د. سعيد الشهابيقمة مجلس التعاون الخليجي الـ 33 المزمع عقدها الاسبوع المقبل في المنامة تواجه تحديات عديدة من بينها تصاعد التوتر في البلد المضيف واحتمالات التغيير فيه. فبالاضافة للوضع الراهن في سوريا اصبح من المؤكد ان ما بعد سوريا لن يكون اقل ضغطا على دول المجلس عما هو الوضع عليه الآن. فهناك قلق شديد في واشنطن من عودة تنظيم القاعدة الى النشاط مجددا في السعودية وملابساته وآثارة المستقبلية على الوضع في الجزيرة العربية نفسها. ويدرك المراقبون ان فشل القوات السعودية في اخماد ثورة البحرين له مضامينه العديدة، خصوصا في ضوء الازمة السورية وتبعاتها. وتستعيد الذاكرة الجهود الامريكية في افغانستان في الثمانينات عندما دعمت تكوين ‘القاعدة’ لتكون ذراعا امريكية اخرى مع المجاهدين في مواجهة الاحتلال السوفياتي. وما ان انتهت الحرب حتى توجه ذلك التنظيم لمواجهة الولايات المتحدة في كافة مناطق العالم حتى وصلت الى نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001. وتشير المعلومات الى ان مجموعات من الشباب السعودي تتوجه الى سوريا للمشاركة في العمل العسكري ضد نظام بشار الاسد، وان اعداد القتلى من افراد تلك المجموعات في تصاعد، وهناك لوم من قبل عائلات الضحايا للسلطات تارة والخطباء اخرى بانهم وراء انتقال ابنائهم الى سوريا حيث فقدوا حياتهم، كما هو الحال في لبنان ودول عربية اخرى. ايا كان الامر فالامر المقلق لدى السلطات الامريكية ان انتهاء المواجهات العسكرية في سوريا (ايا كانت نتائجها) ستضطر المجموعات الشبابية المقاتلة للعودة الى بلدهم، ولا تستبعد تكرار السيناريين الافغاني. فقد عاد من كانوا يسمون ‘الافغان العرب’ بعد انتهاء الحرب الافغانية وانسحاب القوات السوفياتية الى بلدانهم، وبدأت مسلسلات عنف على غرار ما جرى في الجزائر في التسعينات حيث قتل ما يقرب من مائتي الف انسان، وما جرى في نيويورك وواشنطن ثم في العراق وبلدان اخرى. هؤلاء المقاتلون الذين يدفعون الى سوريا سيعودون بعد انتهاء الازمة الى الجزيرة العربية، ولا يستبعد ان يستهدفوا النظام بعد ان يكتسبوا خبرات عسكرية ميدانية، ويصبحوا اكثر ثقة بقدرتهم على مواجهة النظام.قمة مجلس التعاون المقبلة تعيد الى الاذهان قمة المنامة التي عقدت في العام 1994 عندما نشبت الانتفاضة الشعبية في ذلك البلد، وتحولت الانظار من اجتماع الزعماء الى ما كان يدور في الشارع البحراني من حراك سياسي واضطراب امني غير مسبوق. يومها كانت الانتفاضة محدودة بمطالب محددة اهمها اعادة العمل بدستور البلاد المجمد منذ العام 1975، واطلاق سراح السجناء السياسيين. وتواصلت تلك الانتفاضة خمس سنوات بدون توقف، ولم تنته الا بعد رحيل الحاكم السابق، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في العام 1999، وصعود نجله، حمد، الحاكم الحالي. وجاء التوقف بعد الاعلان عما سمي وقتها ‘المشروع الاصلاحي’ الذي رعته الولايات المتحدة وتم تجنيد عناصر (بعضها ينتمي للمعارضة) لترويجه كمخرج من الازمة السياسية العاصفة. وحاول بعض اطراف المعارضة الاندماج في ذلك المشروع، لعله يوفر للشعب خيارا آخر، أكثر انسجاما مع تطلعات الشعب، ولكن سرعان ما اتضح خواء ذلك المشروع، فبدأت الاضطرابات مجددا بعد عام واحد من الاعلان عن ‘ميثاق العمل الوطني’ الذي كان يفترض ان يؤدي الى اعادة العمل بدستور البلاد المجمد منذ ربع قرن. كان واضحا ان الحراك الشعبي لن يتوقف طالما تجاهلت العائلة الحاكمة المطالب المشروعة وفي مقدمتها تقنين حياة برلمانية حقيقية تؤدي الى شعور المواطنين بتلبية مطالبهم. وتواصلت الاضطرابات بعد ذلك، في شكل تظاهرات واعتصامات داخل البلاد وخارجها. وأعيد فتح السجون منذ العام 2005. ولعل الاهم من ذلك ان كافة الممارسات القمعية التي كان معمولا بها في الحقبة السابقة قد اعيد تفعيلها، وفي مقدمتها اساءة معاملة السجناء السياسيين. وبرغم مشاركة بعض الجمعيات السياسية واهمها جمعية الوفاق الوطني الاسلامية في الانتخابات بدءا من العام 2006 فقد كانت محصلة تلك المشاركة تقترب من الصفر. فلم يكن ممكنا من خلال آليات الحكم احداث تغييرات دستورية او قانونية توفر للمواطنين حق المشاركة الحقيقية في ادارة بلدهم. كما لم يكن ممكنا احداث تغيير في ظروف الحكم وآلياته بما يمكن ان يطور حقوق الانسان، بحيث يتم تجريم التعذيب ومحاكمة مرتكبيه، او محاسبة الوزراء او استجواب رئيس الوزراء حول سياساته. وشيئا فشيئا ادرك دعاة التغيير من داخل النظام استحالة ذلك لان الانظمة الاستبدادية تحمي نفسها بطبقات عديدة من الترسانات: الدستورية والقانونية والامنية والعسكرية. فلم يستطيع النواب المحسوبون على المعارضة تشريع قانون واحد يساهم في منع انتهاكات حقوق الانسان، ولم يسمح لهم حتى مناقشة القانون 56 الذي فرضه الحاكم في العام 2002 لمنع مقاضاة المتهمين بارتكاب جرائم التعذيب، وهو ما اصبح معروفا بـ ‘قانون حماية المعذبين’.مع اندلاع ثورات الربيع العربي، توفرت لشعب البحرين فرصة الانطلاق على خط التغيير، فاعلن شبابه عزمهم على اطلاق ثورة مختلفة عما سبق من الحراكات الشعبية. واختاروا الرابع عشر من فبراير 2011 لذلك، ليتزامن مع اليوم الذي اعلن فيه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في العام 2002 دستورا جديدا كتبه الخبير الدستوري المصري رمزي الشاعر، بدون مشاركة من ابناء البحرين. وقد رفضت الجمعيات السياسية آنذاك ذلك الدستور واعتبرته انقلابا على الوعود و التعهدات التي قدمها النظام قبل عام من ذلك التاريخ لاقناع المواطنين باقرار ما سمي ‘ميثاق العمل الوطني’. ويمكن القول ان هذه الخطوات في مجملها ساهمت في تعميق الغضب الشعبي بالشكل الذي تفجر في يوم الثورة. فقد شعر المواطنون بانهم خدعوا لاقرار ذلك الميثاق الذي ادركوا لاحقا انه كان اداة لتخويل الحاكم بكتابة دستور جديد يختلف في جوهره وروحه عن الدستور الذي كتب بعد الانسحاب البريطاني من البلاد في العام 1971. ويمكن القول ان هذه التطورات جميعا وجهت الانظار الى قضايا ومفاهيم لا تنفك عما استندت اليه ثورة الشعب، ومنها: ما هو مصدر شرعية اي نظام؟ وما مدى حق المواطنين في تقرير مصيرهم؟ ومن المخول بكتابة الدستور في اي بلد؟ وما دور الاستفتاء الشعبي على الدستور كمصدر للشرعية؟ وهل يمكن فرض دستور على الشعب بدون استفتاء؟ هذه التساؤلات قد تبدو اكاديمية ومتكررة، ولكنها تمثل صلب الاشكالات في السجال حول الدولة الحديثة ومنطلقات الشرعية فيها. وفي اطار ثورات الربيع العربي، فان هذه التساؤلات تمثل الاجابة عليها اهدافا للجماهير الثائرة التي تشعر بسياسات التهميش والالغاء التي تنتهجها انظمة الحكم العربية تجاهها. وفي ظل السباق بين الحرية والاستبداد، ما يزال موقع الجماهير سواء في عملية التغير الديمقراطي ام اقامة الدولة وبناء مؤسساتها ام توفير الشرعية، غير محسوم. فاذا كانت الانظمة الاستبدادية ترفض الاعتراف بدور الجمهور في ذلك، فان الدول الغربية التي دخلت على خط التغيير، تسعى هي الاخرى لتجاوز الجماهير في المشروع التغييري. ولذلك تصر هذه القوى على التصدي للثورات اذا لم يقبل روادها بالتبعية للغرب او التحرك ضمن الاطر العامة للسياسات والمصالح الغربية. فالمعروف ان التغيير الذي كانت الشعوب العربية تنشده منذ عقود يصطدم بالموقف الغربي الداعم للاستبداد والديكتاتورية في المنطقة العربية. والمعروف ايضا ان هذا الغرب دخل فجأة على خط التغيير بعد ان لاحت في الافق المنظور ملامح مستقبل لا يلعب فيه هذا الغرب دورا مرموقا فيه. هذا التدخل ادى الى حرمان الثورات الشعبية من شرف النصر المباشر الذي تحققه دماء الشهداء، وحصر التغيير بالارادة الغربية والتدخلات الامنية والعسكرية في مشاريع التغيير المنشودة.ثورة البحرين كانت واضحة الاهداف منذ انطلاقتها. كما كانت تدرك دور المعوقات الغربية التي تعترض طريق التغيير. وثمة سباقات على الزمن بين الثورة واعدائها في مجالات ثلاثة: اولها يتمثل بصراع الارادات، فمن تنكسر ارادته اولا يخسر المعركة ويستسلم للآخر. وهذا ما يسعى الخبراء البريطانيون الذين بعثتهم السلطات البريطانية لدعم النظام لتحقيقه، ومن بينهم السير دانيال بيت لحم والسيد جيفري جاول. ويأمل هؤلاء ان استخدام سياسة ‘تجفيف الينابيع’ باعتقال النشطاء القادرين على تحريك الساحة، سيؤدي الى الموت التدريجي للثورة. ثانيها: ان عامل الزمن سيضغط على الجمعيات السياسية للتنازل عن مطلبها الاساسي المتمثل باقامة مملكة دستورية، اي سحب السلطات من العائلة الحاكمة وتمكين الشعب من ادارة شؤونه بكتابة دستوره وانتخاب ممثليه وحكومته. ثالثها: ان سياسة الاستنزاف ستؤدي الى تململ شعبي يضغط على الثوار ويدفعهم للابتعاد التدريجي عن الساحات ووقف الاحتجاجات التي لم تتوقف يوما واحدا منذ انطلاقها قبل 22 شهرا. هذه الرهانات تمثل جانبا من سياسة البريطانيين الذين اصبحوا هم الذين يديرون الملف البحراني بشكل مباشر. وقد ظهرهذا الاختلاف بين لندن وواشنطن مؤخرا الى السطح. فبينما يرفض المسؤولون البريطانيون الضغط على العائلة الحاكمة في البحرين لانتهاج سياسات جديدة او تنفيذ التوصيات التي اصدرتها العام الماضي لجنة تقصي الحقائق التي برئاسة السيد شريف بسيوني، وتوصيات مجلس حقوق الانسان التي صدرت في شهر سبتمبر الماضي وغيرها، يطلق الامريكيون تصريحات اخرى. ففي الاسبوع الماضي دعا مايكل بوسنر، نائب وزيرة الخارجية الامريكية حكومة البحرين لاطلاق سراح الزعماء السياسيين والنشطاء باعتبارهم سجناء رأي، ومحاكمة المسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم التعذيب والقتل خارج القانون. وكان ولي العهد البحريني قد احدث ارباكا دبلوماسيا عندما وجه شكره الخاص للحكومة البريطانية وتجاهل الحكومة الامريكية. وتجدر الاشارة الى ان الحاكم سعى خلال العامين الماضيين لزيارة واشنطن ولكن الامريكيين رفضوا ذلك حتى الآن ولم يقابلوا مسؤولين كبارا من الحكومة البحرينية. وبعثت وزارة الخارجية مسؤولا عاديا لحضور الاستقبال السنوي الذي اقامته سفارة البحرين في واشنطن الاسبوع الماضي.قد يبدو للكثيرين ان ثورة شعب البحرين قد هدأت او ربما انتهت، خصوصا لغياب الاهتمام الاعلامي بما يجري في هذا البلد الخليجي الصغير. ولكن الواقع يؤكد ان الثورة متواصلة، وانها اطول ثورة سلمية من بين ثورات الربيع العربي، برغم الجهود السعودية البريطانية المتواصلة لمنع حدوث التغيير الديمقراطي المنشود. ولا شك ان اصرار الثوار على الاستقلال عن اي طرف اجنبي ساهم في هذه العزلة. وبرغم الغمز واللمز حول دعم ايراني مزعوم للثوار، فان احدا حتى الآن لم يقدم دليلا ملموسا على ذلك. بل ان العائلة الحاكمة بعثت سفيرها، من طرف واحد، الى طهران قبل بضعة شهور واعادت تسيير رحلات شركة طيران الخليج الى كل من ايران والعراق، بينما رفضت طهران اعادة سفيرها او تسيير طيرانها الى المنامة. وكما تمت الاشارة اليه، فان الغربيين تدخلوا في البلدان الاخرى لتوجيه عملية التغيير، للاحتفاظ بالوصاية على نتائج ذلك التغيير. يضاف الى ذلك ان الغربيين يعاملون دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مختلف ويسعون لعدم ازعاج السعودية بشكل خاص بسبب قوتها الاقتصادية وتوفرها على طاقة نفطية عملاقة. ايا كان الامر، فان استمرار الحراك السياسي في البحرين قد تمدد ليصل الى مناطق عديدة في السعودية. فهناك احتجاجات ليس في المنطقة الشرقية فحسب، بل في القصيم والرياض والجوف وجدة، تشارك فيها عائلات السجناء السياسيين الذين تقدر اعدادهم باكثر من عشرة آلاف، مضى على بعضهم اكثر من عشرة اعوام بدون محاكمة.ما المخرج من الازمة السياسية التي تعصف بالبحرين؟ كان واضحا في الايام الاخيرة عندما احتفلت العائلة الحاكمة بالعيد الوطني، بينما احتفى المواطنون بما يسمونه ‘عيد الشهداء’ ان الصراع بين الطرفين محتدم ومتواصل. والحديث عن حوار بينهما يتكرر ولكن حظوظه من النجاح محدودة جدا. فالعائلة الحاكمة تعتقد ان اي تنازل حقيقي سيؤدي الى تلاشي سلطتها خصوصا اذا بلغ ذلك التنازل مستوى السماح بالاحتجاجات واحترام الحريات العامة كحرية التعبير. وبالتالي فهي تفضل الرهان على عامل الزمن لاحتواء الازمة، يشجعها في ذلك بالدعم البريطاني غير المشروط. منظرو الحراك السياسي البحراني يقولون ان ثورات الربيع اما ان تنجح جميعا او تخفق جميعا، وان التدخلات الخارجية في البحرين لا تختلف في طبيعتها عن تدخلات القوى الاجنبية في شؤون الدول التي حققت شيئا من التغيير. فالمطلوب ابقاء المنطقة العربية في حالة تبعية دائمة للغربيين، وتغييب دور الجماهير من المعادلات السياسية بهدف الحفاظ على التوازن القلق بين الغرب والشعوب العربية والاسلامية. ان من غير المنطقي استمرار هذا الصمت المحيط بثورة شعب البحرين، وهو صمت يبعث على السأم والضجر من بلوغ النظام السياسي العالمي هذا المستوى من العقم واللامبدئية وانعدام الانسانية في تعامله مع الشعوب الاخرى الباحثة عن حقوقها وضمان مستقبلها. اما النخب العربية والنشطاء الاسلاميون والثوريون فمطالبون كذلك بموقف داعم لثورة شعبية سلمية متواصلة ضد نظام حكم يستمد قوته وشرعيته من الاسطول الامريكي الخامس واستضافة الخبراء الامنيين البريطانيين. فاذا لم يفعلوا ذلك فستظل ادوات الثورة المضادة فاعلة ومؤثرة، وهذا لا يصب في مصلحة الثورات التغييرية والتحول الديمقراطي. وستظل تجربة البحرين مؤشرا لمدى انسانية العالم السياسي المعاصر، وما اذا كانت القيم الشيطانية تمتلك الحاكمية المطلقة على حركات الامم وثورات الشعوب. كما ستكشف مدى وعي الشعوب العربية وما يمثلها من نخب دينية او علمانية بمبادىء التحرر المؤسسة على الحراك الثوري والتغيير المفروض بدماء الشهداء. وما لم تستطع القوى الثورية وطلائع التغيير ورواد الفكر المتحرر من الاستعباد، استيعاب حقيقة الوضع البحراني، فسيتلاشى الوعي وتتمكن قوى الثورة المضادة من استعادة مبادرتها والتفرد بكل ثورة بمفردها. وهذا ما تجيزه دماء الشهداء.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن