الجزائر: قوانين المصالحة بين الرضا والامتعاض
يزيـد بوعنـانالجزائر: قوانين المصالحة بين الرضا والامتعاضالرئيس بوتفليقة وهو يشرح مسعاه التصالحيحتي وإن كانت الجزائر قد دخلت في مرحلة التطبيق الفعلي لترسانة المراسيم والقوانين المتعلقة بالمصالحة الوطنية، فإن الأسئلة الجوهرية التي تتدافع علي ألسنة الكثيرين هي: هل البلاد حقيقة بصدد بلورة حلول نهائية وجذرية للأزمة الدموية التي عاشتها خلال السنوات الماضية؟ وهل أن التدابير التي اقترحها الرئيس في المراسيم المذكورة ستدفن إلي الأبد مظاهر العنف والإرهاب والتهميش والتناحر بين الجزائريين؟ ثم لماذا تتحفظ العديد من الأطراف علي هذه القوانين باعتبارها ليست منصفة؟إن طرح هذه الأسئلة وغيرها في هذه الظروف الحساسة هو بسبب الرغبة الملحة من قبل المهتمين والمعنيين من المواطنين في معرفة الوجهة الصحيحة لهذه القوانين باعتبار أن القوانين ورغم كثرتها لا تكفي لوحدها لاستتباب الوضع، فقد تساهم ظرفيا في تهدئة الأوضاع ولكن هذا الهدوء لن يكون بمنأي عن العواصف المتربصة بالبلاد، فالقصور هو الصفة الملازمة لأي قانون ولولا هذا القصور لما وجدت محاكم ولما وجد محامون كما قال أحد القانونيين، فالواقع أن هناك إعاقة في كل النصوص القانونية الموجودة والتي ستوجد مستقبلا، وعلاوة علي هذه الإعاقة فإن هذه القوانين قد لاقت الرضا من قبل البعض والامتعاض من قبل البعض الآخر فما سر هذا الاختلاف حول موضوع حساس كهذا؟ وما هي الأطراف المعارضة والأطراف المؤيدة؟لا شك ان التأييد المطلق لهذه القوانين قد جاء من قبل الأحزاب ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني التي تسبح في أجواء السلطة ولا تجرؤ علي تقديم أي انتقاد لكل ما يصدر عن السلطة ودواليبها، وبالتالي فإن تأييدها لم يكن من منطلق الرصد الدقيق لسلبيات وإيجابيات هذه القوانين، بل انه جاء من منطلق التأييد المطلق للسلطة وقراراتها، وقلما نجد في صفوف المؤيدين لهذه القوانين من يجرؤ حتي علي تقديم ملاحظة أو انتقاد لكل المشاريع والمواقف الصادرة عن السلطة، بل وحتي لو أن السلطة قد جاءت بقوانين مناقضة لما هو مطروح حاليا فسوف تجد أن هذه الوجوه المؤيدة هي نفسها. أما الأطراف المتحفظة والتي أدلت بمواقفها علانية عبر البيانات والتصريحات الصحفية، فإنها أعلنت عن امتعاضها باعتبار أن هذه القوانين ليست عادلة وليس بإمكانها وضع حد لقضية المأساة الوطنية.ففي البيان الذي وقعه كل من أنور هدام، وأحمد الزاوي وغيرهما والذي تلقينا نسخة منه اعتبر فيه رموز ما يسمي بالجزأرة بأن قوانين المصالحة تكرس سياسة اللاعقاب، فضلا عن كونها تنتهك بشكل خطير الحقوق السياسية للإنسان الجزائري وخاصة ما تعلق منها بحرية التعبير ومسؤولية كشف الحقيقة وخلص بيان تيار البناء الحضاري إلي القول: بأن التدابير الجديدة المقترحة لم ولن تصب في مسار إنهاء الأزمة وإنما تعمل علي تأجيلها لأنها أتت لإفراغ المصالحة من المضامين السياسية والثقافية والاجتماعية .أما الشيخ عباسي مدني فقد اقترح علي أخيه الرئيس بوتفليقة ـ كما يسميه ـ بأن يفتح الباب واسعا أمام مشروع يتفق عليه الجميع بمن فيهم رموز المعارضة السياسية الجادة والمخلصة للوطن وذلك من أجل الاتفاق حول أرضية مباديء مشتركة تعد في ضوء التجربة الجزائرية منفذا لتوسيع آفاق وطموحات أجيال المستقبل، واعتبر بأن إطلاق سراح المساجين الذين مسهم العفو الرئاسي يعد تعبيرا عن إرادة قوية لحل الأزمة، وعرض مساعدته علي الرئيس لأن ما يهمه هو مصلحة الشعب الجزائري، ولكنه عاد لينتقد المراسيم الصادرة لا سيما ما تعلق منها بالشق السياسي، ويذهب رفيق دربه (علي بلحاج) المعروف براديكاليته المتشددة في معارضة السلطة مذهبا آخر حينما يعتبر بأن هذه القوانين قد صدرت في حالة الطوارئ وبالتالي فهي ـ محامقة ـ اي من الحمق وليست مصالحة. ويذهب الزعيم ـ حسين آيت أحمد ـ المعارض الشرس للسلطة إلي أبعد حد حينما يعتبر بأن المصالحة والقوانين التي صدرت ما هي إلا آليات ليرسخ من خلالها الرئيس بوتفليقة قدميه في الحكم من خلال إقدامه علي تعديل الدستور وفرض عهدة ثالثة، فالنظام الجزائري كغيره من الأنظمة العربية يسعي للخلود في الحكم، ولذلك فإن حسين آيت أحمد قد دشن حملة توقيعات ضد هذه القوانين باعتبارها ستساهم في دفن الحقيقة كما قال هذا الزعيم المعارض. أما المنظمات الحكومية النشطة في مجال حقوق الإنسان فقد طعنت في مصداقية النصوص التطبيقية لميثاق السلم والمصالحة وأكدت أنها لن تأتي بحل لقضية المأساة الوطنية حيث كشف حسين زهوان رئيس الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بان هنالك لجنة تتكون من حقوقيين تعكف علي صيانة مذكرة ستوجه في القريب العاجل إلي لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وجدد الأستاذ علي يحي عبد النور الرئيس الشرفي بهذه الرابطة رؤية رابطته لحل الأزمة والتي لخصها بقوله بأن الحل يكمن في عقد ندوة وطنية موسعة مفتوحة علي الأحزاب والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية بغرض تشريح مستفيض للأزمة من جميع الجوانب السياسية والقانونية والاجتماعية، وطالبت الرابطة المذكورة بتحويل القوانين أمام المجلس الدستوري للنظر في مدي دستوريتها، لأن الحقيقة والعدالة أولي من العفو وانتقدت الرئيس بوتفليقة لأنه منح لنفسه السلطة المطلقة في التصرف في الحقل السياسي. أما بوجمعة عشير رئيس الرابطة الأخري لحقوق الإنسان فقد اعتبر بان القوانين الحالية ناقصة لأنها ضحت بالعدالة وإنصاف ذاكرة الجزائريين حيث وضعتها في مذبح الحلول السياسية ورؤيتنا للمستقبل غامضة موضحا بأن تقنين اللاعقاب وكبح حرية التعبير أمر غير مقبول، والشيء الملاحظ إذن أن قوانين المصالحة التي صدرت مؤخرا بالرغم من كونها نقطة تحول في مسار الأزمة الجزائرية إلا أنها قد لاقت تخفظات وامتعاضا من قبل العديد من الأطراف السياسية والقانونية الفاعلة في البلاد وهذا التحفظ وذاك الإمتعاض يمكن اعتبارهما مقبولين علي عدة مستويات خاصة وان النصوص القانونية ورغم كثرتها لا تكفي لوحدها، فقد تعطي هدوءا ظرفيا للوضع لكن هذا الهدوء لن يكون بمنأي عن العواصف والتربصات، وهي نصوص لم تكن جريئة بالشكل الكافي ولا يمكن لأي نص قانوني آخر بان يطرح جوهر الإشكالية بشكل واضح وصريح، وليس بإمكان النصوص القانونية كذلك معالجة المواضيع الجوهرية والحساسة التي أدت بالبلاد إلي ما نحن عليه الآن، لأن هذا الدور من صميم الأدوار التي ينبغي أن تناط بالسلطة السياسية من أحزاب وجمعيات ومنظمات وهيئات المجتمع المدني والعلماء، فمنشأ الأزمة هو منشأ سياسي قبل أن يغلف بغلاف ديني وأمني بفعل تسلط السلطة الفعلية الحاكمة من جهة وتطويع النصوص الدينية من قبل جماعات ينقصها الوعي والإطلاع الواسع علي النصوص الفقهية والدينية بشكل صحيح من جهة أخري، مما أوقعنا في أعمال منبوذة أصبحت تسمي جهادا وكادت البلاد تدخل في حرب أهلية وتدمير ذاتي غير مسبوق. وبصرف النظر عن الظروف الإجتماعية المعقدة التي تحاول النصوص القانونية معالجتها او محاصرتها فإن هناك اليوم سكوتا عن الظروف الثقافية والسياسية والفكرية التي قادت البلاد إلي ما هي عليه، وهل ان هذا السكوت سيجدي نفعا خاصة وأن الفاعلين السياسيين في المعارضة لا زالوا يطالبون بضرورة فتح المجال السياسي والكف عن تضييق الحريات لا سيما حرية التعبير والحق في الممارسة السياسية والنقابية، ويبدو أن السلطة لم تعتبر بعد لكون أن التضييق ومحاصرة الحريات الفردية والجماعية وكذا سيادة ثقافة الفكر الإنتقامي سواء من قبل رموز السلطة أو من قبل أولئك الذين تحركوا بفعل التأويلات الخاطئة لنصوص الدين الإسلامي الحنيف هي من أهم الأسباب التي أدت إلي إشعال نار الفتنة، فهل هناك مجهود سيبذل ورؤية واضحة سترسم في الإتجاه الذي يضع كل هذه الظروف في عين الإعتبار وذلك بعد معالجة المشاكل الاجتماعية المستعصية؟إن ذلك يتطلب صحوة ضمير وفكر لكي يطلق الجميع ثقافة الحقد والعنف والتهميش ويتبنون الأفكار السليمة والبناءة، لأنه وبالرغم مما قيل وما سيقال حول هذه القوانين فإنها قد خلقت ديناميكية يجب استثمارها في الإتجاه الصحيح الذي يقضي علي الأزمة ويحقق الإنفراج.ہكاتب من الجزائر[email protected]