الجزائر في وداع أحمد بن بلّة

حجم الخط
0

الجزائر عظيمة المساحة، ولعلها باتت الاولى مساحة على الوطن العربي إن لم تكن الثانية، بعد أن افتقد السودان الشقيق موقع الصدارة في قائمة كبريات الدول العربية، لعلهما المملكة العربية السعودية والجزائر على التوالي من كبريات الدول العربية مساحة، وعلينا الاستفادة القصوى من تلك المساحات الشاسعة، وإذا المناخ الخليجي القاسي يأخذ من الزارعة اكثر مما يعطيها، فإن دولة زراعية خصبة عظمى كالجزائر، تستطيع دون منازع أن تضع يدا باليد مع عاصمة شمال السودان (الخرطوم)، فتقيما ربيعا زراعيا عالميا قد يُطعم النصف الآخر من كوكب الارض.

أقول للذين طلبوا مني الكتابة وعدم الكتابة عن بومدين وبن بلة بدوافع وإنتماءات فرنسية، بأني وجدت الأخير من قلائل القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بقيادة الثورة والنضال والسجون والإغتراب والانتصار والرئاسة في آن واحد، ثم خرج من الحياة السياسية على الفور، وإني لوجدت تلك العناصر كلها تجتمع في المرحوم احمد بن بلة، فهو أول رئيس فعلي للجمهورية الجزائرية بعد استقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وُلد في الجزائر، ناضل في الجزائر، سجن في الجزائر، أُغتيل من الجزائر، وعاد إليها، وسجن فيها.. وأخيرا دفن فيها بعد حياة طويلة انقسمت إلى شطر في المنفى، وشطر في السلطة وشطر في السجن وشطر في البيت.

فقد كان بن بلّة قد وصل إلى السلطة عام 1962 وبعد عام اندلعت الحرب مع المغرب، وما أن التقط الأنفاس للاستراحة والاستجمام وترتيب الأوراق ولم يكن العام 1965 أطفأ شمعته، وإذا (الهواري بومدين) ينفذ انقلابا عسكريا أطاح به من على رأس السلطة، لتنتهي الملحمة القصيرة لرجل جزائري حاول أن يجمع في قلبه ثلاثة أحلام دفعة واحدة، الاشتراكية والقومية العربية والتوسع الإقليمي دون أن يفقد هويته الإسلامية.

أحمد بن بلة كان في زمن الغيوم، لكنه أخذها تباشير المطر لامجرد غمامة وضبابة، كان محظوظا اوسيئ الحظ ان يلاحق قطارا جميع محطاته بإسم جمال عبد الناصر، فلم يرى بن بلة بدا في أن يتقمّص بقميص عبدالناصر، رغم تفاوت الجلباب الجزائري الفرنسية التصميم، عن القمصان الأفندية المصرية، لبسها في قصره الجزائري ولم يستطع خلعها، إلى ان دفعوه خارج القصر بالإنقلاب!

بن بلّة، مما يُنسب إليه قوله: ‘لا اريد ربيعاً عربياً في الجزائر’ ورفضه نشر مذكراته في حياته، لانه كان يهمس مرتعشا في المرض الأخير للصحفية العربية التي أردات كتابة ونشر مذكراته: ‘يابنتي لو نشرتها في حياتي، لن استطع ان اتكلم مع بعض الأشخاص الذين لازالوا يكلموني او يزورني على فراش الموت’! انه احد التسعة التاريخيين الذين اسسوا جبهة التحرير الوطنية، أراح الجزائر أخيرا بجمعة الوطن، بعد أن أودع الوطن الجميل للأبد بوجه شاحب جميل، قيل عنه الكثير الا الخيانة، وكان قد نجى من رصاصات الرفاق في ميادين الصراع، لكنه سلم الروح على السرير لقابض الأرواح، وسلم جثمانه لتراب وطن احبه، كان قد ناضل في سماء وطن أحبه، فأحبّ أن يختفي في تراب نفس الوطن. أحمد إبراهيم – كاتب إماراتي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية