الجزيرة في عيدها العاشر كلام مباح في السياسة وعداء للمثقفين و العندليب كامل الأوصاف!

حجم الخط
0

الجزيرة في عيدها العاشر كلام مباح في السياسة وعداء للمثقفين و العندليب كامل الأوصاف!

أمجد ناصر الجزيرة في عيدها العاشر كلام مباح في السياسة وعداء للمثقفين و العندليب كامل الأوصاف!كُتِبَ عن محطة الجزيرة اكثر مما كتَبَ مالك عن الخمر. هذه الايام ذكري انطلاقتها العاشرة، وهي مناسبة للمزيد من الكلام المجامل والمتحامل والبين بين، وقليل من النقد الجاد الذي يتوقف عند ما فعلته هذه القناة ـ الظاهرة في الحياة العربية العامة.جديدها الذي يحسب لها دائما انها كسرت (تابو) حسن الجوار العربي الكاذب، ودخلت، بفضل تكنولوجيا الاتصالات العابرة للحدود، اسوارا كانت مسيجة بالمنعة السياسية والاقتصادية. اسقطت، بفضل الاثير الذي لم يعد ممكنا السيطرة عليه، سور الصمت الصيني الكبير في جوارها القريب والبعيد، وتجرأت علي فضح المسكوت عنه في دهاليز السياسة العربية، واعطت، بهدي من شعار جريدة السفير القديم، صوتا للذين لم تكن تسمع اصواتهم علي شاشات اصحاب الجلالة والفخامة والسمو المكرسة لاستقبالاتهم ووداعاتهم البروتوكولية المضجرة. صار الخبر هو صاحب الجلالة والفخامة والسمو، له الصدارة، وما عداه يأتي تاليا.يحسب للجزيرة ايضا انها رفعت سقف الكلام في السياسة الذي كان، تقريبا، محرما في المنابر الاعلامية العربية واسعة الانتشار. لم تعد السياسة من صنع الساسة فقط بل من صنع الناس العاديين المحكومين بالقهر، والاحزاب والقوي التي يقبع قادتها في السجون او يلوبون علي ارصفة المنافي. السياسة، بعرف الجزيرة، ليست مهنة الحكومات التي احتكرت الكلام والقوة معا، بل يمكن ان يخوض في غمارها كل صاحب رأي وموقف. هكذا نزلت السياسة، بفضل الجزيرة، من ابراجها العاجية ومحافلها الكهنوتية لتأكل الخبز وتمشي في الاسواق.ولكن ما يحسب علي الجزيرة (ضدها يعني) انها بالغت في رسالتها الشعبية ، فأدارت ظهرها للنخب المفكّرة، الي درجة يحسب معها المرء ان هناك عداء مبيتا بين الجزيرة والتفكير، وبينها وبين الثقافة، باعتبار الاخيرة عمل من لا عمل لهم!يكفي ان تلقي نظرة سريعة علي برامجها، الحوارية خصوصا، لتكتشف هذا العداء المتأصل ضد الثقافة والمثقفين، فليس هناك بين عشرات البرامج الحوارية التي تبث علي الهواء مباشرة، او المعدة مسبقا، برنامج واحد مكرس للثقافة والمثقفين باستثناء برنامج الكتاب الذي يعده ويقدمه الزميل خالد الحروب وسمعنا انه سيتوقف مع الدورة البرامجية الجديدة بحجة انه نخبوي (يا لها من تهمة مشينة!).يحسب لـ الجزيرة ، كما اسلفت، ريادتها الحديث في السياسة، ولكن هذه الريادة تحولت، في بعض البرامج، وتحت اغواء الشعبوية السهل، لغوا وثرثرة وتصايحا وعنترةً وتأتأة وقحة يحسبها ابطالها العجائز شطارة ومهنية، فكثر الكلام وقلت السياسة وكاد ينعدم التفكير.اليس من الغريب، بل من المخجل، ان لا يجد المثقفون العرب، وهم المقموعون في صوتهم وانتاجهم وحركتهم، برنامجا واحدا من برامج الجزيرة يخاطبهم او يعكس همومهم، وعندما يوجد هذا البرنامج تقوم ادارة القناة باعدامه، بدم بارد، علي رؤوس الاشهاد؟هذه نقطة للتأمل نضعها امام ادارة الجزيرة علها تأخذها في الاعتبار وهي تراجع، علي ما نأمل، مسيرة السنين العشر من عمرها الصاخب.العندليب المقدس! حرصت، رغم ضجري من اعمال الدراما التلفزيونية العربية، المصرية خصوصا، بسبب ميلها المفرط الي التطويل ومجانبتها لاشكاليات الحياة اليومية للمواطن العربي، علي متابعة حلقات مسلسل (العندليب) الذي يفترض ان يتناول حياة واحد من اكثر شخصيات الحياة العربية العامة غني في بنيتها وتأثيرا في محيطها، لكن النتيجة كانت جناية علنية مسطحة ومثيرة للشفقة علي عبد الحليم حافظ وكل من يربطه به تاريخ من الفرح والحزن وخفقان القلوب.لي شخصيا، ولأبناء جيلي، سلسلة لا تنتهي من الذكريات مع اغاني عبد الحليم حافظ وافلامه، فهي تشكل جزءا اصيلا من تاريخنا العاطفي، انها مرسال القلوب الخافقة التي لم تكن تجد افضل من تلك الاغاني لتنوب عنها في قول ما لم نكن نحسن قوله او نخشي، لفرط صرامة المواضعات الاجتماعية، من التعبير عنه، وهي سفير كل من خفق قلبه في تلك الآونة التي كانت فيها البيوت تطل علي بعضها البعض وتسيل من شرفاتها ونوافذها المشرعة اشارات الغرام والآهات وارتجاف الاوصال الهشة لمجرد ظهور الطيف الشبحي للحبيبة المجاورة.انها الاغاني الوحيدة، تقريبا، التي كنا نحرص علي سماعها في مقاه بمدن وبلدات يسوطها الحر والغبار في حفلات حية يقيمها حليم او يشارك فيها. كانت ام كلثوم، في تلك الايام، مغنية الجيل السابق علينا، فلم تكن اغنيتها تشبهنا، تماما، ولا تشبه حياتنا لا من حيث اللغة او المشاعر. حليم النحيل، الهش، الفقير، وحده القادر (نجاة الصغيرة من المغنيات) علي ان تتماهي اغنيته وهشاشته الشخصية وقلة حيلته (في الأفلام خصوصا) مع احوالنا العاطفية وشخصياتنا كمراهقين يقلبهم حب مستحيل علي جماره الملتهبة.عبد الحليم العاطفي هذا، وعبد الحليم الوطني مع صلاح جاهين في عشرات الاغاني التي عبرت عن تحولات مصر وتطلعات العالم العربي، كانا شبحين باهتين في المسلسل التلفزيوني المصري الذي عرض علي فضائية MBC طوال شهر رمضان.اولا: لم يكن الشاب الذي اختير لتجسيد حياة فنان مليئة بالدراما من يتمٍ ورفضٍ واصرارٍ ونجاحٍ ومرضَ وتماهٍ مع التغيرات العميقة لحياة بلاده، مقنعا ابدا، فلم يفعل سوي تقليد حركة او حركتين من الحركات المميزة لحليم فراح يعتمد، طوال المسلسل، علي علامة فارقة خارجية من دون اي استبطان للشخصية والغوص في عالمها الداخلي المحتدم.ثانيا: كان هناك حرص لا معني له، دراميا او انسانيا، لتقديم صورة انسان كامل الأوصاف لحليم، انسان خال من الشوائب والعيوب والثغرات التي هي اساس اي شخصية انسانية فما بالك بشخص يعرف الجميع انه خاض صراعا ضاريا علي فنه ومكانته مع نفسه اولا ومع الاخرين خلال رحلته المكتظة بالاحداث والتناقضات والالام. انها الصورة التي يريد ورثته، علي ما يبدو، تقديمها للناس انطلاقا من فكرة ساذجة تري ان الثغرات والعيوب تسيء الي ذكراه وتنال من مكانته.ثالثا: تجنب علاقاته السلبية او الاشكالية مع كثير ممن عاشوا معه في الوسط الفني سواء كانوا مغنين او ملحنين او شعراء بحيث بدا حبيب الجميع فإن كانت هناك سلبية او اشكالية فهي من الاخرين وليست منه.رابعا: كل النقاط السابقة انطبقت، في شكل او اخر، علي الأحياء من زملاء عبد الحليم واصدقائه، فكأن شخصية الابنودي، مثلا، كتبها الابنودي نفسه في افضل تصور لنفسه، ونحن نعرف من كتابات مصرية أرّخت لتلك الفترة ان الابنودي (وغيره) لم يكونوا (ورديين) كما صورهم المسلسل.واخيرا، نبهني الزميل انور القاسم الي الغياب التام لاشخاص كان لهم دورهم في اغنية تلك الايام وموقف حليم المعادي، إن لم اقل الشوفيني، من بعضهم مثل فريد الاطرش. وفعلا، لم اتذكر ان اسم هذا المغني السوري الاصل المصري الهوي والغناء، قد ذُكر مرة واحدة في المسلسل، بينما يعرف الذين عاصروا تلك الفترة ان حليم لم يكن ودودا مع الاطرش، وقد وثّق الزميل عادل مالك عندما كان كبير مذيعي التلفزيون اللبناني واحدة من المصالحات الشهيرة بين حليم والاطرش.الخلاصة ان عملا كان يحمل مواصفات النجاح المضمون (لكونه عن عبد الحليم) فشل في مسعاه، لاعتماده علي الجانب الخارجي والوقائعي لحياة حليم (وهذا ايضا ليس مؤكدا في دقته) وركونه الي المجاملات والقفز عن مناطق الظلال في حياة ومسيرة مغن هي بحد ذاتها دراما بألوان الطيف السبعة.اما عن تقاطع شخصية عبد الحليم مع السياسة التي اصر عليها المسلسل وصورة شخوص المرحلة فحدّث ولا حرج.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية