ذكر الرئيس أن هناك قوى تعمل في الخفاء ضد الاستقرار السياسي، وأنها ما زالت تسعى إلى خلط الأمور، محذرا تلك الأطراف بأن الدولة لن تتسامح معها.
الجزائر-“القدس العربي”: تعيش الجزائر مرحلة من الغموض والضبابية زادت جائحة كورونا في إطالة أمدها، وأدخلت السلطة في مشاكل كانت في غنى عنها، وزادت المواطن حيرة تجاه ما يراه وما يسمعه من تصريحات غريبة ومثيرة للتساؤلات في أحيان كثيرة.
يعتبر النظام الجزائري من أكثر الأنظمة غموضا، رغم أن المؤسسات ودورها وصلاحياتها واضحة ومحددة دستورا، لكن الواقع والممارسة لهما منطقهما الخاص والمتحول باستمرار، كما أن الحديث عن وجود مؤامرة هو سنة كل المراحل، ليس بسبب وجود فراغ في الساحة السياسية وغموض يفتح الباب لمثل هذه الفرضيات، بل لأن النظام السياسي أيضا يغذي هذا التوجه، ويفتح شهية المؤمنين بنظرية المؤامرة والمروجين لها.
وهذا التوصيف يأخذ كل معانيه في المرحلة الحالية، من خلال بعض الأخبار الرسمية المعلن عنها، وكذا تصريحات رسمية غير مسبوقة، صادرة عن أعلى سلطة في الدولة، والتي تثير التساؤلات حول ما يجري في الكواليس النظام.
خلال الأسبوع الماضي تم الإعلان عن إيداع المساعد الأول المتقاعد قرميط بونويرة والرائد درويش هشام الحبس المؤقت، وإصدار أمر بالقبض ضد العميد المتقاعد وقائد الدرك الوطني الأسبق غالي بلقصير.
وقال بيان لوزارة الدفاع الوطني إنه: “طبقا لأحكام المادة 11 فقرة 3 من قانون الإجراءات الجزائية، يحيط السيد مدير القضاء العسكري بوزارة الدفاع الوطني الرأي العام علما، بالمتابعة القضائية من طرف النيابة العسكرية بالبليدة من أجل تهم الخيانة العظمى (الاستحواذ على معلومات ووثائق سرية لغرض تسليمها لأحد عملاء دولة أجنبية) في حق كل من المساعد الأول المتقاعد قرميط بونويرة والرائد هشام درويش، والعميد المتقاعد بلقصير غالي طبقا لنص المادة 63 فقرة 2 من قانون العقوبات”.
وأضاف البيان “وقد قام قاضي التحقيق العسكري بالبليدة بوضع المتهمين قرميط بونويرة وهشام درويش الحبس المؤقت، بموجب أمر إيداع لدى المؤسسة العقابية العسكرية بالبليدة، كما أصدر أمرا بالقبض ضد المتهم بلقصير غالي”. علما أن الجزائر قد تسلمت المتهم قرميط بونويرة من تركيا في 30 تموز/يوليو الماضي.
وتستحق هذه المعلومات التوقف عندها، لأن قرميط بونويرة قبل الهروب إلى الخارج، كان أمين سر الفريق الراحل أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش الجزائري، وهو متهم بتسليم معلومات وملفات خطيرة إلى عميل لدولة أجنبية، أما بلقصير فقد كان على رأس جهاز الدرك التابع للجيش، وهو أحد أهم الأجهزة الأمنية في البلاد، وهو الذي قاد تسيير الوضع الأمني خلال سنوات، وخاصة خلال فترة الحراك الشعبي، وكان أيضا أحد المقربين من الفريق قايد صالح.
وما زاد في إعطاء الكلام الدائر في الكواليس معنى، هي التصريحات الخطيرة التي صدرت عن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال افتتاحه اجتماع الحكومة مع الولاة (المحافظين) عندما قال إن “أذرع العصابة التي كانت تحكم في البلاد ما زالت تتحرك في الخفاء من أجل بث البلبلة وعدم الاستقرار، والبحث عن ثغرات لإعادة العصابة إلى الحكم، وحرمان المواطن من حقه في التغيير”.
وأضاف أن “اللقاء يأتي في ظروف استثنائية وضرورية لتقييم وتقويم ومواصلة كل الجهود المبذولة في سبيل إعادة استقامة الدولة الجزائرية، ومساعدة المواطن على الوصول إلى نوع من الطمأنينة، بعد المآسي التي عاشها، من خلال تصرفات بعض الأشخاص الذين استحقوا عن جدارة اسم العصابة”.
وتحدث الرئيس خلال الاجتماع عن التأخر فيما يخص منح كورونا للمواطنين المتضررين وأفراد السلك الطبي، على اعتبار أن القرار لم يطبق منذ 3 أشهر، متسائلا: “أين الولاة، والمسؤولين المشرفين على هذه العملية، هل تريدون عرقلة الأمور؟” قبل أن يضيف “من أجل تشجيع الأطباء والممرضين، خصصنا لهم بعض المميزات، ولم تسلم لهم كذلك.. ماذا يعني هذا؟” قبل أن يؤكد أن هناك جهات متواطئة داخل الإدارة لتعطيل جهود الدولة، ليتساءل مجددا “هل نحن أمام ثورة مضادة؟”.
واستطرد: “هؤلاء المسؤولين، قاموا بوضع العراقيل في وجه هذه العملية، بدعوى الخوف من المغامرة بقرارات قد تجرهم إلى السجن” مشددا على أن التحريات جارية من أجل تحديد المسؤوليات، وأن الذين يقفون وراء عرقلة تسليم منحة كورونا إلى مستحقيها سيحاسبون ويعاقبون.
وذكر الرئيس أن هناك قوى تعمل في الخفاء ضد الاستقرار السياسي، وأنها ما زالت تسعى إلى خلط الأمور، محذرا تلك الأطراف بأن الدولة لن تتسامح معها.
وحذر من أن بعض الحركات الاحتجاجية مدبرة لاثارة غضب المواطنين قصد حرمانهم من حقهم في التغيير الجذري، قبل أن يقول: “هناك من يحلمون بالرجوع للحكم”.
رئيس الوزراء عبد العزيز جرّاد أكد كلام الرئيس بلهجة أقل حدة، وذلك في ختام أعمال اجتماع الحكومة مع الولاة، إذ أكد أن “جهات تعمل على عرقلة عمل وجهود الرئيس عيد المجيد تبون والحكومة” وأن “البيروقراطية التي عششت في الإدارة لا تريد التغيير الذي وعد به الرئيس وينتظره عموم الجزائريين”.
وأضاف “أن البيروقراطيين يعرقلون مسار الرئيس تبون والحكومة” مشيرا إلى إن “الجزائر مرت بظروف صحية ومالية صعبت من مهام المسؤولين خلال الفترة الحالية” قبل أن يوضح أن: “هناك كذلك منطق بيروقراطي يعرقل مسار الرئيس والحكومة والكوادر على المستوى المحلي”.
واعتبر أن “الحكومة أن البيروقراطية لا تريد بسلوكها وبحكم طبيعتها وتيرة ومنهجية وأهداف محددة للخروج من الوضع القائم، سواء تعلق الأمر بمناطق الظل أو التنمية المحلية أو الرقمنة أو عصرنة الإدارة”.
وشدد على أن “اللقاء جاء لتقييم مدى تنفيذ توجيهات الرئيس” وأنه يطلع كل ليلة على التقارير التي تصل إلى رئاسة الوزراء، مؤكدا أن نسبة تنفيذ التوجيهات تتراوح بين 10 و 20 في المئة على الأكثر، قبل أن يستطرد “كنت أتمنى عند هذا الاجتماع أن أجدكم طبقتم 50 في المئة من التوصيات التي قدمها الرئيس خلال أول اجتماع للحكومة مع الولاة”.
تساؤلات وألغاز يخلفها كلام الرئيس تبون وتأكيدات رئيس الوزراء جراد، صحيح أن هناك نوعا من الحساسية لدى عموم الجزائريين من حديث المؤامرة حتى لو كانوا يلوكونه باستمرار، لأن النظام على مر السنوات والحقب لكثرة ما لجأ للحديث عن المؤامرة بمناسبة وبدونها، لكن في هذه المرحلة بالذات كثرت الألغاز، وما حدث أولا مع اللواء واسيني بوعزة مدير الأمن الداخلي السابق في جهاز الاستخبارات، الذي تمت تنحيته على مرحلتين، بتعيين نائب له ثم إقالته وتعيين اللواء عبد الغني راشدي، وبعدها بأيام تم اعتقال بوعزة ومثل أمام القضاء العسكري الذي أدانه بثمانية سنوات سجنا مع النفاذ، وهو ما فهم منه أن الرئيس تبون كان وربما ما زال يواجه بعض الألغام المزروعة في طريقه، وأن الحديث عن وجود مؤامرات أو محاولات لزعزعة سلطة الرئيس المنتخب، ليست دائما محاولات تحويل أنظار أو تبرير فشل أو تقصير ما.