الدوحة ـ”القدس العربي”:
بثت شبكة الجزيرة فيلماً استقصائياً يفضح ارتباط كبار المسؤولين في لافارج بالدولة الفرنسية وتحديداً بالاستخبارات الفرنسية، وبناء شبكة تجسس في شمال سوريا للحفاظ على مصالح شركتهم التجارية، وتسريب معلومات غاية في السرية لأجهزة الاستخبارات الفرنسية وأجهزة أخرى أمريكية وغربية.
كما يكشف الفيلم معلومات عن شبكة تجسس أخرى في دبي يديرها رجل أعمال سوري يدعى فراس طلاس، وهو ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس، الذي هرب إلى باريس مع بداية الحرب بمباركة من السلطات الفرنسية، والذي يملك أسهماً في مصنع لافارج للإسمنت.
الفيلم التحقيقي الذي أثار ضجة واسعة، وفتح نقاشاً مستفيضاً عن دور باريس ومخابراتها في سوريا، من إنتاج فرنسي بالمشاركة مع قناة الجزيرة وبعض القنوات الأوروبية. ويكشف الاستقصائي خبايا غير معروفة بخصوص علاقة شركة لافارج الفرنسية للإسمنت بالجماعات المسلحة في سوريا خلال الفترة من 2011 إلى 2014.
#تحقيقات_الجزيرة – مصنع الجواسيس
الجمعة 22:05 بتوقيت مكة المكرمة على شاشة #الجزيرة pic.twitter.com/b5lzzbtyag— قناة الجزيرة (@AJArabic) June 8, 2023
كما وثق الفيلم تفاصيل حصرية مدعمة بالأدلة والوثائق والشهادات الحصرية عن الدور الفرنسي في سوريا. وأظهر أن كبار المسؤولين في مصنع لافارج -الذي دشن عام 2010- قاموا ببناء شبكة تجسس في شمال سوريا، للحفاظ على مصالح شركتهم التجارية، وفي الوقت نفسه تسريب معلومات غاية في السرية إلى أجهزة الاستخبارات الفرنسية وأجهزة أخرى أميركية وغربية.
وتمكن فريق التحقيق من الحصول على آلاف الوثائق المتعلقة بقضية لافارج ومقابلة من كانوا على صلة بالموضوع من عملاء مخابرات ومسؤولين في هرم السلطة بفرنسا، حيث كشف هؤلاء أسراراً وخبايا أريد لها أن تبقى طي الكتمان.
كما جاء في شهادة كلود فيار -الذي رفض تصويره وسمح بكتابة شهادته- بحسب ما جاء في الفيلم الوثائقي: “قدمت معلومات عن سوريا للمخابرات العسكرية وجهاز مكافحة الإرهاب والمخابرات الخارجية بدءا من منتصف 2011”. ويؤكد مدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية (2017-2023) الجنرال كريستوف غومار، في شهادته أن موظفي لافارج كانوا مصدراً مهماً للمعلومات وأفادوا بلدهم فرنسا. وجاء في الفيلم الاستقصائي أن رسالة إلكترونية أرسلها كلود فيار إلى المخابرات تضمنت خرائط أعدها جلودي وتظهر مواقع الأطراف المتحاربة في سوريا ومواقع القيادات الإسلامية ونقاط التفتيش مع أسماء المجموعات التي تسيطر عليها. وبعد ذلك بأيام قليلة أعدّت المخابرات الخارجية الفرنسية مذكرة بشأن الوضع في سوريا، وكانت المفاجأة في الوثائق المرفقة بحسب فيلم الجزيرة، تضمن الخرائط نفسها التي أرسلها موظفو لافارج، وصنفت تلك الخرائط في خانة أسرار الدفاع.
وكشف الفيلم الذي يحمل عنوان “مصنع الجواسيس”، كيف أن أجهزة المخابرات الفرنسية طلبت من عملائها في شركة لافارج التجسس على تنظيم الدولة، حيث تم تكليف جلودي في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 بمهمة التعرف على بعض كوادر التنظيم، ومنهم أبو عمر الشيشاني الذي سيصبح قائداً ميدانياً فيه. لكن الشبكات التابعة لمصنع لافارج فقدت حضورها، ففي سبتمبر/أيلول 2014 وبعد 3 أشهر من إعلان الخلافة الإسلامية سيطر تنظيم الدولة على مصنع الإسمنت. ومع بداية الثورة السورية جنّد كلود فيار عميلين، أحدهما نرويجي يدعى جاكوب وارنيس، وكان شرطيا في جهاز الأمن الداخلي في بلاده، والآخر أردني اسمه أحمد جلودي، وهو مسؤول الأمن في مصنع لافارج، وقد تعاون مع المخابرات الأميركية لتخصصه في تعقب الشبكات الإرهابية وكرّمه الكونغرس الأميركي، وتمت ملاحقة الاثنين لاحقا بتهمة الإرهاب.
وبعد 6 سنوات من التحقيق توصلت الشرطة القضائية إلى أن مصنع لافارج مكّن التنظيمات المسلحة من الحصول على ما يتراوح بين مليونين و7 ملايين يورو دفعها رجال فراس ورشاوى لزبائن المصنع، وأطنان الإسمنت تركت في سوريا. كما أصدرت السلطات الفرنسية في خريف 2017 مذكرة اعتقال بحق فراس للاشتباه به في تمويل الإرهاب.
شبكة جواسيس في دبي
يكشف فيلم الجزيرة أنه كانت هناك شبكة تجسس أخرى في دبي عن طريق رجل أعمال سوري يدعى فراس طلاس (63 عاما) لديه أسهم في مصنع لافارج للإسمنت، وهو ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس الذي هرب إلى باريس مع بداية الحرب بمباركة من السلطات الفرنسية. وكان فراس -الذي يفتخر في حديثه بعلاقاته مع الاستخبارات الفرنسية- يسرب المعلومات عن كل الفصائل السورية المسلحة والمقاتلين الفرنسيين لدبلوماسي فرنسي في القنصلية الفرنسية بدبي. ولم يكتف فريق فراس بالحصول على أسماء وأرقام هواتف مقابل الأموال التي يدفعها عند نقاط التفتيش، بل تمكن من اختراق معاقل التنظيمات المسيطرة هناك، واعترف في شهادته بأن لديه رجالا في كل الأراضي السورية يبعثون له المعلومات كل يوم، وأنه أرسل نسخا كثيرة من الفيديوهات لصالح المخابرات الخارجية الفرنسية. وكان رجل الأعمال السوري يتقاضى مقابل ذلك 70 ألف دولار كل شهر يدفع منها لعملائه داخل سوريا.
فضيحة لافارج
وفي سنة 2022، أعلنت شركة “لافارج” (Lafarge) عملاقة صناعة الإسمنت الفرنسية ومجموعة “هولسيم” السويسرية الأمّ أن لافارج ستسدد غرامة قدرها 778 مليون دولار لوزارة العدل الأميركية لمساعدتها جماعات تصنفها الولايات المتحدة تنظيمات إرهابية، منها تنظيم الدولة الإسلامية، خلال الحرب في سوريا. وصدر عن الشركتين بيان جاء فيه أن لافارج وشركتها الفرعية “لافارج للإسمنت سوريا” التي تم حلّها “وافقتا على الاعتراف بالذنب بتهمة التآمر لتقديم دعم مادي لمنظمات إرهابية أجنبية محددة في سوريا منذ أغسطس/آب 2013 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2014″.
اتهم المدير التنفيذي السابق لشركة لافارج الفرنسية المصنّعة للأسمنت، المتّهم في التحقيق القضائي في أنشطة المجموعة حتى عام 2014 في سوريا، في مقابلة مع صحيفة ليبيراسيون “الاستخبارات الفرنسية” بـ”اختراق” فرع الشركة خلال تلك الفترة.
وقال برونو لافون “من الواضح وجود اختلاف تام بين القصة التي سمعناها في البداية، تلك التي تقول إن لافارج قامت لأسباب ربحيّة بحتة بتمويل جماعات إرهابية في سوريا بين عامي 2013 و2014، وبين ما نكتشفه اليوم”.
وأضاف المسؤول الذي أدار الشركة المصنّعة للأسمنت حتى عام 2015 “نعلم أن هناك علاقة خاصة بين الدولة الفرنسية واستخباراتها، وشركة لافارج. ومن أسباب اهتمام الدولة بنا أن موقع المصنع كان حقا إستراتيجيا للتحالف المناهض للإرهاب وفرنسا، لذلك أعتقد أن السلطات شجّعتنا على الأقل على مواصلة نشاطنا في سوريا”. ويؤكد “إذا تم اختراق الشركة، فقد كان ذلك بدون علمي. لم أكن أعرف أي شيء عن المدفوعات لجماعات إرهابية وأنشطة الدولة في مصنعنا”.
وتتعرض الشركة للتحقيق في فرنسا بسبب قرار الإبقاء على المصنع مفتوحا في ذروة توسع تنظيم “الدولة” ما بين 2013- 2014. وتُتهم الشركة بأنها دفعت نحو 13 مليون يورو (11.5 مليون جنيه استرليني) كضرائب ورسوم للتنظيم من أجل الاستمرار في عمليات المصنع الذي كان واقعا في قلب المناطق التي سيطر عليها التنظيم. ولم تجادل الشركة في الأمر ولا المبلغ المدفوع عبر وسطاء، لكنها تؤكد عدم معرفتها بما حدث للمبلغ وكيف استخدم.
ويعتبر قرار المحكمة سابقة، وسيترك انعكاسات واسعة على الشركات التي تعمل في محاور الحرب، إلا أن تصريحات الضابط الأردني تثير أسئلة حول أثر الخدمات الاستخباراتية على قرارات تجارية حساسة تتخذها ظاهريا الشركات الكبرى، والدور غير المعلن للحكومة الفرنسية في الإبقاء على المصنع مفتوحا.