الخوف يولد التبعية، تنجم عنه سلوكيات قد تبلغ حد الخضوع، وكلما ارتفع ذلك الشعور فقد الفرد السيطرة على ردود فعله، يحس بأنه بات معزولا، وأن أي تحرك يُحسب عليه، يستكين إلى ركن ويُراقب بدون أن يتكلم، ساكناً غير قادر على المناورة، صامتاً تجنباً للضجيج، ذلك هو البروفايل الذي تود أن تبلغه بعض الفضائيات التلفزيونية، في الجزائر، التي يسيّرها رجال أعمال وسياسيون، بينما الصحافيون هم الحلقة الأضعف فيها، فمن خلال تخصيب الخوف، وبثه في لاوعي مشاهديها، تكون قد استجابت للأمر الواقع، وقلصت من سقف الحريات، وضمنت استمرار الحكم القائم. إذا كنا نتكلم كثيراً عن التحرش الجنسي مع ما يُرافقه من ترسانة قانونية تحمي الضحية وتعاقب الجاني، فلماذا لا نطرح قضية التحرش المعنوي، الذي له تبعات مشابهة، لما يحمله من ضرر على الأشخاص المستهدفين، بدون أن يوجد قانون يحميهم ويدين الجاني؟
بعض القنوات التلفزيونية، لاسيما تلك التي لها إمكانات مادية، نظراً لقرب مالكيها من قصر المرادية، وتستفيد من سخاء المعلنين، فهمت اللعبة على أصولها، تقوم سياستها الإعلامية على الإغراء والتحرش. تحتكر الفرجة في مواسم الخمول، مثل رمضان والصيف، تعرف كيف تكسب المشاهدين إلى جانبها، بإغرائهم ببرامج ضحك، وأخرى توفر لهم نصائح كيف يدخلون إلى الجنة بدون عناء، تضمن ثقة نسبة من المشاهدين، تستميلهم إلى جهتها، أو بالأحرى تستغفلهم وتقبض على رضاهم، بغرض استغلال أولئك المشاهدين ـ لاحقاً ـ في غرضها الآخر، وهو التحرش والتخويف، حين يتحول الهدوء إلى الغضب، وذلك ما لاحظناه ـ مثلاً ـ عقب مظاهرات 22 فبراير/شباط الماضي. بينما كان الآلاف من الجزائريين، بمختلف أعمارهم، يتظاهرون في الميادين والساحات العامة ضد ولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، التزمت تلك القنوات الصمت، والتعتيم أسوأ من التخويف، ثم انتقلت لاحقاً إلى الخطة البديلة بأن قزمت من تلك المظاهرات الشعبية، واختتمت المشهد بإرهاب المشاهدين، والتحرش بهم، من خلال بث محتويات مبطنة عن ضرورة الهدوء، وعدم الخروج إلى الشارع، لعبت بذلك دوراً في تمتين الوضع العام، الذي خرج الآلاف رفضا له، واستغلت ميل مشاهدين إليها كي تتلاعب بآرائهم وتحيدهم عما يحصل في الشارع.
يحصل أن تتشابه قناتان في محتواهما، أو ثلاث قنوات، لكن أن نجد شبها بين عشر قنوات، ولا فروقات بينها في المضمون وفي طريقة تركيب الصور والمشاهد وعرضها، فذلك يبعث أكثر من سؤال عن مصداقيتها.
إذن فلعبة الإغراء ثم التحرش هي الثنائية التي تُراهن عليها الوسائل السمعية البصرية، التي تطوقها أهواء مالكيها وأنانيتهم لا صحافييها النزيهين، قصد كسب الرهان الأهم، وهو ضمان استمرارية الوضع، الذي يترتب عليه ضمان المعلنين، واستقرار مداخيل ملاكها، واستبعاد المواطنين عن قاطرات التغيير.
تقوم تلك القنوات بالإغراء من خلال ملامسة نرجسية المشاهدين، تُعلي من فردانيتهم، بتوسيع مساحات البرامج التي تعكس صور الجزائريين، تتظاهر بأنها تقدم إعلاما جوارياً، وأنها تتقرب من المواطن المغبون، وبأنها البديل القطعي عن الإعلام الرسمي، الذي عمّر طويلا قبل أن يشرع في الانتفاض في الأيام الماضية، تقوم على مدار الساعة بعرض صور وفيديوهات عن الجزائريين في حياتهم العادية، في بيوتهم وخارجها، وتُظهر تعاطفاً مع الأشخاص المحرومين.. تصر على الحوارات وعلى إتاحة الميكروفون للعابرين على الأرصفة كي يتكلموا عن همومهم الصغيرة، تفعل كل ذلك وغيره، في سبيل الإغراء، كما يفعل رجل يود استمالة قلب امرأة، وحين تبلغ المبتغى يتحول الإغراء إلى سادية، وتستفيد من جانبين، من خلال ترويض المشاهد، ومن خلال إقناع المعلنين، ومن ورائهم السلطة التي تتكئ عليها أكتاف مسيريها، بأنها قدّمت الخدمة المطلوبة منها.
طريقة تواصل تلك القنوات مع الناس فريدة من نوعها، هي لا تتواصل معهم بتقديم المعلومة، والركض خلف الخبر، والسباق نحو السبق، بل تقوم باستبعاد المشاهد عن معرفة الحقيقة، بغرض تعميم سوء الفهم، وتحييده وإخراجه من الإطار، كي لا يعرف ما يدور من حوله، ولا يرد ولا يتفاعل، ويظل في زاوية بعيدة، يحلم بالتغيير ولا يعلم أن التغيير يحصل أسفل نافذته، لكنه غير مدرك لذلك. إن التعتيم يحول المشاهد إلى عاجز، وهي فعلة لا تختلف عن ممارسة عنف ضده. ويمكن أن نعرف منهجية تلك القنوات في «التحرش» من خلال مشاهدة نشرات أخبارها مثلاً، التي تتشابه في الصور التي تعرضها، وفي قاموس المصطلحات التي توظفها. يحصل أن تتشابه قناتان في محتواهما، أو ثلاث قنوات، لكن أن نجد شبها بين عشر قنوات، ولا فروقات بينها في المضمون وفي طريقة تركيب الصور والمشاهد وعرضها، فذلك يبعث أكثر من سؤال عن مصداقيتها.
لن يجانب الصواب من يقول إن الجزائريين عزفوا عن السياسة، في سنوات ماضية، قبل أن يعودوا إليها بقوة هذه الأيام، وأن يكون المرء غير مسيس فتلك ليست خصلة، ولا فضيلة، بل إن كل مواطن معني بما يحصل على أرض بلده، وله الحق في المشاركة في الرأي، ولكن في أنظمة لا تؤمن سوى بالرأي الواحد، فمن صالحها أن ينأى المواطن عن السياسة وحراك الشارع، ويفسح لهم الأرضية لهم وحدهم، ولكي يتحقق ذلك فلا بد أن تتوفر شروط من بينها «التحرش المعنوي»، وهي قضية يجب أن لا نستهين بها، نظراً لما لها من تبعات على عقول مشاهدي التلفزيونات.
في الفترة الأخيرة، مع تحرك الشارع، واقتراب انتخابات رئاسية في البلد، دخل مالكو قنوات خاصة، في الجزائر، معركة دونكيشوتية ضد الحقيقة، أمروا بتجهيز كاميرات، وحشد ما استطاعوا إليه سبيلاً من مختصين في التحرير وفي المونتاج، كي لا تتسرب أي كلمة ـ خارج السياق ـ ولا تفلت أي صورة، ينجم عنهما الإمساك ببعض ما يجري على الواقع. إن ما حصل على الشاشات الجزائرية، يدفعنا للتساؤل: هل هي ميديا موجهة للجمهور العام؟ توفر خدمة عامة؟ أما هي ميديا تابعة؟ مهمتها الدفاع عن مصالح الجهة الوصية؟ هذا هو السؤال الذي عمّر طويلاً قبل أن ينتفض صحافيون، في الفترة الأخيرة، ويعلن عدد منهم استقالاتهم وقطيعتهم مع المؤسسات التي ينتمون إليها، دفاعاً عن شرف المهنة، بينما خرج آخرون إلى النور، وطالبوا مؤسستي الإذاعة والتلفزيون العموميتين بقطع حبل الحياد. إنها انتفاضة غير مسبوقة في قطاع الصحافة في الجزائر. خروج من قفص المال والسياسة الموجهة إلى ميدان الشرف. فهل هي بداية العودة إلى أحضان المواطن؟ الذي ملّ من التفتيش عن أخبار بلده في تلفزيونات أجنبية.
٭ روائي وصحافي جزائري