الجزائر من جديد في الفضائيات لكن بدون السؤال الاهم
توفيق رباحيالجزائر من جديد في الفضائيات لكن بدون السؤال الاهمبعد غياب طويل، حضرت الجزائر من جديد في الفضائيات العربية الاسبوع الماضي. سبب، او موضوع الحضور، انتهاء مدة العمل بقانون العفو (عن الاسلاميين) والاستعداد لتعديل الدستور نحو نظام رئاسي اكثر وضوحا ، بحسب انصار التعديل، وهم حلفاء السلطان.اما الحضور فكان، بدءا، في قنوات عربية يجوز تسميتها فضائيات الصف الثاني ، مع ادراكي مسبقا ان هذا الوصف قد لا يعجب اصحابها. اخص بالذكر اي ان بي و الحوار الحديثة الولادة. ولاحقا في الجزيرة .تشعر ان اصحاب البرامج اهتموا بالجزائر، في لحظة استراحة، او لمجرد التغيير والخروج من ثنائية فلسطين (لبنان) ـ العراق التي تحوّلت الي روتين. وهذا ليس عيبا لان الجزائر لم تعد موضوع او منطقة جذب اعلامي. لا هي عاصمة تصنع الحدث، ولا هي تؤثر في الحدث الموجود مثل القاهرة او عمان او الرياض.كان علي القائمين علي البرامج اضافة موضوع اخر للنقاش هو: اين بوتفليقة؟ ولا يغرنّكم الاعتقاد بان السؤال تافه، كما يبدو من ظاهره. فالرجل غائب عن الانظار منذ 15 تموز (يوليو) الماضي. غاب عند الحاجة اليه بالنظر للاحداث الوطنية والدولية، احاديث السياسة داخل البلد واحداث لبنان والمشكلة الفلسطينية وبجانبها محنة العراق. لا يذكر الجزائريون ان رئيسهم تخلّف عن استقبال رئيس من نوع محمود عباس. ولا يذكرون انه تأخر عن استقبال موفد مثل وزير الخارجية الايراني وايران تصنع الحدث العالمي. لقد تنازل واستقبل ضيوفا من الصف الثالث والرابع، فكيف ولماذا يتغيّب عن محمود عباس ومتقي وسعد الحريري في ذروة الحرب علي لبنان؟هذا بالذات ما ترك البلد في قبضة الاشاعات والمضاربات، والصحافة المحلية لا تجرؤ علي طرح السؤال صراحة، والتلفزيون الجزائري تحوّل الي صندوق بريد يستقبل رسائل جاهزة يبعثها بوتفليقة (من مكان ما) يوميا الي رؤساء الدول، معزياً مرة ومهنئاً اخري يقرأ المذيعون نصها حرفيا. وعندما تنازل رئيس الحكومة تحدث للتلفزيون الجزائري، قال ان الرئيس يباشر مهامه من داخل البلد (..) وسيعود الي العمل في الايام القليلة المقبلة .لكن الاهم في السؤال عن بوتفليقة، ان الموضوعين اللذين طرحتهما الحوار و اي ان بي للنقاش مرتبطان به شخصيا. فهو الذي يقال لنا دون كلل انه صاحب مبادرات السلم وراعي ميثاق المصالحة والعفو، وهو ايضا المعني بالتعديل الدستوري والمتطلع لدستور يوسّع صلاحياته ولا يقيّده برئاسة محددة زمنيا (هي الان خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة).بيد ان اثارة الموضوعين في حد ذاتها مهمة لان القائمين علي الشأن السياسي والاعلامي بالجزائر اغلقوها وغيّبوها فضائيا ، ربما ليبقوا خارج دائرة الضوء والازعاج عملا بالمقولة الجزائرية هنّيني نهنيك! . يخيّل الي انهم ينقلون التجربة التونسية بامتياز، فلا مراسل لفضائية اجنبية الا من فاز ببركات السلطة.لعل من المفيد، لفهم اسباب التصكير المفروض علي البلد اليوم، القول ان المسؤولين الجزائريين اكتووا في التسعينات بعلاقات متوترة مع اغلب الصحافة الدولية ذات المصداقية. سبب الاكتواء ان البلد كانت تعيش حريقا يتحمّل نظام الحكم جزءا كبيرا من المسؤولية فيه، والسبب الاخر ان هؤلاء المسؤولين نجحوا في كسب بعض الاصدقاء في الاعلام الدولي والعربي، لكنهم لم يستطيعوا كسب كل الناس كل الوقت.ونادرا ما تلقي مبررات عزل البلد اعلاميا من يتقبلها. مثلا، عندما سئل رئيس الحكومة السابق احمد اويحيي عن سبب منع مراسل الجزيرة من العمل بالجزائر، قال ان هذه القناة اساءت للجزائر ببث صورة علم جزائري رث او ممزق. عذر اقبح من ذنب! لم يسأل هذا المسؤول مَن الذي سمح ببقاء العلم الجزائري، ممزقا، معلقا فوق بناية رسمية.يعبّر صحافيون جزائريون باستمرار عن شعور بمرارة سببه غياب بلدهم في الفضائيات العالمية، وخصوصا العربية. وتزداد هذه المرارة عندما يلتفتون غربا فيشاهدون الرباط مزدهرة بها استوديوهات ومراسلون وفضائيات حاضرة ومرحّب بها. عندما احتاجت الجزيرة للاسلامي عبد الله جاب الله في مباشر مع الشهر الماضي، اضطرت لان تستضيفه من استوديوهاتها الجديدة بالرباط.لكن هناك نوعا من الانفصام لدي بعض المهتمين بالموضوع: عندما تغيب الجزائر يشعرون بغبن الغياب، وعندما تحضر يشعرون انها لم تحضر، كما يجب (كما يريذون)، او ان هذه القناة او تلك تطاولت عليها.لكن تزول كل علامات الاستغراب ويفقد مثل هؤلاء المحتجون عندما نتذكر ان الجزائر ليست غائبة عن التلفزيونات الاجنبية، بل في التلفزيون الجزائري ايضا. هذا الاخير مقفل في وجه ما تبقي من معارضة، تلك التي تسبح خارج ما يسمي الائتلاف الرئاسي (ثلاثة احزاب غير معارضة وضعت عتادها واناسها في خدمة بوتفليقة). بل حتي الائتلاف ، ورغم انه لا يجرؤ علي اخذ ابسط موقف من شأنه ان يغضب الرئيس، لا يبث له التلفزيون اي كلام لا يصب في خدمة بوتفليقة.لما اندلعت الحرب علي لبنان الشهر الماضي، تجنّد التلفزيون الجزائري وخصص للحدث عدة برامج سياسية لم تخل من اشادات ضمنية وصريحة ببوتفليقة رغم انه غائب عن الحدث.لكن، اي معني واية مصداقية لنقاش عن لبنان او بنغلاديش والمشاهدون يعلمون ان تلفزيون بلادهم مقفل في وجه اي نقاش داخلي، وممنوع عن الذين يختلفون مع بوتفليقة؟ خارج الخدمة عندما استمعت الي سيف الاسلام القذافي يلقي خطابا تاريخيا يوم 20 من الشهر الماضي يصف فيه بلاده بان لا شيء فيها علي ما يرام، تخيّلت ليبيا عربة قديمة متهالكة مغطاة برداء سميك مكتوب عليه بخط عريض خارج الخدمة .وعندما تابعت، بعد اقل من اسبوع، القناة الليبية ـ نفسها التي استعملها القذافي الابن ليصب غضبه وانتقاداته ـ تحتفل بالانقلاب علي الملكية الذي اوصل العقيد القذافي الي الحكم منذ 37 سنة، سجلتُ ان كلمات مثل انجازات ، عظيمة ، خالدة تكررت ما يربو عن 40 مرة في ساعة واحدة من برنامج مفتوح.لن اخوض في السياسة. اسأل فقط مَن المجنون حتي يسوّق كلاما خطيرا كهذا، سيف الاسلام الذي قال بوضوح ان الثورة وصلت، ومعها ليبيا، الي نهاية طريق مسدود اسمه الافلاس، ام هذه القناة التي تزعم ان خلاص البشرية من كل انواع الافات آت علي يد ليبيا قريبا؟ شخصيا، اعتقد ان احد اخفاقات الثورة انها تسمح لصاحبها باحتجاز الف انسان يتصببون عرقا، تحت خيمة كبري عدة ساعات، ليمارس عليهم هوايته في الكلام. الاخفاق الاخر ان تتفرغ قناة تلفزية لتبنّي الكلام ونقيضه من الابن وابيه في نفس الاسبوع والشهر.رثاء محفوظ لا اظن ان قناة تلفزيونية عربية رثت الاديب الراحل نجيب محفوظ مثلما فعلت تونس 7 ، بما في ذلك القنوات المصرية التي امسكت مذيعاتها اوراقا مدوّن عليها معلومات مدرسية عن عناوين روايات محفوظ والجوائز التي نالها، وغرقن في سردها مثل الببغاءات منذ اعلان وفاته.رغم الصور الاولي في الشريط، غير الضرورية، لمحفوظ في ضيافة الرئيس بن علي، مما قد يغري بالحاقه بقافلة ادباء السلاطين ، كانت بقية الشريط الذي بثته تونس 7 سهرة السبت رائعة وموفقة.احتاج المذيع لطفي بحري الي نحو يومين ليستنجد بارشيف برامج سابقة له، عمر بعضها تجاوز العشرين عاما، كي يقدم لمشاهدي قناته عملا جيدا لم تقدمه قناة اخري. لا اعتقد ان كثيرين من القراء شاهدوا علي القنوات المصرية (وغيرها) نجيب محفوظ يتكلم عن ام كلثوم وفيروز وينصف مطربي الايام دول ، او وهو يسأل، مثل تلميذ مدرسة، الراحل طه حسين في جلسات نقاش فكري.يتوجب هنا القول برفو لـ تونس 7 ، لكن في موضوع نجيب محفوظ فقط.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]