الجزائر من الإرهاب السياسي إلي اللصوصية والإجرام
يزيد بوعنانالجزائر من الإرهاب السياسي إلي اللصوصية والإجرام حينما وقف القاضي الأول في البلاد متذمرا وهو يخاطب القضاة في شهر تشرين الاول (أكتوبر) الماضي بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، بسبب استفحال ظاهرة اللصوصية والإجرام بشكل غير مسبوق فذلك يعني ان (السكين قد وصل إلي العظم) ـ كما يقول المثل الشعبي عندنا في الجزائر، وهكذا وبعد ان تقلص الإرهاب السياسي إلي حدوده القصوي فان البلاد تكون قد دخلت في مرحلة جديدة تتسم بالخطورة والانتشار الواسع للجريمة وهو ما يستدعي تكاثف الجهود من قبل الجهات الأمنية والقضائية وكل مؤسسات الدولة المعنية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة، ومعالجتها معالجة جذرية سواء عن طريق الصرامة في تطبيق القانون أو عن طريق الميكانيزمات الاجتماعية والاقتصادية الفعالة التي بإمكانها القضاء علي المسببات الرئيسية لاستفحال هذا الداء الخبيث.ـ الفساد الإداري واللصوصية: لقد كان الرئيس بوتفليقة محقا حينما ربط بين الفساد الإداري واللصوصة والإجرام واعتبر بان ممارسات المسؤولين الذين يستغلون مناصبهم لتحقيق مآرب شخصية علي حساب المصلحة العامة تشكل خطرا علي السلم الإجتماعي وتتسبب في إشاعة التذمر والإحباط والقنوط في أوساط المواطنين بيد ان هؤلاء المواطنين ما زالوا وسيبقون ينتظرون بشغف كبير الآليات العملية والتدابير القانونية التي ستقف أمام محترفي الإبتزاز الذين ظلوا يغترفون من المال العام دون حسيب ولا رقيب وهؤلاء بالتأكيد ليسوا اناسا بسطاء بل هم من تولوا مناصب المسؤولية في مختلف المؤسسات الإدارية والمالية.لقد أصبحت الجزائر تتصدر المراتب الأولي من حيث الفساد والرشوة واللصوصية المحترفة كما تشهد بذلك تقارير المنظمات العالمية المختصة وكما يشهد المواطنون الجزائريون وعلي رأسهم الرئيس (بوتفليقة)، فالجرائد اليومية والأسبوعية لا تكاد تخلو من ذكر الفضائح المالية والسرقات المنظمة والمقدرة بآلاف المليارات ومثلها من الرشاوي والاختلاسات ورغم ذلك ليس هناك من يحرك ساكنا، ولا يجد المواطن البسيط سوي الحسرة والتذمر من هذه الأوضاع المزرية والكارثية التي حلت بالبلاد.لقد عاني الجزائريون خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي ويلات الإرهاب الأعمي الذي لم يفرق بين الضحايا واستهدف مختلف فئات الشعب وكل شرائحه الاجتماعية والسياسية وحتي وان كانت هذه الممارسات وعمليات التقتيل قد شابها الكثير من الغموض وعلامات استفهام كبري إلا ان المسببات التي أدت إلي بروز هذه الظاهرة الغريبة عن الدين وعن المجتمع جعلت الكثيرين يصنفونه ضمن الإرهاب السياسي، ولكن الجماعات والأفراد التي تبنت هذا العمل يصعب علي المرء تصنيفها ضمن إطار إيديولوجي أو حزبي معين غير ان هناك فصائل مسلحة بارزة تبين انها مارست هذا العمل من منطلق قناعة سياسية ودينية معينة أو دفاعا عن حق كانت تراه ضائعا منها وهو ما سهل التعامل وإقناعها بضرورة التخلي عن هذا العمل الذي لم يجلب للبلاد سوي مزيد من الويلات والآلام والدموع.وقد أدت هذه السنوات العجاف وما صاحبها من تحول جذري في التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلي بروز فئتين متمايزتين من محترفي السرقة والإجرام بشقيه الاقتصادي والاجتماعي، الفئة الأولي تتمثل في المافيا السياسية والمالية التي أصبحت تتحكم في توجيه دواليب السياسة والاقتصاد بفعل سيطرتها علي المال العام والخاص التي تدره آبار النفط وعمليات البزنس خارج إطار القانون، أما الفئة الثانية فتتمثل في السراق الصغار من الشباب المهمش والبطال الذين لفظتهم المدارس والمعاهد والجامعات فلجأوا إلي احتراف اللصوصية مما ساهم بقسط كبير في تدهور الوضع الأمني بالكثير من المدن الجزائرية الكبري والذي أصبح يشكل حالة من الهيستيريا لدي المواطنين الذين لم ينسوا بعد سنوات الدم والدموع بسبب ممارسات الإرهاب الهمجي التي ذكرناها آنفا.ظاهرة الإجرام في أوساط الشباب أصبحت خطيرة بكل المقاييس إذ ان الإحصائيات تشير إلي ان قرابة 60% من المساجين تقل أعمارهم عن 30 سنة يحدث كل هذا في الوقت الذي فشلت فيه الحكومة وكل مؤسسات الدولة في اقتراح بدائل اجتماعية فعالة لهذه الفئة وكيف بإمكان الحكومة ان تنجح في اقتراح البدائل والإدارات والمؤسسات تكاد تختنق من جراء الممارسات التي يعاقب عليها القانون مثل الإستحواذ علي المال العام والإستئثار بأملاك الدولة؟وإذا كانت الكثير من المؤسسات الإدارية والمالية والحكومية تشكو من مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية والاستئثار بأملاك الدولة فان الكثير من الأحياء في المدن الكبري قد أصبحت عاجزة تمام العجز عن استعادة الحياة الآمنة التي طالما حلم بها المواطنون بعد عشرية كاملة من الخوف واللاأمن فما كاد شبح الإرهاب يختفي حتي استحكم الإجرام في الشوارع التي أصبحت مناطق شبه محرمة من جراء الإرتفاع المهول في العمليات الإجرامية والسرقة الموصوفة بها.أين الخلل وما هو الحل؟: لن نجانب الحقيقة إذا قلنا بان مؤسسات الدولة هي المسؤولة الأولي عن ما آل إليه الوضع في البلاد وان النماذج والبدائل المقترحة من قبل الحكومة ليست ناجعة وليست فعالة هذه البدائل التي حاولت ان تضع المجتمع الجزائري داخل سياج من التنميطات الفكرية والتربوية والاقتصادية كما تفرضه العولمة بخوائها وفوضويتها متناسية بذلك الخصوصية الفكرية والعقائدية والدينية لمجتمعنا، حيث بدانا نساهم في انتاج أجيال مبتورة الجذور، ولنتصور كيف سيكون مصير البلاد بعد عشرية من الآن.ان الخلل الحقيقي يكمن إذن في كيفية تعامل المؤسسات المعنية (شرطة قضاء والمؤسسات التربوية والدينية وعلي رأس هذه المؤسسات الجهاز التنفيذي) مع هذه الظاهرة وحتي العقوبات التي تصدر في حقهم لا تكون قاسية بل وسرعان ما تصدر في حقهم مراسيم العفو الرئاسي في المناسبات والأعياد الوطنية والدينية وما أكثرها، وإذا كانت الصرامة القانونية ضرورية في مثل هذه الحالات فان الحكومة ملزمة ومطالبة بإيجاد الميكانيزمات والآليات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي بإمكانها ان تنتشل هذه الفئات من براثن الرذيلة والفساد كما انها ملزمة كذلك بفرض الصرامة علي المسؤولين في مختلف مواقع المسؤولية لانه وما دام الفساد الإداري والمالي مستشريا في أوصال الدولة ومؤسساتها فان الانحراف والفساد واللصوصية لا يمكن محاصرتها في أوساط الشباب البطال والمهمش فالمسؤول هو المرآة الحقيقية للشعب وهو الذي يعطي المثل للآخرين.لقد تفاقمت الأوضاع الأمنية في البلاد بشكل لم يسبق له مثيل ففي السنة الماضية وحدها تم توقيف حوالي 450000 شخص بتهمة السرقة والاعتداء علي الآخرين وحسب الحصيلة الإحصائية التي قدمت من قبل مصالح الدرك الوطني وحدها فان الاعتداءات المصنفة ضمن الجرائم المختلفة قد ارتفعت بنسبة 90% بين شباط (فبراير) 2005 وشباط (فبراير) 2006 ومنها 1115 اعتداء جسديا بنية القتل أو الجرح كما ارتفع عدد الجرائم بنسبة 123% خلال نفس الفترة وذلك زيادة عن الجرائم الاقتصادية والاختلاسات المرتكبة في حق المال العام وممتلكات الدولة، وهذه الأرقام هي أرقام مهولة جدا ولا نعلم بالضبط ما هو الحجم الحقيقي للخسائر المادية التي تسبب فيها هؤلاء المجرمون الصغار مقابل ما يقوم به المجرمون الكبار الذين أصبحت جرائمهم حديث العام والخاص وهي تشكل ديكورا يوميا لواجهات الصحف الجزائرية العمومية منها والخاصة.وإذا كان المجرمون الصغار (الشباب البطال) قد استولوا علي شوارع و أحياء معينة في المدن الكبري مما جعل المواطنين يهجرون هذه الأحياء ولا يقصدونها إلا في أوقات محددة، فان المجرمين الكبار قد استولوا علي البنوك والمؤسسات المالية وأصبح كانزو المال لا يقصدون هذه البنوك إلي ان وصلت الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك تقدر بحوالي 15مليار دولار كما اعترف بذلك وزير المالية الجزائري (مراد مدلسي) وهذا الرقم كبير جدا بما يسببه من خطورة علي الاقتصاد الوطني فقد أصبحت هناك سوق مالية موازية ستلحق أضرارا فادحة بالاقتصاد الوطني ولكن الأخطر من كل هذا هو النهب المتواصل للمال العام والذي بلغ مستويات تجاوزت كل حدود الخطر حيث يلاحظ الجميع ان هناك ثغرات مالية في عدد من المؤسسات المالية تعد بآلاف المليارات من السنتيمات ولعل ما يزيد الوضع خطورة هو ان الأرقام المعلنة لا تكاد تمثل شيئا يذكر أمام الأرقام الحقيقية للأموال التي تعرضت للسرقة والنهب.والأكيد ان تهرب الناس من إيداع أموالهم في هذه المؤسسات يعود إلي كون عمليات السطو علي أموال هـــذه البنـــوك قد أصبحت أيسر ربما من عملية خطف هاتف نقال أو سلسلة ذهبية في الشارع في بعض الأحياء التي يرتادها اللصوص من الشباب المهمش.الواقع الجزائري بهذه المرارة والسوداوية يدعو إلي التفكير بجد في إيجاد البدائل الناجعة والفعالة التي تعطي للشباب والعائلات الأمل في إيجاد مخرج لأوضاعهم المزرية حتي لا ينساقوا وراء اللصوصية والإجرام، ويتطلب ذلك بالمقابل التحقيق في كيفيات تسيير الأموال العمومية في الكثير من المؤسسات التابعة للدولة وضرورة تسليط أقصي العقوبات علي الذين يستغلون نفوذهم وسلطتهم من أجل اختلاس المال العام والاستيلاء علي أملاك الدولة والشعب وهو التحدي الأكبر الذي يجب تجاوزه.ہ كاتب من الجزائر[email protected]