رأي القدس لم تصدر حتى الان احصاءات رسمية دقيقة حول عدد الاجانب القتلى الذين اخذوا رهائن في عملية نفذها تنظيم ‘القاعدة’ في المغرب الاسلامي في معمل للغاز في منطقة عين اميناس جنوب شرق الجزائر كرد على التدخل الفرنسي العسكري في مالي، وهناك من يقول ان العدد قد يفوق الاربعين او الخمسين فتيلا.
الدول الغربية التي انتقدت ادارة السلطات الجزائرية لازمة الرهائن، واتهمتها بطريقة غير مباشرة بالتسرع في الهجوم لتخليصهم بعد اقل من يوم، ودون التشاور مسبقا معها، اي مع هذه الدول، تراجعت يوم امس وباتت لهجتها اكثر تفهما للموقف الجزائري، وسياق المبررات لاعفاء هذه السلطات من اي لوم.
يظل لزاما الاشارة الى ان ما حدث كان مجزرة بكل معنى الكلمة، كان معظم ضحاياها من الرهائن الاجانب الذين احتفظ بهم الخاطفون للمساومة على اطلاق سراحهم مقابل تلبية مطالبهم في الافراج عن معتقلين اسلاميين مثل الشيخ عمر عبد الرحمن في امريكا، وآخرين في فرنسا وحتى الجزائر نفسها.
وكان لافتا ان الخاطفين الذين يقدر عددهم باربعين شخصا جاءوا من مختلف انحاء العالمين العربي والاسلامي، لم يكن هدفهم اختطاف جزائريين، ولذلك لم يكن مفاجئا الافراج عن معظمهم، اولا لانهم يعرفون جيدا ان الحكومة الجزائرية لن تدخل في مفاوضات بشأن مصيرهم ولن تقبل باي شروط مثلما جرت العادة طوال عشر سنوات من الصدام بين قواتها والاسلاميين، وثانيا لان الاحتفاظ بهذا العدد الكبير من الجزائريين مهمة صعبة ان لم تكن مستحيلة. الجنسيات الاجنبية كانت الهدف الاول، لاسباب اعلامية ولاسباب سياسية وربما مالية ايضا.
السلطات الجزائرية ارادت استخدام القبضة الحديدية، والظهور بمظهر الحزم وعدم القبول باي لي لذراعها. والدخول بالتالي في مفاوضات ماراثونية، وهذه المدرسة الجزائرية في ادارة ازمة الرهائن تختلف كليا عن مدارس غربية تفضل التفاوض وتلبية مطالب الخاطفين للافراج عن رعاياها، مثل اسبانيا التي دفعت ملايين اليوروهات لوحدات تابعة للقاعدة للافراج عن رعايا لها اختطفوا في منطقة الصحراء.
الحكومة الفرنسية تفضل المدرسة الجزائرية اي التعاطي باسلوب القوة للافراج عن رعاياها وارسلت خمس طائرات عمودية تقل خمسين عنصرا من فرقة المغاوير للافراج عن احد رجالها المختطف في الصومال، ففشلت العملية فشلا ذريعا، وقتل اثنان من المهاجمين، ثم اعدم تنظيم الشباب الرهينة الفرنسي لاحقا. ولهذا لم تستطع فرنسا انتقاد اقتحام القوات الجزائرية الخاصة للموقع الذي تحصن فيه الخاطفون وقضت عليهم جميعا، ومجموعة كبيرة من الرهائن في الوقت نفسه.
النهاية كانت مأساوية لا خلاف على ذلك، ولكن ما هو اخطر ان اسدال الستار على عملية الخطف والاقتحام لا يعني ان العملية الدموية هذه، بشقيها الخطف والاقتحام لن تتكرر في الاسابيع او الاشهر او السنوات المقبلة.
فالتدخل العسكري الفرنسي في مالي فتح باب جهنم في منطقة ملتهبة في الاساس، وعرض امن واستقرار جميع دول الجوار لهزات يصعب التنبؤ بنتائجها.
انها حرب دموية في منطقة شاسعة مترامية الاطراف، قد تكسب الحكومات بعض جولاتها، وتستعيد مدنا وقرى، وتقتل عناصر تنتمي الى تنظيم ‘القاعدة’ والجماعات المتحالفة معه، وهذا ما حدث في افغانستان والعراق، ولكن هذا لا يعني ان الانتصار في هذه الحرب سيكون لفرنسا وحلفائها، لانه لم يكن حليف امريكا وفرنسا وبريطانيا وحلف الناتو في الدول المذكورة التي شهدت تدخلا عسكريا مماثلا.
امريكا ذهبت الى افغانستان والعراق للقضاء على تنظيم القاعدة، وها هو التنظيم وبعد احد عشر عاما اكثر قوة انتشارا مما كان عليه قبل الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وما نريد ان نقوله ان فرنسا لم تتعلم من دروس حلفائها بل ودروسها هي نفسها في الدول المعنية ووقعت في المصيدة نفسها وهي مفتوحة العينين.qraqcaqpt