الدوحة -“القدس العربي”- إسماعيل طلاي:
أشارت ورقة “تقدير موقف” للجزيرة للدراسات إلى أنه ليس ثمة مؤشرات على حدوث تحول مثير في الموقف الأمريكي إزاء الأزمة الخليجية عقب إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون. في وقت يرى المركز أن الرئيس دونالد ترمب يعوِّل على الوزير الجديد مايكل بومبيو بعد توليه ملف الخارجية في إدارة مرحلة التحلُّل من الاتفاق النووي مع طهران، والترويج لما أصبح يُعرف بـ”صفقة القرن”، واستمالة الأطراف الفلسطينية والعربية المناوئة لقبولها بديلًا لخطة المفاوضات وحل الدولتين. كما يراهن ترمب على أن يكون بومبيو ساعده الأيمن في مواجهة الوفد الكوري الشمالي خلال القمة وضمان ترجيح كفة المطالب الأمريكية على نظيراتها الكورية الشمالية.
تيلرسون..الـ 21 في قائمة الإقالات والاستقالات
استهل مركز الجزيرة للدراسات ورقة تقدير الموقف بالإشارة إلى أن وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، أصبح الاسم الحادي والعشرين على قائمة كبار المسؤولين الذين تمت إقالتهم أو قرروا الاستقالة من العمل في حكومة دونالد ترامب بعد أقل من أربعة عشر شهرًا من تشكيلها عقب تزكية مجلس الشيوخ. وأثار القرار المفاجئ للرئيس ترامب بالاستغناء عن تيلرسون عدة تفسيرات وتأويلات تركز على عدم وجود تناغم سياسي ونفسي بين الرجلين، وكيف عانت السياسة الخارجية الأمريكية خلال تلك الفترة مما يمكن تسميته معضلة “الدبلوماسية التي تعمل برأسين”، وتباعد المسافة بين ما كان الرئيس ترامب ينحو إليه في البيت الأبيض وما تمسك به تيلرسون في وزارة الخارجية، فضلًا عن حالة الارتباك وأحيانًا القلق التي عايشتها شتى عواصم العالم حول حقيقة المواقف والقرارات النهائية لدى واشنطن.
التمسك بتسوية الأزمة الخليجية
ويشير “تقدير الموقف” للجزيرة للدراسات بخصوص الأزمة الخليجية، إلى أنه ليس ثمة مؤشرات على حدوث تحول مثير في الموقف الأمريكي منها لسببين رئيسيين: أولهما: يحرص ترامب على تجاوز الأزمة وضرورة حلها بين قطر ودول الرباعي (الإمارات والسعودية والبحرين ومصر) قبل عقد القمة الخليجية الأمريكية في كامب ديفيد، لاسيما أن رؤية تيلرسون منذ بدء الأزمة في يونيو/حزيران 2017، بضرورة الحفاظ على علاقات أمريكية متوازنة وغير منحازة إزاء عواصم الخليج مع ضرورة التمسك بالوساطة الكويتية، أصبحت هي لُبَّ الموقف الرسمي لدى ترامب. ثانيًا: ثمة مصلحة استراتيجية لدى واشنطن في مرحلة ما بعد تيلرسون في التركيز على الملف الإيراني سواء في شقه التعاقدي ضمن الاتفاق النووي، أو العسكري لثني طهران عن تطوير برنامجها النووي كمحصلة نهائية يلتف حولها كل من ترامب وبومبيو ونتنياهو العائد حديثًا من واشنطن بعد تصعيد الخطاب التحذيري من طموحات إيران خلال مؤتمر إيباك الماضي في واشنطن.
ملف إيران
في الشأن الإيراني، يرى “تقدير الموقف” أن الرئيس ترمب يعوِّل على بومبيو بعد توليه ملف الخارجية في إدارة مرحلة التحلُّل من الاتفاق النووي مع طهران في مايو/أيار 2018 بالنظر إلى علاقاته الجيدة مع أغلب الأعضاء الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس بعد أن شغل منصب النائب عن ولاية كنساس بين عامي 2011 و2017. ويُعد بومبيو من صقور الحزب الجمهوري، وأنه رجل الحسم في مجال الأمن القومي وتعزيز القدرات الاستخباراتية والدفاعية والهجومية للجيش الأمريكي. وهو أيضًا منفتح على التعاون مع وكالات الاستخبارات الأوروبية.
صفقة القرن
ويشير الجزيرة للدراسات في ورقته إلى أن ترمب يعتقد أن بومبيو أقرب إلى ميوله اليمينية وتأييد إسرائيل أكثر فأكثر، وأن لديه فرصة جيدة كوزير خارجية جديد في الترويج لما أصبح يُعرف بـ”صفقة القرن”، واستمالة الأطراف الفلسطينية والعربية المناوئة لقبولها بديلًا لخطة المفاوضات وحل الدولتين. ويعد بومبيو أحد السياسيين الذين جاؤوا إلى مركز صنع القرار في واشنطن بفضل تلويحه بشعارات حركة الشاي اليمينية التي تتقاطع مصالحها مع مصالح الجماعات الأنجليكانية المسيحية التي كانت قوة الدفع الرئيسية في بلورة قرار ترامب بشأن القدس بإيعاز من نائبه مايك بنس وقادة اللوبي اليهودي وفي مقدمتهم شلدون أدلسون، الملياردير اليهودي الأمريكي والمتبرع للحزب الجمهوري.
مشروع المفاوضات مع كوريا الشمالية
عن تداعيات إقالة تيلرسون على مستقبل المفاوضات الأمريكية مع كوريا الشمالية، يلفت “تقدير الموقف” إلى أنه خلال استقبال الوسيط الكوري الجنوبي في البيت الأبيض في الثامن من مارس/آذار 2018، قرر الرئيس ترامب قبول اللقاء مع الزعيم الكوري الشمالي في أواخر مايو/أيار 2018 دون التشاور مع تيلرسون. وتبعًا لحرصه على أن يظل “رجل الصفقات” وأن يكون الفائز في كل مفاوضات، يفترض ترامب أن بومبيو سيكون ساعده الأيمن في مواجهة الوفد الكوري الشمالي خلال القمة وضمان ترجيح كفة المطالب الأمريكية على نظيراتها الكورية الشمالية من أجل ضمان تخلي بيونغ يانغ عن تصنيع رؤوسها البالستية وتطوير قدراتها النووية. يبدو أن ترامب وبومبيو يسعيان لإحراز نصر دبلوماسي على حساب الرئيس كيم أون واستثمار ذلك النصر انتخابيًّا بموازاة انتخابات الكونغرس هذا العام.
إدارة قضية التدخل الروسي
وعن الشأن الروسي، يذكرنا “تقدير الموقف” يومين من ترشيحه وزيرًا للخارجية، أكد بومبيو في مقابلة مع فوكس نيوز أن الروس حاولوا التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ودحض ادعاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأن الشخصيات الروسية الثلاث عشرة الذين وجَّه المحقق الخاص روبرت مولر إليها الاتهام “لا يمثلون الحكومة الروسية”. وسيعول ترامب على بومبيو أكثر فأكثر في إدارة هذا الملف بموازاة ما تتجه إليه تحقيقات مولر في عام انتخابات الكونغرس المقررة بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2018.
تشكِّل هذه الملفات وتقاطعها مع مسعى ترامب لكسب رأسمال سياسي، قبل انتخابات الكونغرس هذا العام وانتخابات الرئاسة بعد واحد وثلاثين شهرًا، الأولويات التي ستستقطب اهتمام كل من ترامب في البيت الأبيض وبومبيو في وزارة الخارجية ضمن مساعي التحرك إلى الأمام بحكومة متجانسة ومتناغمة مع فلسفة “استعادة عظمة أميركا”.
مستقبل الاتفاقيات التجارية مع التكتلات الدولية
سيشر “تقدير الموقف” إلى أن الرئيس الأمريكي يسعى بقرار إقالة تيلرسون إما للتحلل أو إعادة صياغة عضوية الولايات المتحدة في عدة اتفاقيات اقتصادية ومنظمات تجارية دولية. فبعد الخروج من اتفاقية الشراكة مع دول المحيط الهادئ والتلويح بمغادرة اتفاقية المناخ في باريس، يسعى ترامب لتجنيد وزارة الخارجية بقيادة بومبيو في حملة إعادة التفاوض على مستقبل اتفاقية التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية (النافتا) مع كندا والمكسيك، وأيضًا إحراز تقدم مع أعضاء الكونغرس من أجل تحقيق رغبة ترامب في بناء جدار عازل على الحدود الجنوبية مع المكسيك. فضلًا عن ذلك، لا يختلف ترامب وبومبيو في تغليب النزعة الأميركية (Americanism) حتى عندما تنفتح الولايات المتحدة على النزعة العالمية (Globalism). وكما قال ترامب خلال المؤتمر الاقتصادي العالمي في دافوس في السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2018: “أميركا أولًا ليس معناه أمريكا وحدها” و”أن الولايات المتحدة لن تغمض العين بعد اليوم عن الممارسات الاقتصادية غير العادلة”.