الجزائر: محاربة فساد الموظفين الحكوميين تحد كبير تواجهه تعقيدات الواقع

رضا شنوف
حجم الخط
0

الجزائر- «القدس العربي»: مع سقوط نظام بوتفليقة بفعل الحراك الشعبي، اكتشف الشارع الجزائري حجم الفساد الذي كان ينخر جسد الدولة، وأرقاما مهولة للأموال المنهوبة من طرف رجال إعمال بتواطؤ مع مسؤولين من الصف الأول في الدولة وحتى مع موظفين في دوائر وزارية والإدارات والمؤسسات الحكومية. وفي محاولة لمواجهة هذه الظاهرة وتجفيف منبع الفساد ومحاصرته، أعلن الرئيس الجزائري مؤخرا عن استحداث هيئة مكافحة الثراء غير المشروع للموظفين الحكوميين انطلاقا من مبدأ «من أين لك هذا؟» لكن أسئلة كثيرة طرحت حول قدرة الهيئة الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وأيضا حول الآليات الواجب توفيرها لإنجاز المهمة.

اقترنت العهدتان الأخيرتان من حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بتفجر ملفات الفساد خاصة فيما يتعلق بقضية الطريق السيار شرق غرب، أو كما اطلق عليه آنذاك بمشروع القرن، أو قضية «سوناطراك 1 و 2» غير ان التحقيقات لم تجر إلى القضاء سوى مسؤولين من الدرجة الثانية والثالثة من دون ان تطال «القطط السمان».
ولم تفلح الهيئات المكلفة بقمع الفساد على غرار الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته التي استحدثت سنة 2006 تنفيذا لمضمون اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها الجزائر سنة 2004 بتحفظ، في كبح جماح الفساد، وتم استحداث الديوان الوطني لمكافحة الفساد سنة 2018 في عهد الوزير الأول أحمد أويحيى المسجون حاليا، والمتورط في عدة قضايا بتهم مختلفة متعلقة بالفساد والحصول على مزايا غير مستحقة واستغلال الوظيفة. ويشار إلى أن الجزائر تملك هيئات مهمتها المحاسبة والتدقيق بغرض منع الفساد على غرار مجلس المحاسبة والمفتشية العامة للمالية وخلية الاستعلام المالي.
وحسب مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2020 فإن الجزائر تحتل المرتبة الـ104 من أصل 180 دولة شملها المؤشر، بالرغم من ان التقرير تحدث عن تراجع مستوى الفساد بعد تسجيلها 36 نقطة أي بارتفاع درجتين، مقارنة بسنة 2019 حيث سجلت 34 نقطة.
وتسعى السلطات الجزائرية إلى مواجهة ظاهرة الفساد التي كبدت خسائر كبيرة لخزينة الدولة، وفوتت على البلاد فرصا كبرى للانطلاق الاقتصادي خاصة خلال البحبوحة المالية التي عرفتها في عهد الرئيس بوتفليقة جراء ارتفاع أسعار النفط، والتي استغلها مسؤولون وموظفون حكوميون بحكم مناصبهم في الإثراء غير المشروع وتكوين ثروات طائلة هرب جزء كبير منها إلى الخارج.
وخلال المحاكمات التي طالت مسؤولين في الدولة الجزائرية ومسؤولين في وزارات ومؤسسات حكومية وحتى في الجيش والأمن، بعد إفشال الحراك الشعبي للعهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، اكتشف الجزائريون حجم الفساد وتبييض أموال ونهب لثروات الدولة قادتها عصابة متشعبة الأذرع.
وأعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في 2 كانون الثاني/يناير الجاري عن استحداث هيئة «جديدة للتحري في مظاهر الثراء، عند الموظفين العموميين، بلا استثناء من خلال إجراءات قانونية صارمة لمحاربة الفساد، عملا بمبدأ من أين لك هذا؟ وشدد خلال جلسة مجلس الوزراء يومها على «التركيز على العمل الوقائي لمحاربة الفساد، بدءا من تحديد شروط جديدة ودقيقة للإعلان عن الصفقات والمناقصات على الجرائد».
غير أن الهيئة الجديدة خلفت ردود فعل متباينة بخصوص الجدوى منها، بحكم وجود هيئات مشابهة، وأيضا بخصوص مدى قدرتها على مواجهة أخطبوط الفساد المستشري، وصولا إلى قطع طريق الفساد أمام المسؤولين والموظفين في الإدارات ذات الصلة بالصفقات العمومية.

هيئة جديدة بين الجدوى والضرورة

ويرى الإعلامي الجزائري المختص في الشأن الاقتصادي عبد حفيظ صواليلي أن «الإشكال لا يخص استحداث هيئات أو مؤسسات ذات بعد وطابع إداري لمكافحة الفساد» فحسبه «تعزيز مسعى الوقاية من الفساد ومكافحته لا يرتبط بالإطار القانوني فحسب، بل بعدة تدابير وآليات تكرس في الواقع من أجل إرساء دولة الحق والقانون وإحداث القطيعة مع الممارسات السلبية التي أضرت بالاقتصاد الوطني وزعزعت الثقة بين المواطن والدولة». وأوضح عبد الحفيظ صواليلي في حديثه مع «القدس العربي» بان لتحقيق هذه الأهداف يجب ان تتوفر عدة شروط وعلى رأسها «استقلالية القضاء والفصل بين السلطات وإرساء مبدأ المساءلة والمحاسبة أو ما يعرف بـ accountability.
إلى جانب ذلك يرى المتحدث بان هناك ضرورة ملحة في «تبني إستراتيجية متعددة الأوجه في مجال مكافحة الفساد ترتكز على عدة محاور أساسية تتعلق بأخلقة الحياة العامة وتكريس الشفافية والنزاهة في تسيير المال العام». ومنه يعتبر بأن «استحداث أو إضافة هيئة بصلاحيات محدودة لا يضيف الكثير لاسيما وأن هناك حاليا هيئات بداية بمجلس المحاسبة والمفتشية العامة للمالية وخلية الاستعلام المالي وغيرها».
في المقابل يرى البروفيسور قوي بوحنية عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة قاصدي مرباح في ورقلة، بأن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «لديه مقاربة خاصة في مجال مكافحة الفساد وأخلقة الحياة الإدارية والسياسية لأن مؤشرات ومدركات الفساد مرتفعة من سنة لأخرى. أصبحنا نتحدث عن اقتصاد سياسي الفساد ووصلنا إلى مرحلة أخذ فيه الفساد أبعادا فوق وطنية وفوق دولتية والواضح ان كثيرا من المسؤولين السابقين أثروا ثراء فاحشا داخل وخارج الجزائر».
ويعتقد البروفيسور بوحنية، في حديثه مع «القدس العربي» بأنه «بالقدر الذي يجب التفكير بإنشاء هذه الهيئة التي أراها مهمة بالنظر إلى استغلال أطراف نافذة سابقا لمناصبها لتحقيق منافع شخصية رهنت مستقبل الاقتصاد الوطني، بالقدر الذي نحن فيه إلى الاعتماد على مرتكزين اثنين». ويوضح في هذا السياق، بأن المرتكز الأول يتعلق «بإعادة صياغة قانون مكافحة الفساد 01.06 والذي هو مبني بالأساس على التجنيح بدل التجريم، فهو مفصل على المقاس وعليه فالحاجة ماسة إلى عملية جراحية قانونية عميقة لهذا النص الذي عمر أكثر من عقد من زمن» أما المرتكز الثاني فيتعلق وفقه «بحماية الموظفين النزهاء باعتماد آلية قانونية وتنظيمية من شأنها حمايتهم من كل أنواع ضغوط الإدارة العليا والتقارير الكيدية. الواضح ان هذه الهيئة تأتي انسجاما مع تنفيذ الأحكام الجديدة المنبثقة عن الدستور الجديد».
واعتبر عميد كلية القانون والعلوم السياسية بورقلة بأن «استحداث الهيئة وإعطائها صلاحيات واستقلالية مالية وتنظيمية عملية مهمة، ولكن الذي أراه مهما أيضا هو النص القانوني ودرجة حجبته وصرامته في إنفاذ الأحكام وترشيد سلوك الموظفين» ورأى في هذا النطاق بان «الإفصاح والشفافية عمليتان مهمتان لأي هيئة والمواطن بحاجة إلى الاطلاع الدائم على تقارير مدركات ومؤشرات الفساد في الجزائر». وأشار في السياق إلى أن الجزائر خرجت من موعد انتخابي وعلى مشارف موعد انتخابي جديد يخص التجديد النصفي لمجلس الأمة وعليه يقول بأنه «لا شك إن الحديث عن مسألة الأخلاق الإدارية والسياسية جزء مهم من ملامح هندسة وإعادة تشكيل العمل المؤسساتي في الجزائر».
أما بخصوص الأسباب التي جعلت الفساد يتفشى في الدوائر الحكومية بالجزائر وعلاقة ذلك بالنصوص القانونية وتطبيقها والإرادة السياسية الجادة لقطع دابر الفاسدين، يقول الإعلامي حفيظ صواليلي بأن «هناك عدة عوامل متداخلة تساهم في استشراء مظاهر الفساد منها ما تعلق بفعالية العدالة واستقلاليتها وفصل السلطات وضعف الرقابة ونقائص في مستويات الديمقراطية الممارسة وضعف المشاركة المدنية وضعف الشفافية السياسية» إلى جانب التعقيدات البيروقراطية التي وصفها المتحدث «بمستويات أعلى من البيروقراطية وعدم فعالية الهياكل والنظم الإدارية ودور ضعيف للإعلام والمجتمع المدني».

الفساد قضية دولة ومجتمع

ويؤكد البروفيسور قوي بوحنية من جهته بأن «انتشار الفساد في العقود الماضية كان بمثابة صناعة مؤسساتية تتم باحترافية عالية وفق رؤى اقتصادية بعضها يسمى الفساد الصغير وبعضها الفساد الكبير، وقد أخذت أبعادا هيكلية معقدة تداخلت فيها سلطة المال بسلطة الإدارة. وقد أشار الرئيس تبون لذلك تصريحا وتلميحا».
وأشار المتحدث في الصدد إلى حرمان «أكثر من 700 شخص من الترشح في الانتخابات البرلمانية السابقة لأسباب تتعلق بالفساد تحديدا، كما أشارت تقارير إلى أن أكثر من 1100 ملف تم رفضه للترشح في الانتخابات المحلية الأخيرة لذات الأسباب ويتعلق الأمر بمترشحين محليين سابقين».
وفي رأي البروفيسور قوي بوحنية فإن «مشكلة الفساد الإداري والمالي والسياسي مشكلة هيكلية عميقة، والأهم في نظري تحديد مدركات الفساد بدقة ومعالجتها على مراحل بمشاركة الجهاز القضائي والإداري والأمني والمجتمع المدني بكافة أطيافه» لان الفساد حسبه «قضية دولة وقضية مجتمع بالأساس، وبهذا الصدد يمكن الاطلاع على التقارير الدورية التي تصدرها منظمات مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية بغض النظر عن درجة حياديتها».
وفيما يتعلق بقدرة الهيئة الجديدة في تطبيق مبدأ «من أين لك هذا» وإمكانية تحقيق النتائج المرجوة منها، يقول الإعلامي حفيظ صواليلي بأنه «من الصعب الإقرار بذلك، فالهيئات الإدارية ببعد بيروقراطي وصلاحيات محدودة لا تضيف الكثير مقابل واقع معقد ومتشابك يتطلب تظافر الكثير من العوامل لضمان نجاحها».
في حين يربط البروفيسور بوحنية قوي نجاح أي مؤسسة أو هيئة بـ«توفر الإرادة السياسية وتجد لها الحاضنة الإدارية والمجتمعية، بمعنى الاستقلالية الإدارية والذمة المالية وقوة اتخاذ القرار بالإضافة إلى اعتماد آليات الإفصاح والشفافية في أداء أدوارها وتعزيز هذا الدور بالنص القانوني الصارم وبالكفاءات القادرة على تبني هذه الرؤية وتطبيقها».
كما أكد المتحدث على الدور الكبير «للمجتمع المدني لضمان ترسيخ هذه الممارسات الأخلاقية في ضوء الصلاحيات الدستورية الممنوحة له في التعديل الدستوري الأخير وفي قانون الانتخابات، الذي أشار إلى إلزامية ان لا تكون للمترشحين علاقة بأوساط المال المشبوه. وجزء من هذه المسؤولية يقع على كاهله ناهيك عن دور الجهاز القضائي والجهات ذات الصلة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية