخ المعاصر أن الثورة التحريرية الكبرى لم تكن فعلا داخليا فحسب، حيث أفضت إلى تحقيق الاستقلال وتغيير السلطة الفرنسية من الداخل وفي علاقاتها بالخارج أيضا، كما أدت إلى التعجيل باستقلال العديد من دول العالم بدءاً من تونس والمغرب.

أخيراً، وليس آخرا، نقول، ولا نخشى الخطأ، أن السلطة في الجزائر ضد الدولة كمفهوم غير قابل للاحتكار والاستغلال. وعليه، فإن مصادرة الدولة من قبل السلطة يقتضي اليوم حراكا شعبيا سلميا، رائده الأول والأخير أن لا ينزلق إلى العنف الذي تحتكره السلطة وتستمد منه شرعيتها. لأن استعادة الدولة من صلب السلطة ليس كالسعي إلى الاستقلال عن الاستعمار الذي تطلب السلاح والعنف والإرهاب. فالاستقلال غير والدولة غير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية