بمُجرد أن نتلفظ باسم مجلة «بلاي بوي» قد يخطر في بال البعض أننا بصدد مقاربة موضوع في الإباحية، أو ما جاورها، فقد احترفنا، منذ زمن طويل، اختصار الأشياء المعقدة في نظرات قاصرة، احترفنا التلويح بأحكام مُسبقة وأن نسلح أنفسنا بتعريفات جاهزة ومعلبة لكل القضايا، كي لا نشغل بالنا بتحليل متأنٍ لها، أن نلصق التهم بكل ما يختلف عنا كي لا نجهد أنفسنا في النقاش والجدال، وفي الرد بالحجة والدليل، نتجاهل عمداً أو عن غير قصد أن هذه المجلة لها أكثر من وجه، كان لها الفضل في انتشار بعض الأسماء الأدبية، التي لا نزال نعرفها ونعود إليها باستمرار.
فقد كان من بين الجيل الأول من كتابها نورمان ميلر، صاحب الرواية المهمة «أنشودة الجلاد»، نشر في المجلة واحدة من أهم قصصه: «مُحاكمة الساحر». كما ضمت المجلة إلى قائمة كتابها نصوص راي برادبري، الذي تعرفنا إليها خصوصاً مع «فهرنهايت 451»، غابرييل غارسيا ماركيز أيضاً استعان بتلك المجلة قصد نشر واحدة من قصصه بداية السبعينيات من القرن الماضي، فعل مثله فلاديمير نابوكوف، أما الكندية مارغريت آتوود فقد قضت زمناً لا بأس به في النشر المنتظم في صفحاتها، وتطول القائمة بأسماء الكتاب العالميين الذين فضلوا ملاقاة قرائهم عبر تلك المطبوعة، لعل آخرهم هاروكي موراكامي، بل إن جيمي كارتر ذاته صنع شعبية له عام 1976، أن فضل محاورة المجلة عن غيرها من المجلات الأخرى، قبل أن يكسب الانتخابات الرئاسية في العام الموالي، بالتالي من أراد أن ينظر إليها كمجلة إباحية فهو يتكل على عينيه لا أكثر، يستعين بحاسة واحدة ويلغي حواسه الأخرى، ومن يُعنى بالمحتوى المكتوب وبالقراءة المتريثة، سيجد أنه يصعب تصنيفها، فهي تحتوي مادة مكثفة بين ما هو ثقافي وما هو سياسي.
أسوق هذا الكلام كمدخل من أجل فهم تلك «الفتاوى»، التي باتت تشيد سداً الغرض منه فرض «حجر» على الرواية في الجزائر، بإشاعة أنها مادة إباحية في غالبها. فقد تمكن تيار محافظ من الاتساع في العقول، حقن في الذهنيات أحكاماً مسبقة، أن أي كاتب (رواية أو قصة) ليس سوى شخص ماجن، يهمه الخوض في تصوير (أجساد عارية) والمساس بما يظنون أنها أخلاق حميدة، أو محرم من الدين. بات من العسير أن نوسع مجال النقاش حول الفوارق بين الإيروتيكي والإباحي، فقد طفت فكرة واحدة، سحقت كل الأفكار الأخرى، مفادها أن أي نص يمعن في وصف جسد عارٍ فهو ـ بالضرورة ـ «إباحي»، كما عطلنا جانب النقد، وصار الكاتب ذاته يتحمل الانطباعات التي تلحق بنصه، ويوصم هو أيضأً بواحدة من مفردات معجم «المحافظين الجدد»: مُنحل، بذيء، خادش للحياء، خليع وغيرها من الأوصاف الأخرى.
يكاد «الجسد العاري»، في الأدب الجزائري في السنوات الأخيرة، يحضر فقط في كتابات الرجال، مع استثناءات قليلة مع ما تنشره كاتبات، لأنهن سيتحملن مرغمات نقداً، يصل في بعض الأحيان إلى مصاف السب والتجريح.
يميل الأدب الجزائري، في عمومه، من شعر إلى نثر، إلى أنسنة الجسد، إلى تحريره، من ضيق خصائصه المورفولوجية إلى غابة الفلسفة، إنه أدب ينزع إلى رفع الجسد إلى مرتبة أعلى، مرتبة الروح، يجعل من كل واحدة من حواس الجسد لغة مُستقلة في حد ذاتها، إنه يُحاول من خلال المتخيل أن يعيد الجسد إلى جمالياته الأساسية، أن يرد له السلطة التي سُرقت منه، أن يسحبه من دائرة «المُدنس» ويحتفي به في حالاته المختلفة، الواعية منها وغير الواعية. إن الجسد في تمظهراته في النص الأدبي يبلغ درجة من الروحانية، لا تحد وظائفه في نشوة أو عنف أو تكاثر، بل تمتد إلى وظائف حسية، حيث يمكننا أن نشيد تصوراً للعالم الذي يُحيط بنا من خلال اكتشاف الجسد، بفهمه وتخليصه من مجرد كونه كتلة خالصة متاحة لعلماء التشريح لا غير.
يكاد «الجسد العاري»، في الأدب الجزائري في السنوات الأخيرة، يحضر فقط في كتابات الرجال، مع استثناءات قليلة مع ما تنشره كاتبات، لأنهن سيتحملن مرغمات نقداً، يصل في بعض الأحيان إلى مصاف السب والتجريح، ومع أنه جسد متخيل، من شخصيات ورقية متخيلة، فإن المحافظين دعاة الأخلاق الحميدة يصرون على أنه جسد من لحم ودم، يصرون على عدم التفريق بين الواقعي والمتخيل، وقناعتهم أن كل رواية لا بد أن لها مقابلاً في الحقيقة. رغم أن «الجسد العاري» كان دائماً حاضراً، لاسيما في الفن التشكيلي وفي السينما، فإن تصويره كتابة، والزج به في النص، يثير حساسيات أوسع، يدحرج الكاتب مراراً إلى خانة الدفاع عن النفس، يتخلى عن وظيفته في الامتاع والمؤانسة إلى المحاجة في تبرير ما كتب.
تلك العودة المتكرر إلى «الجسد العاري»، في الأدب الجزائري، كان يُمكن أن تُقرأ من منظور آخر، أن يُلتمس لها تحليل نفساني في فهمها، أن نجعل من الجسد المكتوب مادة في تحليل الحالات النفسية للكتاب، كان بالإمكان أن تُفيد القارئ والناقد في آن لفهم المكبوت في الثقافة الجزائرية، بدل الدعوة إلى شيطنة الكتاب. إن ما يدونه مؤلف جزائري ليس سوى الجزء المرئي ـ غالباً ـ من جبل الجليد من المسكوت عنه ومن الممنوعات، التي يتمنع عن الإفصاح عنها، فقد صارت الرقابة الذاتية أكثر وطــــأة على عقــــله من الرقابة في حد ذاتها، فمــــــا نُصادفه من تنويعات في توصيف وفي الزج بالجسد العاري ليس سوى تعبير مضمر، عما يعانيه الكتاب من ضغط نفسي، ومن خطوط حمر تمنع عنهم أن يعيشوا حياتهم كما تمنحهم إياها مواثيق العيش الكريم، فالكاتب في الجزائر عموماً، يدرك أن الممنوع أكثر سعة من المسموح به، وأن اللجوء إلى الجسد العاري ليس ـ في بعض الأحيان ـ سوى نوع من أنواع الاحتجاج على الكبت القهري، الذي يشترك فيه مع مواطنين له، لكن الحاصل أن تلقي الإيروتيكية في الأدب ظلا يدور في مستوى واحد، في وصفه إباحية لا حالة نفسية، نقرأ نصوصاً أدبية في الجزائر بأعيننا لا بعقولنا، ونُسارع إلى تصنيفها في خانة (المحرمات) لا كونها غضباً من القمع الداخلي الذي يمور في نفوس الكتّاب.
٭ كاتب جزائري