الجزائر- «القدس العربي»:لا يمكن تصور العلاقات الجزائرية الفرنسية، خارج دوائر الأزمات المتكررة، نظرا لتركة الماضي الثقيلة التي لا تزال ترهن الوصول إلى مسار طبيعي في العلاقات. لكن البلدين، رغم الخلافات يجدان في كل مرة طريقا للتعايش، تفرضه تارة المصالح الاقتصادية والإنسانية وتارة أخرى ضرورات التعاون الاستراتيجي في منطقة مليئة بالاضطراب.
عندما زار إيمانويل ماكرون الجزائر لأول مرة كمرشح لرئاسيات فرنسا سنة 2017 جاء مسكونا بحلم كبير في أنه إذا أصبح رئيسا لبلاده سيتجاوز عقبة التاريخ ويطبع العلاقات نهائيا مع الجزائر، كونه كان يشعر أنه سيكون رئيسا مختلفا عن سابقيه، فهو من جيل لم يشهد فترة الاستعمار وليست له مسؤولية عما حدث من جرائم ضد الجزائريين، ومن ثم فهو قادر على قلب الصفحة بسهولة، أو هكذا تخيل لوهلة أولى. ولم يتردد حينها ماكرون في إطلاق تصريحات ثقيلة المعنى، قال فيها إن الاستعمار «جريمة ضد الإنسانية» وهو وصف لم يسبقه إليه مسؤول سياسي فرنسي قبل ذلك، بسبب تبعاته التي تعني إدانة مباشرة للدولة الفرنسية. لكن هذه التصريحات ارتدت بسرعة ضد السياسي الشاب الذي وجد نفسه في قلب ضجة كبرى في بلاده، حركها ضده اليمين المتطرف ودوائر الأقدام السوداء (المستوطنون الفرنسيون في الجزائر سابقا) وجهات سياسية منافسة له، اعتبرت كلامه غير مسؤول، رغم أنه لم يقل سوى الحقيقة من وجهة نظر التاريخ. واضطر ماكرون كأي سياسي محكوم بالحسابات الانتخابية، أن يعيد تفسير كلامه ويضبط خطابه بما لا يؤثر على حظوظه في الفوز.
سياقات الأزمة في فترة ماكرون
وبعد أن أصبح ماكرون رئيسا، زار الجزائر في نهاية 2017 وانتظر منه الجزائريون شجاعة أكبر في تناول الذاكرة تتناسب مع جرأته عندما كان مرشحا، لكن المنصب بدا أنه قد حاصره ولم يعد لديه هامش مناورة أكبر. كما أدرك الرئيس الفرنسي عند تفاعله مع الجزائريين عن قرب، أن الماضي الأليم ليس محصورا في جيل في طريقه إلى الزوال، وهو ماض لا يزال حيا في نفوس الجزائريين يتوارثونه جيلا عن آخر، والأهم من ذلك أنه ماض متحرك لا يزال يزرع الألغام في الطريق ويعرقل بذلك مصالح فرنسية حيوية في منطقة ظلت تعتبرها بلاده في دائرة نفوذها المباشر.
ولعل ما أثبت ذلك أكثر، كانت نظرة الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 شباط/فبراير 2019 وطرح شبابه من البداية مسألة القطيعة مع الهيمنة الفرنسية واستلهموا شعاراتهم من نضال كبار قادة الثورة التحريرية الذين كانت صورهم تغزو المسيرات الشعبية. وعندما كانت تصدر تصريحات مسؤولين فرنسيين داعمة للانتقال الديمقراطي في الجزائر، كانت تقابل برفض التدخل من قبل المسيرات، في موقف شعوري عفوي كان يدعو لإبقاء حل الأزمة في الإطار الجزائري. ورغم ذلك، سعت محاولات دعائية، إلى تشبيه مطالب الحراك والمنخرطين فيه بالدعوات الفرنسية من أجل نزع المصداقية عنها، بهدف تمرير الحل الذي كان يرفضه الحراك آنذاك بتنظيم الانتخابات الرئاسية دون إتمام شروط النزاهة الكافية بإزالة رموز نظام الرئيس بوتفليقة من الحكم.
وبعد وصول الرئيس عبد المجيد تبون للحكم نهاية 2019 فكّر ماكرون في تجاوز المأزق التاريخي مع نظيره الجديد في قصر المرادية، عبر مقاربة جديدة، يحاول فيها مسك العصا من الوسط، فلا يغضب أبناء جلدته الذين لا تزال ذكريات الاستعمار تسكنهم ويتقرب في الوقت ذاته من الجزائريين عبر بعض اللفتات الرمزية. وكانت أقوى تلك الرمزيات، إعادة رفات جماجم المقاومين الجزائريين الذين استشهدوا في بدايات دخول الاستعمار الفرنسي في القرن 19 وظلت فرنسا تحتفظ بهم بشكل مسيء في متحف الإنسان بباريس. ثم شجعته تلك الخطوة، لاقتراح عمل منسق حول الذاكرة مع الجزائر، من خلال تكليف مؤرخين من الجانبين للعمل على الموضوع. تماهت الرئاسة الجزائرية مع الفكرة لكنها لم تذهب بها إلى نهايتها. أما الرئيس الفرنسي، فقد عهد إلى المؤرخ العارف بالجزائر بنجامين ستورا لإنجاز التقرير الذي كان جاهزا بداية 2021 متضمنا أكثر من 20 توصية تقوم كلها على فكرة إزالة الاحتقان عبر «الخطوات الصغيرة» التي تنصف بعض الشخصيات الكبيرة وتعيد الاعتبار لبعضها، لكن مع استبعاد تام لجوهر ما يطلبه الجزائريون وهو الاعتراف والاعتذار. لم يزد تقرير ستورا المسألة سوى تعقيدا واستشعرت الجزائر التي تجاهلت التفاعل معه، الحيلة الفرنسية القديمة، في مساواة الضحية بالجلاد، والتي يريد من خلالها بعض الفرنسيين القول بأن الآلام مست الجميع على حد سواء في ردهم على سؤال الجرائم التي طالت الجزائريين خلال 132 سنة من الاحتلال.
لم يكن هذا المناخ الثقيل الذي تأكد بإلغاء زيارة الوزير الأول الفرنسي جون كاستكس في نيسان/أبريل 2021 يحتاج سوى شرارة ليدخل البلدان دائرة الأزمة المعتادة. وقد حدث ذلك بالفعل مع تصريحات الرئيس ماكرون في أيلول/سبتمبر 2021 التي التقطتها جريدة «لوموند» في لقاء له مع شباب من أصول جزائرية متنوعة، والتي هاجم فيها بضراوة النظام الجزائري واصفا إياه بالعسكري السياسي المتهالك، وبأن الرئيس تبون محصور في هذا النظام ولا يستطيع أن يتقدم. وتعدى ماكرون للإساءة للتاريخ الجزائري، بالقول إن الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي لم تكن موجودة كأمة. كان ذلك كافيا ليشعل أزمة حادة بين البلدين، استدعت فيها الجزائر سفيرها وحظرت الطيران العسكري الفرنسي من التحليق في أجوائها، واستمر الجمود بين البلدين نحو 4 أشهر، غابت فيها الزيارات الرسمية والاتصالات الهاتفية المعتادة، إلى أن وصلت دورة الخلاف إلى نهايتها بزيارة وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان إلى الجزائر ولقائه الرئيس عبد المجيد تبون ثم الإعلان عقب ذلك عن عودة السفير الجزائري لباريس.
وليست حلقات الأزمة في عهد ماكرون، سوى امتداد لمسارات متشابهة في الشكل ومختلفة في المضمون في فترات الرؤساء السابقين. ففي زمن الرئيس جاك شيراك، كان لقانون تمجيد الاستعمار الذي عرض على البرلمان الفرنسي سنة 2005 الأثر البالغ على العلاقات، وهددت الجزائر بقانون لتجريم الاستعمار لكنه بقي طي الأدراج. وفي زمن ساركوزي تكررت الخلافات بشكل دوري ووصلت ذروتها مع قرار فرنسا تنفيذ عملية عسكرية ضد ليبيا للإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي وهو ما أدى إلى اضطراب كبير في المنطقة وتسبب لاحقا في اندلاع أزمة مالي وانتشار الجماعات الإرهابية في الساحل. وقد تكون فترة الرئيس أولاند الأحسن في تاريخ العلاقات، والتي وصفها وزير الخارجية آنذاك لوران فابيوس بأنها تعيش «شهر عسل». لكن رغم ذلك، أخذت تلك الفترة نصيبها من الأزمة، بعد نشر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس صورة للرئيس بوتفليقة، عندما التقاه في الجزائر في نيسان/أبريل 2016 يظهر فيها بشكل غير لائق بسبب المرض الذي نال منه. وقد استدعت الجزائر السفير الفرنسي للاحتجاج وحذرت من أنها لن تقبل بتجاوز الخطوط الحمراء.
بناء توازن العلاقة
وفي توصيفها لهذا الواقع بين البلدين، ترى لويزة آيت حمادوش أستاذة العلوم السياسية بجامعة الجزائر، أن ما يميز العلاقات الجزائرية الفرنسية هي عموما الاستمرارية والثبات في صفاتها التقليدية والمتمثلة في اللاتوازن والاضطراب الدوري والتعقد والاستغلال السياسوي وسيطرة الماضي على الحاضر والمستقبل. أما شروط تغيير الطبيعة المتأزمة للعلاقات، فهي مرتبطة حسبها بالجزائر لأنها الدولة التي تعاني أكثر من اللاتوازن وهي التي تحتاج لإعادة توازن لصالحها، فالقاعدة العامة تقول إن التوازن بين دولتين قائم على قوتهما الداخلية.
وتطرح آيت حمادوش في رؤيتها ضرورة أن تبادر الجزائر برسم نظرة إستراتيجية جامعة للقوى الحية في المجتمع تسمح ببناء مشروع وطني لأن العلاقات مع دولة أجنبية تبدأ داخليا، كما يجب في اعتقادها بناء اقتصاد غير خاضع للتقلبات الخارجية أي اقتصاد غير تابع لتصدير المحروقات، لأن مصالح أية دولة بما فيها فرنسا هي ضمان فتح السوق الجزائرية وتدفق النفط بصفة آمنة ومن مصلحة الجزائر أن تجد ما تسوقه في فرنسا وأوروبا خارج المحروقات، وكذلك الانتقال من دبلوماسية التمثيل إلى دبلوماسية التأثير من أجل تجنيد الجالية الجزائرية في فرنسا بما يخدم المشروع الوطني، والأهم من ذلك إصلاح الوضع الداخلي لنزع ورقة التأشيرات من أوراق الضغط على الجزائر.
ومن الجانب الآخر، يعترف المسؤولون الفرنسيون بعدم وجود أدوات ضغط كبيرة على الجزائر لحملها على تجاوز الماضي التاريخي وإقامة علاقات طبيعية. ويقول السفير الفرنسي السابق في الجزائر، كزافييه ديونكور، إن سلاح الضغط الوحيد الموجود بيد فرنسا، هو اتفاقية 1968 التي تمنح امتيازات للمهاجرين الجزائريين بفرنسا والتي يمكن مراجعتها بما يخدم حسبه المصالح الفرنسية. ومن هذه الامتيازات حصول الجزائريين على شهادة إقامة لمدة 10 سنوات بطرق تفضيلية متعددة لا تحق للجنسيات الأخرى، وحق الجزائري بعد 10 سنوات من إثبات الوجود في فرنسا، أن يسوي وضعيته والحصول على كامل حقوقه حتى وإن دخل فرنسا بطريقة غير شرعية. وفوق الواقع السياسي المتأزم أحيانا، يفرض الميدان منطقه، فالعلاقات الإنسانية المتشابكة بوجود نحو 7 ملايين حامل لأصول جزائرية في فرنسا، تجعل التواصل بأكثر من 20 رحلة جوية يوميا مفروضا. ناهيك عن أن الجامعات الفرنسية تستقطب سنويا عشرات الآلاف من الطلبة الجزائريين. عدا ذلك، فإن القرب الجغرافي وتحديات الأمن في منطقة الساحل والهجرة السرية تمس البلدين على حد سواء وتفرض التعاون بينهما. أما من الجانب الاقتصادي، فتظل فرنسا أهم مورد للجزائر بعد الصين ومن أكبر مستوردي النفط الجزائري، كما أن شركاتها حاضرة بقوة في ميادين استراتيجية مثل المحروقات والميكانيك والإسمنت والبنوك والتأمينات والصناعات الغذائية.
خلافات لا توصل للقطيعة
وفي رأي الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي نوري دريس، فإنه لا يمكن للعلاقة الجزائرية الفرنسية إلا أن تكون متأزمة ومتأرجحة، بالنظر إلى العلاقة الاستعمارية التي هيمنت لقرن و32 سنة.
ويقول الباحث في حديثه مع «القدس العربي»: «حتى وإن نجح البلدان في إقامة علاقات اقتصادية مقبولة إلا أنه لا يمكن أن تكون كذلك سياسيا، ففي الجزائر جراح الذاكرة لم تندمل والسلطة تعرف جيدا أن أي تطبيع للعلاقات سيخلق ردة فعل غاضبة. بل إن السلطة إن لم تستغل أدنى خطأ فرنسي للتصعيد فإن الجزائريين سيعتبرونها متساهلة أو متعاونة مع عدو الأمس. والأمر نفسه في فرنسا، فالإساءة إلى الجزائر هي كذلك أحد الموارد المهمة للخطاب الانتخابي والصراع السياسي، وهو جزء من الإساءة للعرب والمسلمين عموما». ومن الأمور الرمزية التي يلمحها الباحث، أن الرئيس تبون استوعب الدرس قليلا فذهب للعلاج في ألمانيا عكس بوتفليقة الذي فقد من شعبيته بسبب إقامته وعلاجه في فرنسا، وهي تفاصيل يقف عندها الجزائريون طويلا.
ويخلص الأستاذ الجامعي في تحليله إلى أنه خلال الجيلين القادمين علي الأقل ستبقى الأوضاع كما هي، أي أن تقارب السلطة في الجزائر مع فرنسا سوف يعتبر خيانة للشهداء، وأي تساهل مع العرب والمسلمين سيكون تساهلا مع التطرف والمهاجرين. لذلك، الطبيعي، وفق الباحث، في علاقة بين بلدين يجمعهما تاريخ استعماري هو ما نعيشه اليوم، أما التطبيع فهو غير الطبيعي. ومع ذلك، يقول دريس إنه لا يمكن الذهاب حد القطيعة التامة، فثمة مصالح مشتركة وجالية جزائرية كبيرة، مما يفرض إيجاد طرق للتعايش بين البلدين. والجزائر في اعتقاده، بدأت تعرف كيف تنظر للعالم من غير نافذة فرنسا، ما قد يجعل العلاقة مع فرنسا مع الزمن موضوعا ثانويا وغير مهم ربما، لكنه سيستغرق جيلين أو ثلاثة. كما أن السلطة الحالية بدأت حسبه، في التفكير خارج الصندوق الفرنكوفوني والفرنكوفولي، من خلال التوجه نحو الانكليزية وهو ما يكرس مسارا طويلا انطلق منذ عقود للتراجع عن الفرنسية، فالجيل الحالي غير مفرنس والفرنسية فقدت مكانتها الاجتماعية والثقافية والعلمية، والنخب الحالية بما فيها التي تسير الإدارة باتت لا تتقن الفرنسية.