دمشق ـ «القدس العربي»: وسط مناشدات من المزارعين السوريين لحكومة تسيير الأعمال التحرك سريعاً لإنقاذهم من الخسائر الفادحة التي تهدد مستقبلهم ومستقبل عملهم، وخصوصاً مع التراجعات الكبيرة لمعدلات هطل الأمطار للموسم الثاني على التوالي، طالب وزير الأوقاف حسام حاج حسين أمس الأربعاء، بإقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة المقبل للمرة الثانية خلال أقل من شهر واحد.
وقالت في بيان «نظراً لتأخر نزول المطر في العديد من المحافظات السورية، واقتداء بفعل النبي (ص) وصحابته الكرام، يطلب إليكم إقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة المقبل، ولابد من التنبيه على التوبة والاستغفار، ورد المظالم والحقوق، وصيام ثلاثة أيام، والإكثار من الدعاء والتقرب إلى الله تعالى».
وبعد إقامة صلاة الاستسقاء، الشهر الماضي، تساقط المطر على معظم المحافظات السورية، ولكن بكميات محدودة وبعد انقطاع شبه كامل طوال الموسم الحالي.
وقال رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية في سوريا شادي جاويش لـ«القدس العربي» كان متوقعاً أن يكون الموسم الحالي من خلال تنبؤاتنا الفصلية، دون المعدل العام (وسطي 30 سنة الماضية) منذ بدايته وخلال فصل الخريف على الأقل، ولكن اتضح لاحقاً أن نصف فصل الشتاء سيبقى أيضا دون المعدل العام.
وتابع: «أن أقل معدلات لهطول المطر كانت في المنطقة الشرقية والجزيرة، وهي مازالت حتى الآن دون الـ10 ٪ من المعدل، وفي المنطقة الجنوبية والوسطى والشمالية بلغت كميات الهطل المطري نحو 20 ٪ من المعدل، وفي المنطقة الساحلية الغربية وصلت كمية الهطل إلى 45 ٪ من المعدل العام، وكل المعدلات في المناطق الثلاث السابقة ضعيفة لأنه كان يفترض بها أن تكون قد تجاوز في كانون الثاني/ يناير الجاري نصف المعدل العام».
وقال إن «الموسم المطري يبدأ عادة من أيلول/ سبتمبر ويمتد حتى نيسان/ ابريل، وفي حمص، على سبيل المثال، بلغت الأمطار الهاطلة حتى تاريخه 37 مم من أصل 423 مم للمعدل العام، وفي حماه 93 مم أصل 337 مم».
وختم جاويش تصريحه بتوقع «قدوم منخفض جوي ماطر خلال الأيام المقبلة لكن لا يمكن التعويل عليه ليعوض الفروقات الكثيرة السابقة».
فيما قال مدير العلاقات العامة في وزارة الزراعة، دياب أبو طلال لـ«القدس العربي» إن عملية زراعة القمح في الأراضي البعلية في سوريا متوقفة بسبب توقف هطول الأمطار، وبالتالي لم يتم احصاء المساحات المزروعة بالقمح».
تراجع معدلات الأمطار بنسب خطيرة… وتوقعات إنتاج القمح غير مبشرة
وشدد على أن «لتوقف الأمطار دورا كبيرا في تنفيذ الخطة الزراعية، وبالتالي سينعكس ذلك على الانتاج المتوقع».
وبين أن الحكومة «تسعى لتشجيع الزراعة من خلال القروض العينية التي منحتها في مناطق إدلب وريفي حماة وحلب، كما نسقت مع المصرف الزراعي لتقديم مستلزمات زراعة القمح بالبيع الآجل دون فوائد» موضحاً أن «الحكومة السورية ستضع أسعاراً تشجيعية للقمح لزيادة المساحات كون ذلك المحصول يرتبط بالأمن الغذائي».
وبداية الشهر الجاري أعلن وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة تسيير الأعمال ماهر خليل الحسن، إن «إنتاج سوريا من القمح خلال موسم عام 2024 لم يتجاوز 700 ألف طن، لكنه توقع أن تصل البلاد إلى الاكتفاء الذاتي من إنتاج القمح بحلول موسم 2026» أي ما يعادل مليوني طن. وأضاف أن «الحكومة السورية ستطرح مناقصة لشراء القمح في غضون ستة إلى سبعة أشهر من الآن، مشيراً إلى أن احتياطي القمح الحالي في سوريا يكفي لتلبية احتياجات البلاد لمدة خمسة أشهر».
وبعد أن كانت سوريا من الدول المصدرة للقمح وتجاوز انتاجها أربعة ملايين طن في عام 2011، والاحتياط الاستراتيجي فيها كان يكفي لعامين، شهد إنتاج القمح تراجعا كبيراً مع سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» على المحافظات الثلاث الرئيسية المنتجة للقمح وهي دير الزور والرقة والحسكة، وكانت الأخيرة وحدها، تنتج نحو 1.5 مليون طن سنوياً، أي أكثر مما انتجته سوريا كلها عامي 2023 و2024 معاً.
وفي دردشة مع موفق أبو سليمان، وهو أحد المزارعين في قرية مرج السلطان في الغوطة الشرقية في ريف العاصمة، كشف أن أسعار محصوله الآن منخفضة جدا مقارنة بالأسعار التي تكلف بها خلال بداية زراعته لها، حيث يقدر سعر الجملة للكيلو الواحد من الملفوف أو الزهرة في سوق الهال في دمشق بين ألف و1500 ليرة ويباع في البقاليات بنحو 3 آلاف ليرة، وجملة البطاطا بين 1500 إلى 2500 ليرة، والبندورة نحو 4000 آلاف.
وقال لـ«القدس العربي» إن «الفلاح تكلف مبالغ كبيرة مع بداية موسم المحاصيل الشتوية حين كان وسطي سعر صرف الدولار الواحد على الليرة السورية نحو 15 ألفاً، بينما يضطر حاليا لبيعها في سوق الهال بعد أن تحسنت قيمة الليرة السورية أمام الدولار وبات سعر الصرف بحدود 11 ألف ليرة، على الرغم من أن أجور العمالة في الفلاحة ظلت على حالها، وإن شهدت أسعار المازوت المستخدم في مضخات السقاية بعضاً من الانخفاض».
وقال: «إن تكاليف الزراعة على حالها من حيث أجور العمالة وأسعار البذور المستوردة وآجار الأراضي الزراعية، لكن قيمة منتجاتنا تراجعت وتعرضنا لخسائر كبيرة هذا الموسم، وإذا ما استمرت الأوضاع على حالها فإن الكثير من الفلاحين سيتركون مهنتهم ليبحثوا عن مصادر رزق أخرى، والكثير من الفلاحين توقفوا عن جني محاصيلهم وتأجير حقولهم لرعاة الأغنام لتراجع أسعار التسويق» وتابع: «إن من لديه بعض المقدرة المالية سيتعمّد موسم الزراعة الصيفية المقبل، إلى تخفيض المساحات التي سيزرعها إلى النصف».
وأوضح أن «تراجع معدل هطل الأمطار وانخفاض مستوى المياه الجوفية حتى وصلت في بعض قرى الغوطة إلى نحو 120 متراً، أدى إلى انحسار الأراضي الخضراء في أطرف الغوطة إلى أكثر من النصف مما كانت عليه السنة الماضية».
وبين أن «زراعة القمح تكاد تختفي من الغوطة الشرقية بسبب عدم وجود الجدوى الاقتصادية على خلفية الأسعار التي كانت تحددها الحكومة لشراء الموسم، واستبدل الكثيرون زراعة القمح بزراعة بذور دوار الشمس، ولكن حتى هذه تراجع سعرها بشكل كبير وانخفض بمعدل النصف حالياً مقارنة بالموسم السابق» مشدداً على أن «خسارة أي فلاح في هذا الموسم باتت بالملايين ولا أمل حتى بتعويض هذه الخسارات، وننتظر إجراءات إسعافية من الحكومة».