اسماعيل القاسمي الحسنيالاتهام ليس من قبيل استقطاب هؤلاء القوم، ولا هو استدعاء انتباههم للكاتب فهم يعرفونه حق المعرفة، وملفه الذي بين أيديهم، يؤكد ترفعه عن أي اصطفاف سياسي، معلوم بتفاصيله الدقيقة، كما هو معروف لديهم تماما المرجعية التي يستند إليها، وهي لا تقل سعة عن خمس ولايات (محافظات)، ممتدة بقوتها الروحية والمعنوية والاجتماعية، عبر كافة شرائح المجتمع الجزائري وطبقاته، أفقيا وعموديا للمؤسسة الدينية التي انتمي إليها ‘زاوية الهامل’ الشهيرة برئاستها للزوايا العلمية للطريقة الرحمانية في المغرب العربي، وكان لها في تاريخ الجزائر من عهد مؤسسها الأمير عبد القادر بن محي الدين إلى غاية 1994، مواقف بالغة الأهمية التاريخية، في كل منعرج مفصلي يتعلق بمستقبل الشعب الجزائري، وقف على جزء متواضع منها، كبار المؤرخين الجزائريين (احمد توفيق المدني عميد المؤرخين- حياة كفاح) وغيره ممن لا يتسع المقال لذكرهم، وحتى الغربيون ممن تشهد مراسلاتهم وكتاباتهم على ذلك أمثال كوبولاني ودوبون وكلانسي سميث وجاك بارك، وغيرهم الكثير مما لا يتسع المقام لذكره كذلك.وتشهد صحيفة ‘القدس العربي’ ذاتها، أن الكاتب ومنذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، لطالما حذر من طوفان جارف لا تعرف عواقبه، قد يقلب الأوضاع في العالم العربي ما لم تستبق النخب الانفجار لتؤطر التغيير وتحميه من التدخل الخارجي، ولعلني لا أبالغ إذا أحصيت ما يزيد عن 40 مقالا كنت اتخذت الجزائر كأنموذج لواقع بقية الدول العربية، وحملت عبرها أجهزة المخابرات مسؤولية آي أحداث دراماتيكية، قد تلم بالشعب ذات يوم؛ ومرت الأيام والشهور، وما هي إلا شعلة محمد البوزيدي تضرم الحراك في كثير من ساحات الشعوب العربية، منها من تصارع إلى اليوم حتى لا تنهب ثورتها كتونس ومصر، ومنها من دخلت فعلا في صراع دموي موجه من الاستخبارات الأجنبية، التي طالما عبر التاريخ ناجزت هذه الأمة، بعد أن تجذر في عقيدتها عداؤها.اليوم لم يعد هناك مجال مع الأسف للتدارك، ولا لتحذير جهاز المخابرات الجزائرية مما ستؤول إليه الأوضاع، فقد اتضح جليا لكل متابع أنه يدفع نحوها عن سابق إصرار، وعن علم ودراية بعواقبها الوخيمة، التي لا تتوقف عند الفوضى وغياب الأمن وانتشار الجريمة، والتكالب حد الاقتتال على النفوذ والسلطة ومال السحت، وإنما يهدد الجزائر ككيان من الناحية الوجودية هدفا، يصب بشكل مفضوح في مصلحة العالم الغربي، ويوهن حد الاستسلام الأمة العربية، بعد أن قضي على العراق وسورية وليبيا، ومصر اليوم على الصراط، ولا أخالها كما تفيد المؤشرات، أنها ستنجو من إخطبوط الغرب، وضعف النخب وتراجعها في الدفاع عن ارض الكنانة وموقعها كقلب للأمة.كانت لي جلسات وحوارات مع عدة رجال مدنيين وعسكريين وأمنيين، كلهم يكاد يجمع على تلمس واقع ما ستنتهي إليه الجزائر ككيان ترابي موحد، إلى ثلاث فدراليات مخطط لها سلفا، بين خيانة عظمى يرتكبها قادتها اليوم، ودوائر غربية تعمل – نقيض حالنا- لمصلحة شعوبها، وإن كانت على المدى المتوسط من حياة الشعوب، لم يعد الأمر سرا، ولا حوارات داخل الغرف المغلقة، بل بات على صفحات جرائد تعد مرجعية، وذات الوقت ناطقا باسم صناع السياسات والعلاقات الدولية، مثل صحيفة ‘لوموند’ و’ لو كنار اونشيني'(منبر المخابرات الفرنسية) الفرنسيتين، وغيرهما من أشهر الصحف الأوربية والأمريكية، وليس استخفافا بقدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، بقدر ما هو كذلك ثقة بما يملكون من عملاء داخل بيتنا يتبؤون مناصب عليا ترهن مصالح الشعب والبلد.لقد كان لي حوار طويل مع عقيد من جهاز المخابرات الجزائرية (منشق)، رفضت فيه بكل قوة العذر الذي اعتمده رئيس جهاز المخابرات المصرية المقال مؤخرا، حين وصف دور مؤسسته بأنه ليس عملياتيا، وإنما معلوماتي فقط، بمعنى أنه مكلف بجمع المعلومات وتحليلها ثم وضعها بين يدي صانع القرار من العسكريين والسياسيين، تبرئة لذمة الجهاز من المجزرة التي تعرض لها الجيش المصري في سيناء؛ مع أن واقع الحال يقرر بأن أجهزة المخابرات القوية في العالم، تجمع بين الوظيفتين، المعلوماتي والعملياتي، ولست أرى ضرورة للاستدلال على هذه الحقيقة؛ حقيقة الفارق بيننا ظاهر الأمر أن السياسيين لا يعملون بما يعرض بين أيديهم، لكن في المقابل: هل يصح أن أترك الأمر للسياسي ونحن نرى بأم أعيننا بأن البلد ذاهب للتقسيم وبتواطؤ مع هذا السياسي ذاته !؟ بأي عذر وحجة؟.إن وضع الجزائر كما يلحظ أي متابع بالغ الخطورة، فمن غياب رئيس جمهورية شرعي، يتمتع بصحة تؤهله عمليا لقيادة بلد بحجم الجزائر، إلى تعطل مجلس الوزراء لأكثر من نصف عام، إلى العجز عن تكوين حكومة منذ انتخابات هزلية مضى عليها أربعة شهور، مرورا باقتصاد منهار تماما، وأموال تزيد عن 300 مليار دولار تحت يد الولايات المتحدة، تعود فوائدها للمافيا التي تحكم البلد، دون أن تصل ولن تعاد يوما للشعب الجزائري حتى وإن غير من أوضاعه، واحتقان اجتماعي لا سابق له يشل معظم القطاعات، وتسميات لرؤساء أجهزة المخابرات من وراء الرئيس، شخصيات معروفة لدى الدوائر المعنية، بأن طينتها تؤشر لأمر في غاية الخطورة. هذا فضلا عن السلوك الدبلوماسي على الصعيد الخارجي، الذي اقل ما يوصف به متخبطا، سواء على مستوى الجامعة العربية، التي لا يكاد يسمع فيها صوت هذا البلد العملاق، أو ما يحدث هذه الأيام حيال دولة سويسرا، فيما يتعلق بمحاكمة احد جنرالات الجزائر بتهمة جرائم إبادة في تسعينيات القرن الماضي. وما أشبه ردة فعل اللانظام الجزائري بسلوك معمر القذافي أثناء أزمة ابنه هنبعل المقيم حاليا في الجزائر بالمناسبة….و النتيجة معلومة للجميع.هنا، أهيب مرة أخرى ولن أمل من ذلك، برجال الجزائر، في كل القطاعات والمؤسسات الرسمية، خاصة منهم الذين يتبوأون المراكز الثالثة فما دونها، لان ينهضوا يدا واحدة، ويبادروا بالتغيير السلمي، وصناعة مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ووطنهم بأيديهم، قبل أن يداهمنا جميعا طوفان جارف يأتي على ما تبقى من أخضر الجزائر فضلا عن يابسها، الفرصة الأخيرة لان ندير أمرنا بأيدينا مازالت قائمة على صعوبتها، لكن الوقت كالسيف ما لم نقطعه، قطعت أواصر الجزائر ولن ينفع حينها ندم ولا محاولة تدارك…و لن يقبل من أي منا – ومن بيننا رجال المخابرات- القول: لقد أدينا ما علينا. هيهات.’ كاتب جزائري