كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: يعيش حزب جبهة التحرير الوطني (الأغلبية) في الجزائر صراعا داخليا عنيفا يهدد بانقسام الحزب إلى تيارين، مثلما كان الحال في السابق، وهي صراعات غذتها اقتراب مرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة التي تؤكد كل المؤشرات أنه لن يطمح للحصول على ولاية رابعة، الأمر الذي يفتح باب التنافس لكل الذين كان ولاؤهم له يجعلهم يخفون طموحاتهم السياسية.
ويعتبر حزب جبهة التحرير الوطني ‘بارومتر’ لقياس درجة حرارة الصراع السياسي، فهذا الحزب الذي حكم البلاد بمفرده من 1962 إلى 1992، عرف أزمات وصراعات كادت تعصف به، ورغم أن السلطة الجزائرية تدعمت بأحزاب أخرى تبنتها أو ولدت من رحم حزب جبهة التحرير، إلا أن هذا الأخير ظل الركيزة الأساسية، التي تستمد السلطة منها جزء كبير من شرعيتها.
وكان هذا الحزب الواحد والوحيد طوال سنوات قد أصبح في نظر أغلبية الجزائريين مسؤولا عن مآسيهم ومحنهم والأزمات التي تخبطت فيها الجزائر منذ الاستقلال، رغم أن قيادات الجبهة طالما رفضوا هذه الاتهامات، مؤكدين على أن الحزب لم يكن أبدا في الحكم، وإنما كان أداة للحكم وتمرير السياسات والقرارات، دون أن يكون هو المسؤول المباشر عنها.
ولما قررت السلطة الجزائرية فتح المجال السياسي نهاية ثمانينات القرن الماضي كانت جبهة التحرير هي العدو الذي يجب إسقاطه، بدليل أن الإسلاميين جعل من هذا الحزب هدفا لهم من أجل استهداف النظام، ولما فاز الإسلاميون بالانتخابات البرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول، وقررت السلطة إلغاء نتائج الدور من تلك الانتخابات، رفض الحزب بقيادة عبد الحميد مهري، وهو أحد أبرز الشخصيات التاريخية في الجزائر، قرار إلغاء نتائج الانتخابات، رغم أنه أحد أكبر الخاسرين فيها.
وأخذت جبهة التحرير في عهد مهري تبتعد شيئا فشيئا عن السلطة، وحاولت أن تقف في منتصف الطريق بين هذه الأخيرة وبين المعارضة، وكانت مشاركة مهري باسم الجبهة في ندوة سانت إيجيديو بروما في 1995، والتي شارك فيها ممثلون عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ( المحظورة) بهدف إيحاد مخرج من الأزمة الأمنية التي كانت البلاد تتخبط فيها.
وبعد انتهاء هذه الندوة التي رفضتها السلطة الجزائرية جملة وتفصيلا، بدأ يظهر تيار معارض لمهري داخل الحزب، وتمكن هذه التيار الذي قادته وجوه مثل عبد القادر حجار وعبد الرحمن بلعياط بتنظيم انقلاب ضد مهري في عام 1996، فيما عرف بـ’المؤامرة العلمية’، ليحل محله بوعلام بن حمودة.
ولما وصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999، وجد بن حمودة على رأس الحزب العتيد، وبما أن بوتفليقة يعتبر نفسه ابنا لجبهة التحرير الوطني، فقد قرر أن يقوم بالتغييرات التي رآها ضرورية، بأن ‘دفع’ ببن حمودة إلى باب الخروج، وهو الأمر الذي فهمه هذا الأخير، فلم يعاند ولم يقاوم ورمى بالمنشفة ليترك مكانه لعلي بن فليس، الذي كان مديرا للحملة الانتخابية لبوتفليقة ثم مدير ديوانه في الرئاسة ثم رئيسا للحكومة.
وعندما اقتربت الانتخابات الرئاسية لعام 2004 اندلع الصراع بين بوتفليقة وبن فليس، خاصة وأن هذا الأخير أعرب عن طموحه في الترشح لانتخابات الرئاسة، ورفض دعم بوتفليقة من أجل ولاية ثانية، وتحولت جبهة التحرير الوطني إلى حلبة لهذا الصراع، فبوتفليقة المدعوم من عدة أحزاب، لم يكن بإمكانه الاستغناء عن دعم الجبهة، وبن فليس بصفته كأمين عان للحزب لم يكن بإمكانه الذهاب إلى تلك الانتخابات دون غطاء سياسي، وانقسمت الجبهة إلى شطرين، الأول يقوده الأمين العام الذي احتفظ باسم الحزب وشعاره، والثاني يحمل اسم الحركة التصحيحية التي قادتها مجموعة من قيادات الحزب التي خرجت على بن فليس، وعلى رأسهم عبد العزيز بلخادم.
ورغم أن بلخادم كان قد نفى أي طموح في تولى قيادة الجبهة، إلا أنه تراجع عن وعده بعد الانتخابات الرئاسية ل2004، خاصة وأن خسارة بن فليس في هذه الانتخابات، جعلته يقرر رمي المنشفة والانسحاب من الساحة السياسية، ليتولى بلخادم منصب الأمين العام للجبهة، مع احتفاظه بحقيبته الوزارية، وفي 2006 اختاره الرئيس بوتفليقة ليكون رئيسا للحكومة، وهو أفضل صمام أمان لبقائه على رأس الحزب ملكا متوجا، حتى وإن كان قد غادر رئاسة الحكومة بعدها بسنتين ليحتفظ بمنصب الممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة.
ولكن الطريقة التي يسير بها بلخادم الحزب جعلت خصومه وأعداءه يتزايدون بسرعة، وقرر هؤلاء منذ حوالي سنة تأسيس حركة التأصيل والتقويم، والتي تضم وزراء ونوابا سابقين وقيادات معروفة، قررت الانقلاب على بلخادم والعمل على إسقاطه، وأثير جدلا كبير بعد بروز هذه الحركة، بشأن احتمال تلقيها ضوء أخضر من الرئاسة، خاصة وأن الوزراء المنضمين إلى هذه الولاية مصنفين في خانة المقربين من الرئيس بوتفليقة.
ورغم أن بلخادم حاول التقليل من أهمية خصومه ومن الحركة التي أسسوها، وهدد بفصلهم من الحزب، إلا أن هؤلاء واصلوا العمل على مدار أشهر، ووصلوا قبل يومين إلى تنظيم تجمع كان بطعم مؤتمر استثنائي، تجمع رخصت له وزارة الداخلية، وأصاب قيادة الحزب وعلى رأسها بلخادم بالذهول والصدمة، إلى درجة أن العشرات من المحسوبين على القيادة حاولوا إفساد هذا التجمع، والغريب أن الذي قادهم لم يكن سوى نجل بلخادم نفسه، وهو ما جعل خصومه يتهمونه بإرسال ‘بطلجية’ بقيادة حزبه.
الأكيد أن الذي غذى بروز هذه الحركة التصحيحية منذ البداية وتطورها حتى أصبحت ‘غولا’ يهدد ‘حكم’ بلخادم، هو أن إبداء هذا الأخير نوايا للترشح في انتخابات الرئاسة القادمة، علما وأنه في وقت أول سارع للإعلان عن أنه يدعم الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة، وهو تصريح سرعان ما تراجع عنه، ولم يعد للحديث عنه مجددا، خاصة وأن كل المؤشرات تقول أن بوتفليقة لن يترشح لولاية رابعة، وهو ما يفتح باب التنافس على مصراعيه لخلافته، خاصة وأنه إلى حد الآن لا يوجد هناك أي مرشح بارز لتولي هذا المنصب، وحزب جبهة التحرير الوطني لا يمكن أن يبقى بعيدا عن هذا المنخاض وعلى السباق غير المعلن الذي انطلق مبكرا نحو قصر الرئاسة.