رياض الحسيني
ما من أحد ينكر مدي الهوة المفتعلة بين رئاسة الجمهورية العراقية التي اختزلت في الاونة الاخيرة بشخص زعيم القائمة الكردستانية السيد جلال الطالباني وبين رئاسة الوزراء التي يشغلها الدكتور ابراهيم الجعفري والمتنازع عليها بين الغرماء السياسيين جميعا. وما من احد ينكر بعد ان طفت الي السطح خلافات الرجلين حول مطاطية قانون ادارة الدولة وما تلاه من مواد الدستور والتي لم تتطرق الا بشكل موجز فيما يخص تنظيم العلاقة بين المنصبين السياديين، ففهم الطالباني لتلك العلاقة غير فهم الجعفري والشعب في موقف الذي لا حول له ولا قوة؟! الحق يقال ان اساس الخلاف هو رفض الدكتور الجعفري تقديم كركوك علي طبق من ذهب للاكراد كما كانوا يطمحون فعللوا رفضهم للرجل باخفاقه في الفترة السابقة متناسين ان الحكومة لم تكن حكومة اختيار الجعفري وانما حكومة محاصصة حزبية وطائفية، وبالتالي فمن غير المنصف تحميل الدكتور الجعفري كل الاخفاقات. الجميل في الامر ان في كل تلك المعمعة يقف انصار الدكتور الجعفري ومريدوه ـ وهم كثر طبعا ـ مدافعين عن الرجل وسياسته الحكيمة تقابلها محاولات متلاحقة ودؤوبة من الرئيس الطالباني لازاحة الرجل عن طريقه باي ثمن علي حد وصف بعض انصار الجعفري. بينما لا يرد الجعفري علي كل ذلك الا بكلمات تكتنفها الدبلوماسية في محاولة منه لاستمالة الاخر والتخفيف من حدة الهجوم علي شخصه تارة وعلي ادائه تارة اخري. والحق يقال ايضا ان بامكان الجعفري ازاحة الطالباني من طريقه لو اراد ولا يكلفه ذلك الا استمالة ثمانية اعضاء فقط من القوائم الاخري من مجموع اعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 275 عضوا للتصويت له باغلبية الثلثين كرئيس للحكومة وعدم التصويت لغريمه لاعتلاء منصب رئيس الجمهورية وهو ما لا يتسني للسيد الطالباني فعله! وبالرغم من ذلك فلم يلجأ الدكتور الجعفري لهكذا فعل قد يكلف العراق الكثير لاحقا من المشاكل التي هو في غني عنها ووفقا للحسابات الوطنية التي تتحكم بسياسية الائتلاف العراقي الموحد. وبالرغم من نزول قائمة الائتلاف عند المطالب المتكررة للسيد جلال الطالباني حول توسعة صلاحياته علي حساب صلاحيات رئيس الحكومة الا ان ذلك لم يؤد فعله للتأثير عليه واستمالته او ثنيه عن قرار ازاحة الجعفري عن طريقه الامر الذي لم يبق امام اعضاء مجلس النواب وللخروج من عنق الزجاجة الا استبدال احد الرجلين. بيد ان الجعفري قد قدم ضمن اليات ديمقراطية سواء من داخل الائتلاف العراقي الموحد او من خلال صناديق الاقتراع من قبل ولذا فلا يمكن ازاحته عنوة. ووسط تعنت وتشدد من قبل القائمة الكردستانية حول شخص الجعفري برز الي السطح ما كان يخشاه البعض من دق اول مسمار في فرط عقد التحالف الستراتيجي بين قائمة الائتلاف والقائمة الكردستانية فيما هو اعطاء الضوء الاخضر لقائمة التوافق العراقية السنية في تقديم مرشحهم لرئاسة الجمهورية بدلا من السيد جلال الطالباني؟! هنا يمكن القول ان الدكتور الجعفري بطريقة وباخري قد قلب الطاولة علي غريمه وبدا المهاجم مدافعا بين ليلة وضحاها ليبدو السيد الطالباني علي حد وصف المثل العربي الشهير وعلي نفسها جنت براقش.
علل طبعا بعض اعضاء قائمة التوافق السنية خطوة جريئة وواثقة من هذا النوع وفي هذا الظرف العصيب من تشكيل الحكومة بان غالبية الشعب العراقي هم من العرب وبالتالي فان رئاسة الجمهورية من حقهم. اما القائمة الكردستانية فاكتفت بالاستناد الي انهم ثاني اكبر كتلة برلمانية وبالتالي فان المنصب من حقهم مثلما يضمن الدستور حق الائتلاف العراقي الموحد الاحتفاظ برئاسة الوزراء باعتبارهم اكبر كتلة برلمانية! لكن هل يصمد هكذا رأي امام كتلة مرام لو ارادت الاخيرة تقديم مرشحها لرئاسة الجمهورية باعتبارها ثاني اكبر كتلة بعد الائتلاف خصوصا لو علمنا ان عدد اعضائها لا يقل عن 88 وهو ما يفوق عدد اعضاء القائمة الكردستانية والذين لا يتجاوزر عددهم 54 عضوا في احسن الظروف؟! هنا يكون امام القائمة الكردستانية امر من امرين:
الاول: العدول عن المطالبة باقصاء الجعفري من منصب رئاسة الوزراء وهو المرجح طبعا للحفاظ علي منصب رئاسة الجمهورية.
الثاني: المضي بمشروع فك التحالف الستراتيجي مع الائتلاف العراقي الموحد والتفريط بمنصب رئاسة الجمهورية والاستعاضة عنه بمنصب رئاسة البرلمان وهو ما يرفضه الاكراد. فمن وجهة نظر الاكراد ان قبولهم بمنصب رئاسة البرلمان يجعلهم في موقع الضعيف فضلا عن انه منصب تشريفي اكثر منه مشاركة فعلية في صنع القرار السياسي للبلد وهو ما يطمح الاكراد لحيازته في عراق ما بعد الدكتاتورية، وهذا من حقهم طبعا شريطة الاحتكام الي القانون وليس الي الرغبات الشخصية لرؤساء القوائم.
هذا اذا اصرت قائمة التوافق السنية علي مطلبها ولم تكن ترجو من وراء ذلك حصد المزيد من الحقائب الوزارية خصوصا لو علمنا ان ما يقابل المنصب السيادي وزارتين علي الاقل ان لم يكن ثلاث. اما لو اصرت القائمة الكردستانية علي رفض كلا الفرضيتين فلا يكون امامها الا اغلاق حدود المحافظات الثلاث (دهوك ـ اربيل ـ السليمانية) واعلان دولة كردستان من طرفهم فقط من دون الرجوع الي الشرعية الدولية ولا الي الحسابات الاقليمية والدولية وهو امر لا اعتقد ان تلجأ اليه القائمة، فالاكراد يعون جيدا ان العواقب ستكون وخيمة في اتخاذ قرار خطير من هذا النوع. ہ كاتب صحافي وناشط سياسي عراقي مستقلwww.riyad.bravehost.com 8