الجزائر وصورتها في الشاشة

حجم الخط
1

عام 1920، عرضت هوليوود فيلماً عن الجزائر. لم يكن معتاداً أن تعرض هوليوود أفلاماً ـ آنذاك ـ من شمال افريقيا، أو من الحيز العربي إجمالاً. الفيلم كان بعنوان «الشيخ» مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للكاتبة البريطانية إديث مود هول. هذه الرواية صدرت عام 1919 وكانت الأكثر مبيعا في بريطانيا وأمريكا. عُرض الفيلم في 250 صالة أمريكية، وحسبما ورد في الصحف حينها، فقد شاهده ما لا يقل عن 125 ألف متفرج في الأسبوع الأول. هذا رقم ضخم إذا وضعناه في سياق بدايات القرن الماضي. ثم طاف «الشيخ» الأرجاء، من أستراليا إلى إيطاليا. وصار حدثاً عالميا قبل قرن من الآن. وتوالت في العام الموالي أفلام أخرى مُشابهة له تُحاكي القصة نفسها. هكذا إذن فقد وصلت صورة الجزائر إلى الشاشات بفضل الأدب. أول مرة صارت للجزائر صورة في المخيلة الغربية، حصل ذلك بفضل الأدب. الأدب صنع إذن صورة بلد كان لا يزال تحت وطأة الاستعمار.
منذ نجاح فيلم «الشيخ» صار الأدب موطنا يلجأ إليه السينمائيون، بحثاً عن سيناريوهات لهم.. بات السينمائيون يبحثون عن مادة يصلح تصويرها، ومع توالي السنين طغى الأدب على السينما، طغت اللغة على الصورة، بل إن النقد السينمائي لا يهتم في البحث عن خصوصية فيلم ولا ما يطرحه من جديد في استعانته بالتقنية أو خياراته في الكاستينغ، صار النقد السينمائي يبحث عن ميزات أدبية في كل فيلم، صار الناقد السينمائي يخرج من عباءة الناقد الأدبي، النقد السينمائي تحول إلى صورة أخرى من صور النقد الأدبي.
ومع فيلم «هيروشيما، حبي» الذي كتبته مارغريت دوريس، تلاشت الحدود بين الأديب والسينمائي، حصل تداخل بين المهنتين، وبات الفيلم السينمائي يُنظر إليه كعمل أدبي، يُنقد ويُناقش بوصفه نصاً. من جانبها استفادت الرواية كذلك من تطورات الصورة، صار الكاتب يشرع في عمله مقتبساً معارفه العلمية والسينمائية، وبدءاً من نهاية الخمسينيات، طرأ مصطلح جديد في النقد، هو «الرواية السينمائية» يقصد منها رواية تتضمن جملة من المعارف العلمية ومن الاقتباسات البصرية، كما لو أنها رواية موجهة إلى الاقتباس في الشاشات، لكن يجب أن ننتبه إلى شأن آخر، أن السينما أثرت أيضاً سلباً في الأدب. في الرواية تقلص الوصف. في الروايات الكلاسيكية، قبل النصف الثاني من القرن العشرين، كان وصف الأمكنة والمشاهد أو الشخصيات يحتل مكانة مهمة، وضرورية أيضاً في العملية الإبداعية. جراء تطور السينما تقلص الوصف، لماذا نصف أشياء بوسع الناس مشاهدتها في الشاشة؟
في سنوات لاحقة قرر كتاب الانتقال من الورقة إلى الكاميرا وشرعوا في تصوير أفلام، على غرار ما فعلت آسيا جبار. فبعدما أصدرت أربع روايات، صورت فيلمها الأول «نوبة نساء جبل شنوة» (1978) ثم فيلما ثانيا بعنوان «زردة أو أناشيد النسيان» عام 1982، قبل أن تهجر الكاميرا وتعود إلى الكتابة. ومن المهم التذكير في هذا السياق أن آسيا جبار كتبت سيناريوهات أفلام أخرى، لكن لم يتسن لها تصويرها (جراء خلافات سياسية مع السلطة آنذاك، التي كانت تحتكر الصناعة السينمائية) على غرار «نساء الجزائر في مخدعهن» أو «الحب، الفنتازيا» وهما على التوالي مجموعة قصصية ورواية، كتبتهما على أساس أن يصورا، وحين عجزت عن ذلك أصدرتهما بشكل كتابين. ترسخت مع الوقت مكانة الكاتب في الصناعة السينماتوغرافية، بل صار المخرجون يعتمدون على كتاب في تأليف أفلامهم. مثلاً فيلم «نهلة» (1979) لفاروق بلوفة، كتب نصه وحواراته الروائي رشيد بوجدرة. ففي البدء كان النقاد يتحدثون عن «تأثير» الأدب في السينما، لكن كلمة التأثير سوف تفقد قيمتها وحمولتها، نظراً إلى تداخل الحقلين، فالكتاب أيضاً استفادوا من تقنيات السينما في أعمالهم، بقدر ما استفاد السينمائيون من الأدب.
وسنجد في قائمة الأعمال الكلاسيكية في السينما الجزائرية أفلاماً مقتبسة من روايات. مثل «الحريق» لمصطفى بديع، وهو في الأصل مشروع فيلم سينمائي قبل أن يتحول إلى مسلسل (نظراً إلى حجمه الزمني) المقتبس من ثلاثية محمد ديب (الدار الكبيرة، الحريق والنول) رواية «ريح الجنوب» أيضاً صارت فيلما سينمائياً، وكذلك الحال مع رواية «شرف القبيلة» لرشيد ميموني، التي اقتبسها محمود زموري، وأعمال أخرى. لم يعد مجدياً الحديث عن تأثر السينما بالأدب، ولا الحديث عن استخدامات السينما في الأدب، بل وقع ترابط بين النوعين، صار الأدب أيضاً حيزاً سينمائياً، صرنا نتحدث عن الأدب السينمائي والسينما الأدبية. الرواية تُعرض كفيلم بالاستعانة باللغة، بينما السينما تتيح روايتها بالصورة، فحسب إحصائيات حديثة، من بين كل خمسة أفلام تصدر سنوياً في فرنسا، هناك فيلم مقتبس من رواية، لكن لماذا يصر السينمائيون على اللجوء إلى الروايات؟ ببساطة لأنهم يتوجهون إلى الجمهور بطبيعة الحال، والجمهور في الغالب يميل إلى مشاهدة سيناريو له سابق معرفة به. فإذا نجحت رواية في بلد ما، سيكون من السهل إقناع الناس بالذهاب إلى الصالات ومشاهدتها في فيلم.. إذن فالسينمائي من حقه أن يبحث عن مادة جاهزة. من حقه أيضاً أن يفكر في البعد التجاري لعمله، بدل المراهنة على سيناريو يحكي قصة لا يعرفها الناس، فإنه يستعين برواية سبق للناس قراءتها وتآلفوا معها. الرواية عمل فردي، الكاتب يقوم بعمله في عزلته، ويثق في القارئ أن يؤول النص كما أراد الكاتب تأليفه، بينما السينما عمل جماعي. حين تتحول رواية إلى فيلم تفقد خصوصيتها، تفقد جانبها الحميم، وتتحول إلى مادة تشاركية، قد تطرأ تغيرات على النص المكتوب، بالتالي يجب أن لا نتوقع أن الفيلم المقتبس سوف يكون مطابقاً للنص المطبوع في كتاب، بل ستطرأ عليه إضافات أو حذف، والكاتب نفسه يفقد صلته الشخصية بالنص، ولذلك مهما يقال عن اقتباس سينمائي فهو، في المحصلة، إعادة كتابة للنص الأصلي، أو بالأحرى إعادة تحرير له. في قرون ماضية كان المسرح هو الحقل الأقرب إلى الأدب. من يكتب في الرواية يكتب في المسرح كذلك. لكن المسرح خسر موقعه إزاء السينما، التي باتت أكثر هيمنة، واستطاعت أن تستقطب الكاتب وتبعده عن الركح.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية