د. بشير موسي نافع
مسألتان لفتتا انتباهي خلال الأسبوع الماضي: جدل المثقفين العرب حول الجزيرة، بمناسبة مرور عشرة أعوام علي تأسيسها، ومقالة هامة نشرها مدير مركز التخطيط السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، ريتشارد هاس، في عدد مجلة شؤون خارجية الأمريكية الأخير. وبالرغم من ان مقالة هاس لا تتحدث عن الجزيرة في شكل مباشر أو غير مباشر، فالعلاقة بين ما تعنيه هذه القناة الاخبارية العربية بالغة التأثير ومقالة هاس بالغة الأهمية تستحق المناقشة.
الجزيرة، ومنذ انطلاقها، نظر اليها دائماً علي أساس انها قناة مثيرة للاشكاليات والجدل. الأنظمة العربية، ولأسباب معروفة، اعتبرت القناة مصدر تهديد وخطر علي السلطة الحاكمة وعلي العلاقة (غير السوية) في العالم العربي بين الحاكم والمحكوم. بعض الأنظمة العربية، وفي استعراض لهامش الحرية الذي تسمح به وللثقة بالنفس، تعايشت مع القناة علي نحو أو آخر. البعض الآخر حظر الجزيرة من العمل في بلاده وحافظ علي رقابة دائمة لما تنشره أو تناقشه من شؤونه وشؤون بلاده. ولكن الأمر لم يقتصر علي الأنظمة، فقد أثارت القناة العديد من الكتاب والمثقفين والاعلاميين العرب ايضاً. الأغلبية العظمي من هؤلاء، وبعد فترات متفاوتة من التأمل الحذر، وجدت في الجزيرة اضافة ايجابية حقيقية للحياة العربية السياسية والثقافية، وللعمل العربي الاعلامي، سيما أن المنطقة العربية أصبحت منذ نهاية الحرب الباردة مجالاً رئيسياً لقوي ومراكز الاعلام العالمي. ولكن فئة من المثقفين والكتاب العرب ما تزال تنظر الي الجزيرة نظرة سلبية. والمقصود هنا ليس النقد بالمعني الذي نراه لبرامج البي بي سي في الصحافة البريطانية (وهو كثير)، مثلاً، بل الرؤية السلبية الحاسمة، القاطعة، المتعلقة بمبرر الوجود.
انحسرت الاتهامات التآمرية المبكرة حول رأس المال الاسرائيلي، المخطط الأمريكي. فمن وجهة نظر الدولة العبرية والادارة الأمريكية، كما هي وجهة نظر الأنظمة العربية، تعتبر الجزيرة خطراً حقيقياً، يمكن حتي التفكير في قصفها بالصواريخ. وبعد الكثير من شائعات النفوذ الفلسطيني اذا بنجوم الجزيرة الكبار جميعهم تقريباً من غير الفلسطينيين، اللهم ان استثنينا الوضع الطبيعي لمدير مكتب القناة في القدس. ما يوجه للجزيرة من اتهامات الآن هو أكثر تعقيداً، لأنه يبني علي جوانب حقيقية وملموسة من عمل القناة. ثمة برامج في الجزيرة عالية الصوت بلاشك، وتترك للنقاش والخلاف مساحة للاحتداد والتحول أحياناً الي ما يشبه المهاترة. وهناك برنامج اسلامي الطابع، يقدم للمشاهدين اسبوعياً واحداً من أهم العلماء المسلمين المعاصرين. كما ان القناة تعلمت كيف تقدم تغطية سريعة ماهرة لأحداث الحرب ومناطق الاشتعال السياسي، بل ان تغطية الحروب ساعدت مساعدة كبري في اكتساب القناة لموقعها. هذه جميعها حقائق ملموسة، يمكن لأي مشاهد عربي للقناة ان يتعرف عليها. وهنا يأتي تحويل هذه الحقائق الي اتهامات قاطعة وحاسمة. تتهم القناة بأنها شعبوية، بمعني أنها تستجيب لمتطلبات الاثارة الجماهيرية، وهي بذلك تنشر الجهل وتشجع علي استبعاد العقل. والأخطر، في نظر البعض، ان هذه النزعة الشعبوية، وبعكس ما يعتقد، لا تترك أثراً يذكر علي الاستبداد السياسي في المنطقة العربية، بل أنها تحولت الي أداة تفريغ للشارع العربي. فوق ذلك، تتهم الجزيرة بأنها باتت منبراً للأصوليين، أو أنها ساحة لتحالف آخر الزمان بين القوميين والاسلاميين. بذلك، تنتقل الجزيرة من أداة اعلامية الي مشروع سياسي، يختصر الحياة والثقافة العربية في مشاهد الحرب والموت والدمار من أفغانستان الي العراق وفلسطين ولبنان.
ليس المقصود بهذه المقالة الدفاع عن الجزيرة، فهي بتأثيرها الكبير وقدراتها الهائلة أجدر بالدفاع عن نفسها. كما أنني اعترف بصداقتي لعدد من العاملين في القناة، مما يجعل شهادتي مجروحة علي أية حال. ولكنني كعدد من الدارسين لتاريخ هذه المنطقة والمراقبين لحياتها المعاصرة أحاول منذ مدة فهم ما تعنيه الجزيرة لملايين العرب وما تؤشر اليه من تحولات في هذه الحقبة من تاريخهم. تضم الجزيرة بالتأكيد بين صفوف العاملين فيها اسلاميين وغير اسلاميين، قوميين وغير قوميين، ليبراليين وغير ليبراليين، وربما عدداً كبيراً ممن لا يكترث لهذا أو ذاك. وهناك أحياناً نبرة صوت مرتفعة تخرج من شاشة القناة وموجاتها. ولدي الكثير من العرب، كما لاحظت خلال اقامة طويلة في المنطقة العربية مؤخراً، أصبحت القناة ادماناً بالفعل. وليس ثمة من وسيلة لملايين المشاهدين، ولعدد كبير من المتخصصين كذلك، أفضل من الجزيرة لمعرفة حقيقة ما يجري في عدد من المناطق العربية والاسلامية الساخنة. ولكن ما لا يريد ان يراه البعض انه ان كان أبرز مهام الاعلام هو الاعلام عن الواقع ومجرياته، فان هذا هو الواقع فعلاً. الانعكاس الثري للحدث الاسلامي والقومي لا يتعلق بكون معدي أو مقدمي البرامج الرئيسية اسلاميين أو قوميين (وأغلبيتهم العظمي لا تبدو كذلك) بل لأن المنطقة تموج بحراك سياسي هائل ذي طابع اسلامي وقومي، بغض النظر عن رؤيتنا لما يمكن أن يؤدي اليه هذا الحراك. قد تكون مصادفة تاريخية (!) هي التي جعلت حروب العقد الأخير تجري في الفضاء العربي ـ الاسلامي، وان تكون هذه المنطقة من العالم أكثرها سخونة علي الاطلاق، ولكن هذا هو الواقع الذي لا يمكن تجاهله ولا تزييفه. قبل سنوات طويلة، كتب أستاذنا المرحوم ألبرت حوراني، المؤرخ الكبير للشرق الأوسط، يقول ان لا قوة امبراطورية ترغب في ترك تأثيرها علي العالم لا تسعي للتواجد في الشرق الأوسط. وهو ما يأخذني الي المسألة الأخري.
ففي مقالة قد يعتبرها البعض مفاجئة، يقول ريتشارد هاس ان حقبة النفوذ الأمريكي المهيمن علي الشرق الأدني قد انتهت. بل يقول ان تأثير القوي الخارجية (بمعني القوي الامبراطورية) علي شؤون المنطقة ستتراجع الي حد كبير، لتحل محلها قوي المنطقة الداخلية. يشير هاس الي ان مرحلة الهيمنة الأمريكية جاءت بعد مراحل تاريخية من السيطرة العثمانية، تتبعها الشراكة البريطانية ـ الفرنسية، ثم تدافع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الذي انتهي في 1990 بهيمنة أمريكية منفردة. طبقاً لهاس، ارتكبت الولايات المتحدة سلسلة من الأخطاء، أهمها غزو واحتلال العراق واللجوء غير المبرر لعسكرة العلاقات مع المنطقة، ساهمت في ايصال الهيمنة الأمريكية المنفردة الي نهاياتها. الولايات المتحدة لن تخرج كلياً من المنطقة، وقوة أخري واحدة (مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي أو روسيا) غير قادرة ولا مؤهلة لتحل محل الدور الأمريكي المهيمن، ولكن الحقبة القادمة هي حقبة انحدار ملموس للتأثير الأمريكي، تدافع متعدد الأطراف، يقابله صعود ملحوظ للقوي الداخلية. وفي رؤية هاس، لن يكون مستقبل الشرق الأوسط مزدهراً بل تحفه الاضطرابات وتنافس القوي والاتجاهات، والصراع ضد الارهاب. وعلي نحو ما، تستبطن مقالة هاس اقراراً بتراجع القوة الامبراطورية للولايات المتحدة، ليس علي مستوي دورها في الشرق الأدني وحسب، بل ودورها العالمي ككل.
قد لا يتفق البعض مع المستقبل الذي يرسمه هاس للشرق الأدني، فالافتراض بأن المنطقة لا تستقر الا بقوة خارجية مهيمنة هو افتراض عنصري بالضرورة، وذلك حتي قبل الولوج الي معطياته. وقد لا يتفق البعض مع منطق التحليل الذي تستند اليه المقالة، وفي نظري أن اللجوء الأمريكي لعسكرة العلاقات بدول وشعوب المنطقة كان نتاجاً لشعور متعاظم بتراجع القوة والدور وليس مسبباً له. ولكن قلة ربما ستختلف حول دلالتين تحملهما المقالة: الأولي تتعلق بالمضمون، أي بالنتيجة التي يصل اليها هاس وما تؤشر اليه من تحولات كبري تمر بها المنطقة والسياسة الدولية ككل. والثانية تتعلق بالشكل، أي بالوزن الذي تحمله مقالة مسؤول أمريكي كبير سابق في وزارة الخارجية، والمدير الحالي لمجلس العلاقات الخارجية الذي تصدر عنه مجلة فورن أفيرز، وهو فوق ذلك ليس خصماً أيديولوجياً لادارة بوش، التي خدم في صفوفها خلال فترتها الأولي. لو أن محللاً سياسياً عربياً صرح بنفس النتيجة التي توصل اليها هاس علي شاشة الجزيرة، مثلاً، هل كانت مقولاته ستحمل نفس الوزن الذي تحمله مقالة هاس؟ ما ينبغي ملاحظته ربما في ظاهرة الجزيرة هو التزامن، غير المخطط ربما، بين ظهور القناة ولحظة الانقلابات الكبري في السياسة العالمية وفي مصير المشرق العربي ـ الاسلامي. ولفهم هذا التزامن علينا ان نتذكر ان مؤسسة اعلامية في العالم لم تتعرض لما تعرضت له الجزيرة خلال السنوات القليلة الماضية من هجمات معنوية ومادية علي السواء. ولكن المدهش ان الجزيرة تزداد شعبية وتأثيراً وثقة بالنفس. أحد أهم الأسباب وراء هذا الصعود المستمر هو بالتأكيد الحرفية العالية التي تميز هذه المجموعة الصغيرة من الاعلاميين العرب الشبان، وكفاءة وحكمة القياديين الذين يقفون علي رأس القناة. ولكن السبب الذي لا ينبغي تجاهله بأي حال من الأحوال ان الفضاء العربي ـ الاسلامي يبرز في هذه الحقبة من الانقلابات والمناضلات السياسية المحتدمة وكأنه قلب العالم. وقد تمكنت الجزيرة من نقل هذا الحراك التاريخي الكبير، بلغة وصورة مفهومتين، وهذا هو سر نجاحها الكبير. بيد ان الجزيرة تعني شيئاً لا يقل أهمية للحظة العربية. فبعد قرنين طويلين من محاولة اللحاق ولو بالحد الأدني من القوة والرفاه الغربيين، توفرت في نهاية القرن العشرين لشعوب المنطقة العربية والاسلامية من شروط النهوض ما لم يتوفر لها من قبل: طبقة متعلمة واسعة، امكانات مادية عالية نسبياً، معرفة غير مسبوقة بالعالم، وقوة دفع شعبية هائلة للتقدم والتحرر من الأزمة التاريخية. ولكن لا طبيعة الحكم والدولة ولا الهيمنة الخارجية تسمح بهامش كاف لخروج المنطقة وطاقاتها من عنق الزجاجة. كما ان ثروات المنطقة وعقولها وخبرتها مادة للهيمنة والسيطرة والنهب فان خطاب المنطقة قد استلب ايضاً. وكما ان الشعوب العربية والاسلامية تتوق لمن يستعيد لها الثروة والعقول والخبرة، لمن يكسر لها عنق الزجاجة، فقد كانت في الوقت نفسه تبحث عمن يستعيد خطابها، يسلحها باللغة الضرورية للتعبير عن نفسها. وعلي نحو كبير لعبت الجزيرة هذا الدور. وضعت الجزيرة صورة وأحداث القمم العربية علي الشاشة ليري فيها المشاهد رأيه، ونقلت كلمات الرئيس الأمريكي الي صالات جلوس الأسر العربية لتقرأها كما تريد، ولكنها فوق ذلك، أعطت للمعتمرين المصريين الذين فقدوا طريق عودتهم، لأبناء مدن غزة ومخيماتها وهم يقضون حياتهم تحت القصف وشبح الموت، لمقاتلي جنوب لبنان الذين لا أسماء لهم ولا صور، ولأهالي الفلوجة وحديثة والرمادي، حقهم في الوجود وحقهم في أن يكون لهم صوت. فتحت الجزيرة المجال العام للعلماء والأطباء العرب، لخبراء السياسة والعاملين في حقلها، للمدافعين عن حقوق الناس والداعين لحريتهم، ولأهل الفكر وأهل الرأي، للقوميين والاسلاميين، لليبراليين والراديكاليين، وللوطنيين والخونة أيضاً. للمرة الأولي منذ أصبح للاعلام هذه الطاقة الـتأثيرية الهائلة، برزت الجزيرة كأداة حيوية للخطاب العربي والعرب يحاولون بكل ما أوتوا من جهد ما رآه ريتشارد هاس في مقالته استعادة منطقة الشرق الأدني لقرارها. وليس الجزيرة وحسب، بل ان هناك العشرات من القنوات التلفازية، الصحف المقروءة، ومواقع الانترنت، التي أخذت هي الأخري في احتلال مواقعها علي خارطة الاعلام والثقافة العربية، وعلي خارطة الخطاب العربي المعاصر.
بيد ان الجزيرة في النهاية لن تكون مصدر رضي لكل واحد علي حدة، فكل منا يريدها علي صورته، يريدها لخدمة أولوياته هو. وهذه ظاهرة صحية علي أية حال. كما ان الجزيرة لن تغير أنظمة ولن تقيم ديمقراطيات ولن تؤسس عدالة. الشعوب هي التي تتعهد هذه المهمات لا المؤسسات الاعلامية. ولكن عندما تتحرك الشعوب من أجل تحقيق هذه الغايات الكبري، ستكون علي ثقة بأن تضحياتها لن تذهب هدراً، وأن صوتها لن يضيع في البرية. 9