الدوحة ـ»القدس العربي»: تواجه السلطة الجزائرية معضلة حقيقية، وتجد معها نفسها عاجزة عن حل الأزمات التي تواجهها، مع استمرار مسلسل فشلها من الخروج من المتاهة التي تدور فيها منذ عقود، وتحديداً منذ تنامي الرفض الشعبي العارم لترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة شباط/فبراير 2019 وهو أي الحراك يرفض الاستسلام أمام محاولات القضاء عليه.
إصرار السلطات على تنظيم الانتخابات التشريعية، وهي الأولى منذ التعديل الدستوري الأخير، الذي انبثق عنه قانون انتخابي جديد، بعد حل المجلس الشعبي الوطني، لم يحقق أي مكاسب فعلية.
وترى السلطة السياسية أنها كسبت الرهان بتمريرها مشروع تعديل الدستور، في استحقاق سجل نسبة مشاركة متدنية، ومخيبة للآمال، بلغت 23.7 في المئة.
وحاولت السلطات طمأنة الجمهور، وتعهّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أن الصندوق كان الفيصل في الانتخابات، التي تنافس فيها أكثر 22 ألف مترشح، على 407 مقاعد في المجلس الشّعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان).
كان التحدي الأكبر لهذا الاستحقاق الانتخابي، نسبة المشاركة، وشكل هاجس السلطات الأول منذ سنوات، مع فشل محاولات إقناع الشارع بجدوى اللجوء إلى صناديق الاقتراع، أسلوباً سلمياً وحضارياً لتحقيق التغيير، وبناء مؤسسات قوية تمنع الاستفراد بالحكم.
تصعيد قمعي ضد الحراك
استبقت السلطات موعد الانتخابات بتصعيد لهجتها ضد الحراك الشعبي، الذي بالرغم من اعتراف الرئيس تبون أنه كان الدافع الحقيقي لوأد مشروع التمديد للرئيس المخلوع، إلا أن اللهجة الرسمية ضده بدأت تتغير.
وأكدت صحيفة «إندبندنت» في تقرير أعده سايمون سبيكمان كوردال، وجود تصعيد واضح في القمع الحكومي ضد المتظاهرين، الذين تعتقد قلة منهم فقط أن الانتخابات الأخيرة التي جرت في حزيران/يونيو ستغير الكثير.
وأضاف الكاتب أن الحكومة الجزائرية متهمة بتصعيد حملة الاستفزاز ضد المحتجين المطالبين بالديمقراطية قبل الانتخابات.
وانتقد الناشطون في الجزائر ومنظمات حقوق الإنسان في الغرب، القمع «غير المسبوق». وقال متحدث باسم «هيومان رايتس ووتش» في تصريحات للصحيفة، إن عمليات الاعتقال تعبر عن «تصعيد واضح» في القمع الحكومي.
وتحت عنوان «الجزائر في مأزق تسلطي» قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية من جانبها في افتتاحية لها، إن الانتخابات التشريعية تعد موعداً آخر ضائعا للديمقراطية الجزائرية.
وأضافت أن حبل المشنقة يخنق تدريجياً رغبة الجزائريين في الديمقراطية، عشية الانتخابات التشريعية، حيث يجد الحراك الشعبي السلمي نفسه في مواجهة قمع هائل غير متناسب. يبدو أننا ابتعدنا عن الوقت الذي أشاد فيه عبد المجيد تبون، الرئيس المنتخب، خلال «انتخابات مزورة» بحسب مراقبين، جرت في كانون الأول/ديسمبر 2019 بـ «نضج الحراك المبارك» لأنه أوقف احتمالية ولاية خامسة لعبد العزيز بوتفليقة. واليوم يؤكد الرئيس تبّون نفسه، أنه، مثل كل من سبقوه، رجل الجيش، يمارس واقع السلطة من خلال السعي بكافة الوسائل إلى خنق مطالب الشفافية والانفتاح والحريات، على حد تأكيد متابعين للشأن الجزائري.
وتابعت «لوموند» القول إنه في مناخ مشحون بالخوف، نجح النظام الجزائري في القضاء بالقوة على المظاهرات الأسبوعية التي تحدت سلطته، باستثناء منطقة القبائل. إذ يتم تطويق الجزائر العاصمة بشدة كل يوم جمعة، وتم اعتقال ما لا يقل عن ألفي شخص في غضون أسبوعين، خلال المظاهرات الأخيرة. ويتسم التصعيد القمعي بتوجيه اتهامات وأحكام سجن أشد صرامة، وقد سجن نشطاء معارضون بسبب إبداء رأيهم أو المشاركة في الاحتجاجات.
الأوضاع التي تشهدها الجزائر حركت ساسة في باريس لتقديم عريضة نشرتها صحيفة «ليبراسيون» تحت عنوان: «دعم المتظاهرين السلميين المطالبين بدولة القانون في الجزائر» حيث عبر عشرات البرلمانيين الفرنسيين عن قلقهم حيال التصعيد القمعي الذي لوحظ في الأيام الأخيرة ضد المسيرات الأسبوعية للحراك الشعبي في الجزائر المؤيد للديمقراطية.
مفاتيح الأزمة
ويرى باحثون ومنهم سليم عبد الله الحاج في دراسة نشرها معهد واشنطن، أن هذه الانتخابات تأتي في ظل مشهد سياسي غير عادي، ومشهد حزبي جديد يميزه تراجع مكانة الأحزاب التقليدية التي كانت تُنشط الانتخابات في العهد السابق.
وسُجل بروز حركات المجتمع المدني، والقوائم المستقلة، قوة سياسية صاعدة، تريد أن تنافس الأحزاب، وتزيحها عن صدارة المشهد، مستفيدة من الصدى الإعلامي الداعم لها في الفترة الأخيرة. وأخيرًا، تلوح في أفق العملية السياسية برمتها حركة الحراك المستمرة التي لا تزال تطالب بتغيير جدي.
ونتيجة لهذه الضغوط المتنافسة، يروج العديد من المرشحين المستقلين للخلفيات غير السياسية في محاولة للظهور كبدائل جديدة للوضع الراهن.
وكان جلياً خلال الحملات الانتخابية التي نشطها المرشحون بروز خطاب شعبوي، كان أبطاله مرشحون مغمورون من خلفيات اجتماعية عدة، حاولو تقديم أنفسهم أنهم مرشحون قريبون من المواطنين، ويعبرون عن تطلعات الناخبين.
وضع معقد ينذر بالتفجر
تمر الجزائر بأوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية تنذر بتفجرها في أي لحظة نتيجة الانسداد الحاصل في المنتظم السياسي الجزائري.
وفي هذا الصدد يعتبر الباحث جيف بورتر رئيس مؤسسة «شمال أفريقيا لاستشارات المخاطر» في تحليل نشره موقع واشنطن لسياسة الشرق الأدنى البحثي، أن الوضع غير مستقر في البلد. وأدت جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم المشاكل الهيكلية المستمرة في نهج الحكومة الجزائرية تجاه الاستثمار الأجنبي، والإصلاح المصرفي، والسياسة النقدية، والقطاعات الأخرى. وسوف يؤدي الاستحقاق، بحسب الدراسة، إلى انتخاب رئيس وزراء جديد وحكومة تضم الكثير من الوزراء الجدد، ولكن بغض النظر عمن سيفوز بمنصب رئيس الوزراء، ستكون أولويته الأكثر إلحاحاً هي الاقتصاد المترنح من جائحة فيروس كورونا والمشاكل الهيكلية الموجودة من قبل.
وقد أدى التراجع الناجم عن الوباء في أسعار الغاز الطبيعي والنفط إلى انخفاض عائدات الهيدروكربونات في البلاد بنسبة 33 في المئة، من 33 مليار دولار في عام 2019 إلى 22 مليار دولار في العام الماضي. وعلى الرغم من انتعاش مبيعات البلاد من الغاز إلى حد ما في عام 2021 إلا أن صادراتها من الغاز عادة ما تكون موسمية، لذلك من غير المرجح أن تكون الأرقام المحسنة للربع الأول مستدامة طوال الفترة المتبقية من العام.
وبالمثل، جفّت التحويلات الأجنبية التي تمثل ما يقرب من 1 في المئة من «الناتج المحلي الإجمالي» في عام 2020 حيث تم تنفيذ عمليات الإغلاق بسبب جائحة كورونا في جميع أنحاء أوروبا.
وفَرَض الإغلاق الخاص بالجزائر حظر تجوّل مرهق وقلّص الحياة العامة، مما أدى فعلياً إلى تجميد الاقتصاد غير الرسمي المهم للغاية (حوالي 33 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي). وتبنت الحكومة عمليات الإغلاق أيضاً: فبعد فترة أولية من رحلات العودة المحدودة للمواطنين إلى البلاد، أغلقت الجزائر بإحكام حدودها البرية والبحرية والجوية بحيث لم يتمكن أي شخص تقريباً من الدخول إلى البلاد أو الخروج منها.
غير أن العديد من الجزائريين يشعرون بالإحباط بشكل متزايد من تعرض رفاههم الاقتصادي للخطر، إلا أنه ليس لدى حركة «الحِراك» الاحتجاجية المستمرة في البلاد أي مطالب تتعلق بالظروف الاقتصادية على وجه التحديد – بل تتركز شكاويها على القيادة السياسية والنظام السياسي. فبعد مرور عامين وقيام 119 مسيرة في أيام الجمعة التي استؤنفت بعد فجوة قصيرة ناجمة عن فيروس كورونا، تواصل الحركة المطالبة باستبدال الطبقة السياسية بأكملها، وتوقُّف الجيش عن التدخل في السياسة، وإقامة دولة مدنية بالكامل.
الحراك الشعبي يراوح مكانه
يجادل النقاد باستمرار بأن مطالب الشارع باستبدال الطبقة السياسية الحاكمة، جائرة للغاية وخالية من المواقف السياسية القابلة للتنفيذ، ويمكن قول الشيء نفسه عن نهج «الحِراك» إزاء القضايا الاقتصادية. ويبدو أن الحركة تعتقد أنه إذا تم إصلاح النظام السياسي بالكامل، فسوف يصحح الاقتصاد نفسه تدريجياً. وعلى أي حال، انخفض الإقبال على مسيرات «الحِراك» بشكل كبير منذ عام 2019 وكذلك صبر الحكومة مع الحركة. وتقوم الأجهزة الأمنية باعتقال المزيد من المتظاهرين كل أسبوع، وتتهمهم في كثير من الأحيان بـ «تقويض الوحدة الوطنية».
ومع ذلك، فمهما كان مصير الحركة، تبقى الحقيقة أنه حتى لو انتهى الوباء غداً، وارتفعت أسعار النفط /الغاز على الفور، سيظل الاقتصاد الجزائري يعاني من مشاكل هيكلية وعجز أساسي في البنية التحتية، بحسب دراسات نشرت مؤخراً.
وفي هذا الصدد، تقول داليا غانم، الباحثة المقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن «الوضع الاقتصادي للجزائر يزداد سوءًا يومًا بعد يوم ويؤدي إلى إفقار شرائح كاملة من السكان وارتفاع معدلات البطالة وباختصار جميع المؤشرات الاقتصادية حمراء».
من العلامات المقلقة لنظام مشلول في مواجهة عودة الحراك الشعبي إلى الشوارع؛ انتشار الحركات الاجتماعية في القطاع العام، كالبريد والتعليم وإدارة الضرائب والسكك الحديدية والقطاع الصحي المنهك بسبب كوفيد-19.
وتشير داليا غانم، إلى أن «القضية الاجتماعية التي غابت خلال الموجة الأولى من الحراك عام 2019 أصبحت لصيقة بالاحتجاجات السياسية».
مأزق السلطة
وترى صحيفة «لوموند» الفرنسية في إحدى افتتاحياتها، أن الجزائر في مأزق سلطوي، واعتبرت أن الانتخابات التشريعية بهدف التوقيع على التطبيع المؤسسي للبلاد، تعتبر موعداً آخر ضائعا للديمقراطية الجزائرية.
ويصل محللون للشأن الجزائري لنتيجة مفادها: «أن التجلد السياسي – الذي يسيطر على السلطة التنفيذية من قبل الجيش، والبرلمان بدون سلطة حقيقية – يسير جنبًا إلى جنب مع وضع اقتصادي مقلق».
كما تذهب إلى أن إن انخفاض أسعار المحروقات، التي توفر 60 في المئة من عائدات الجزائر، يضعف قدرة الدولة على شراء السلم الاجتماعي والاستثمار. لم تتأثر نسبيًا بـ كوفيد-19 ولكن مع معدل بطالة يزيد عن 14 في المئة وديموغرافيا ديناميكية واقتصاد غير مستعد لانتقال الطاقة، تبدو الجزائر دولة مغلقة.
ومع اقتراب الذكرى الستين لاستقلالها، في 5 تموز/يوليو 2022 تشهد الجزائر طفرة لا تعد ولا تحصى لنظام يبدو أنه غير قابل للتغيير، حيث يصادر الجيش والطبقة المتميزة مستقبل بلد، لا يفتقر إلى الموارد الطبيعية ولا الإمكانات البشرية.
التودد لفرنسا لتمرير الأجندات
يذهب مراقبون أن السلطات الحاكمة في الجزائر تراهن في هذا السياق على استمرار العلاقات الفرنسية الجزائرية في التطور، وهي شراكة أساسية إذا كان ذلك فقط بسبب التبادلات الدائمة بين شركات البلدين وقرب منطقة الساحل المجاورة، حيث يمكن لفرنسا تغيير مسارها في المستقبل.
وبرزت في الفترة الأخيرة تصريحات المسؤولين في باريس والجزائر، والغزل المتبادل بينهما، والتأكيد على عمق العلاقة بين البلدين.
ورسخت المقابلة التي منحها الرئيس الجزائري لصحيفة «لوبوان» وتمرير عدد من الرسائل، ومهادنة المُحاورين، الرئيس الذي تصفه دوائر محايدة أنه فاقد للشرعية، هذا الإطار الذي وضعت فيه فرنسا، ثقلها، في حليف قديم، وأكدت على دعمها للنظام.