وليد شميط بعد سبع سنوات من إطلاق قناة دولية باللغة الإنكليزية، تستعد شبكة ‘الجزيرة’ لإطلاق قناة ‘الجزيرة امريكا’ في خطوة جديدة سبّاقة تمكّنها من الوصول الى جمهور عريض في الولايات المتحدة الامريكية. وكانت ‘الجزيرة’ التي تصل حالياً الى بعض المدن الامريكية ولا سيما واشنطن ونيويورك، قد دفعت مبلغ 500 مليون دولار لشراء قناة ‘كورنت تي في’ التي شارك في تأسيسها عام 2000 نائب الرئيس الامريكي السابق آل غور، وتمكنت بذلك من الحصول على قناة توزيع مهمة يمكن متابعتها في 60 مليون منزل أميركي من أصل 100 مليون منزل مجهّز لمتابعة قنوات تبث عبر الكابل او الأقمار الاصطناعية.وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة إنجازات متقدمة حققتها الفضائية القطرية منذ انطلقت عام 1996. وخلال فترة قصيرة نسبياً نجحت ‘الجزيرة’ في الوصول على نحو 50 مليون مشاهد في معظم أنحاء العالم، مما عزّز مشاريعها للتوسع على الصعيد العالمي، فأقدمت عام 2001 على إطلاق موقع الجزيرة الالكتروني باللغة العربية، وتلاه عام 2003 موقع باللغة الإنكليزية والجزيرة الرياضية، وفي عام 2003 جرى افتتاح مركز للتدريب الإعلامي، وتمّ عام 2005 إطلاق قناة الجزيرة باللغة الإنكليزية، ثم الجزيرة نت والجزيرة الوثائقية… وها هي الجزيرة اليوم تسعى الى منافسة الإعلام الامريكي، وتأخذ على عاتقها مخاطبة إمبراطورية تفرض ثقافتها وأنماط حياتها على العالم بأسره، وليس من عاداتها التبادل الإعلامي وتلقي الأخبار من مصادر أخرى غير مصادرها.’التبعية الإعلامية’على امتداد عقود طويلة كان العالم الثالث، ومنه العالم العربي، يشكو من ‘التبعية الإعلامية’، ومن ‘هيمنة الإعلام الامريكي’ ومن ‘تدفق المعلومات والأخبار من جانب واحد’. منذ ظهور الصورة (1830)، والاسطوانة والسينما (1890)، والإذاعة (1920)، والتلفزيون (1937) والترانزستور (1948) وأول قمر اصطناعي (1957) ونحن نعاني من التبعية الإعلامية. الخبراء يتحدثون عن ‘تدفق المعلومات من جانب واحد أو عن ‘الخلل في تدفق المعلومات بين الدول النامية والدول المتقدمة’. والمعنى واحد: الآخر يجمع ويكتب ويصوّر ويرسل لنا الأخبار والصور والقصص عبر وكالاته وإذاعاته، وينتج البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية والدعايات ويغرقنا بها عبر شركاته الضخمة، ونحن نستهلك كل هذا من دون ان تكون عندنا القدرة على مبادلته.وبلغت الشكوى حداً دفع اليونسكو في سبعينات القرن الماضي الى وضع نظام إعلامي دولي جديد يهدف الى ‘تصحيح الخلل الإعلامي بين الدول المتقدمة والدول النامية’. وقد أثار الأمر غضب الولايات المتحدة فانسحبت من المنظمة الدولية وقاطعتها طيلة سنوات. وبقي ‘الخلل’ قائماً.وبدورهم ناقش العرب المسألة وأصدروا عدداً لا يحصى من القرارات والتوصيات والمشاريع والدراسات والأبحاث تضيق بها أدراج جامعة الدول العربية وغيرها من المنظمات العربية المعنية، وذلك بغية تحقيق ‘التعاون والتكامل وتوحيد الجهود والإمكانات’ بهدف تقوية الإعلام العربي وتمكينه من مخاطبة العالم بلغته، ومنافسة الإعلام الغربي والحد من هيمنته على العقول والنفوس. ولكن كل هذا بقي حبراً على ورق وها هي ‘الجزيرة’ اليوم تتصدى للمسألة وتعمل على منافسة الإعلام الغربي والامريكي في عقر داره، وتخاطبه بلغته وتنقل إليه بلغة العصر ما أمكن من الأخبار والمعلومات عن العالم، وعن العالم العربي تحديداً.والمسألة ليست سهلة على الإطلاق. فما ان جرى الإعلان عن شراء الجزيرة لقناة كرانت تي في حتى هبّت في الولايات المتحدة عاصفة من النقاشات والانتقادات الحادة، وشنّ عدد من المعلقين حرباً مفتوحة على ‘الجزيرة امريكا’ قبل أن تبدأ البث. وهناك من اعتبرها ‘معادية لامريكا’ وثمة من قال إنها ‘معادية لإسرائيل’. وأثار الأمر اهتمام اللوبي الصهيوني ومخاوفه، فاعتبر رون توروسيان، مثلاً، وهو يرأس مؤسسة علاقات عامة كبرى في نيويورك’ إن هذه الصفقة لا تنبئ بالخير للعلاقات العامة الإسرائيلية. فهل ستقبل الجزيرة نقل مواقف وآراء المتعاطفين مع إسرائيل، أو حتى الحديث عن الجمعيات الخيرية اليهودية؟’. ومن جهتها رفضت تايم ورنر كيبل ان تتولى نقل ‘الجزيرة امريكا’، وعبّر الموظفون عن استيائهم من إقدام آل غور على بيع كرانت تي في لـ ‘قناة تمولّها أموال النفط’.ردت الجزيرة على هذه المخاوف والانتقادات فأكدت على انها تؤمن بأن ‘الحقائق والصدق يؤديا الى فهم أفضل للعالم الذي يحيط بنا ونعيش فيه’. وانبرى عدد من المعلقين الامريكيين للدفاع عن حق الجزيرة في أن تبث من الولايات المتحدة وأن تصل الى الجمهور الامريكي. ما الذي يفسّر هذا الموقف السلبي؟ يسأل نائب رئيس خدمات يونيفرسال الإخبارية تود مارفي، ويقول: ‘ربما لأن الجزيرة يملكها أجنبي، ولكن القانون لا يمنع الأجنبي من امتلاك قناة تلفزية، أو ربما هناك من يعتقد أن برامج الجزيرة قد تكون ملهبة للمشاهد الامريكي، وهنا أيضاً لا أرى مصداقية لمثل هذا الفهم والتصرف. وربما يكون الأمر مجرد حالة ‘إسلاموفوبياً، إذ أن اسم الجزيرة قد يوحي بعلاقة ما مع القاعدة’. ويضيف مارفي: ‘بصرف النظر عن السبب، وكمتابع يقوم منذ 20 عاماً بمراجعة وتحليل الإعلام الجديد، أرحب بانضمام الجزيرة الى فضاء الإعلام في أميركيا. يمكن لهذه القناة ان توفر خياراً آخراً للمشاهدين لكي يكونوا أكثر اطلاعا على ما يجري . وفي المحصلة النهائية لا بدّ من ان تتأمن للمستهلك حرية اختيار ما يريد ان يراه. وأنا من هواة التمتع بحرية مشاهدة ما أرغب به في القناة التي اختارها بنفسي’.ومن المعلقين الامريكيين من يقترح على الجزيرة ان تقوم بحملة إعلامية قوية تركّز فيها على ‘الشفافية والحوار الثقافي والتفوّق الإعلامي’.مهمة صعبةواضح ان مهمة الجزيرة في امريكا صعبة، ولكنها ليست مستحيلة. فما من شك بأن الجزيرة التي نجحت في أن تكون أحد أبرز وأهم مصادر الأخبار في العالم، واكتسبت خبرة واسعة في كيفية التعامل مع جمهورها خارج العالم العربي، ستأخذ في الاعتبار خصوصية مشاهديها المرتقبين والمحتملين في الولايات المتحدة، وستراعي هذه الخصوصية في الشكل وفي المضمون، وخصوصاً لجهة التمييز بين مادة الخبر والتحليل والتعليق لتجنب الوقوع في فخ الدعاية والتكهن، كما يقول ميثاق الشرق المهني الذي اختارته لنفسها. وما من شك أيضاً في أن الجزيرة ستلعب دوراً أساسياً ليس فقط في نقل الأخبار والمعلومات الى الامريكيين، وإنما خصوصاً، في السعي الى الحد من التعميمات التعسفية عن العرب التي تؤدي الى تشويه صورتهم وتقديم صور نمطية عنهم ومختزلة عن ثقافتهم. وعلى الرغم من صعوبة العلاقة مع الجمهور الامريكي، وعلى قاعدة احترامه، ستتصدى الجزيرة من دون شك لقضايا كبيرة ومهمة تواجه اليوم علاقة العرب بالعالم، وخصوصاً بالولايات المتحدة.إذ كيف يمكن مخاطبة الرأي العام الامريكي من دون التطرق الى القضية الفلسطينية. والصراع العربي- الإسرائيلي، وعلاقة الإسلام بالغرب، والحوار الثقافي العربي- الامريكي، وغير ذلك من القضايا التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى الى ما يسميه الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي ‘الإعلام الحضاري’ الذي يقوم على المعرفة وعلى الثقافة بالدرجة الأولى. والإعلام الحضاري يفترض أيضاً عدم الاكتفاء بالشأن السياسي وحده، على أهمية القضايا السياسية. فلا بد للمعرفة من أن تلعب دورها ومعها الثقافة بكافة أبعادها الفكرية ووجوهها الفنية والإبداعية. فالثقافة هي الوسيلة الأفضل للوصول الى قلوب الناس ووجدانهم وعقولهم. والمشهد الثقافي العربي يزخر اليوم، بفضل تحديات الربيع العربي، باتجاهات واجتهادات وصراعات فكرية تعطي صورة عن واقع المجتمعات العربية وحيويتها وديناميتها ومشاكلها وقضاياها، وعن معاركها الكبرى ضد الدكتاتورية والاستبداد، وعن تطلعات الانسان العربي وسعيه الى الحرية والديمقراطية. وتعطي، خصوصاً، صورة عن تحرر الأجيال العربية الشابة، وما تختزنه من مواهب وطاقات وإمكانات فكرية وثقافية وإبداعية من شأنها أن تتيح للآخرين تفهم مشكلاتنا وتحثهم على التعاطف مع قضايانا، وتؤسّس لتواصل ثقافي مع العالم، ولحوار حضاري حقيقي يكون بين متساوين، على الرغم من زمن العولمة وهيمنة القطب الواحد. فالجزيرة التي ارادت أن تكون ‘عربية الانتماء، عالمية التوجه وجسراً بين الشعوب والثقافات يعزّز حق الانسان في المعرفة وقيم التسامح والديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الانسان’، وأدخلت الى الإعلام ‘ثقافة الرأي والرأي الآخر’، يمكنها، مع انتشارها العالمي، أن تلعب دوراً كبيراً في تقويم عدم التوازن في التدفق الإعلامي بين العالم العربي وأميركيا، بين الشرق والغرب.’ كاتب واعلامي لبناني يقيم في فرنساqmdqpt