في أيلول/سبتمبر الماضي، كانت واشنطن تقرع طبول الحرب ضد النظام السوري، وتتحدّث كما هي الحال اليوم، عن تحالف واسع وبنك أهداف تصلى من بحر ومن جو لكن من دون حطّ رحال. ثم عزفت واشنطن ودارَ العام فإذ بها تقرع طبول الحرب ثانية، وعلى أبرز قوّة عسكرية قبالة النظام السوريّ اليوم، أي تنظيم «الدولة الإسلاميّة»، وتتحدّث كما في أيلول الماضي، عن تحالف دوليّ – اقليميّ فضفاض، وعن ضربات خالية من حطّ رحال وتوغّل في الأرض، وهذه المرة لن تعزف. فهي باشرت الضربات الجوّية من أسابيع، بعد أن تقدّم مسلّحو امارة «الدولة» باتجاه اربيل. الأصحّ من ذلك القول أنّها حرب تُستأنف بعد انقطاع سنوات معدودات، وهي كانت قبل ذلك حربٌ مريرة مع نفس الجماعة، لا تغرنّك التسميات، «توحيد وجهاد» أم فرع «قاعدة» أو «دولة». هي هي حرب الأمريكيين مع الجماعة الزرقاوية، وهو منطق الجماعة الزرقاوية في الدمج بين الحرب مع الأمريكيين وبين الصراع المذهبي الدموي مع الآخر المسلم.
لسنوات عديدة، كان للجماعة الزرقاوية، التي راكمت تجربتها من ابي مصعب الزرقاوي الى ابي عمر فأبي بكر البغداديين، كرّ وفرّ مع المعادلة الاحتلالية – الفئوية التي قامت في العراق بعد اسقاط نظام صدام حسين، وكانت لها مناطق سيطرة في الموصل نفسها حتى العام 2008، وفي الأنبار، بل الى تخوم مطار بغداد، وهذا في عزّ الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق.
انكفأت الجماعة بعد ذلك عن المدن الأساسية، ولم تُسحَق. انكفأت بالدرجة الأولى لأن الآهلين من العرب السنّة ضاقوا ذرعاً بها، وانكفأت بالدرجة الثانية لأن جهاز دولة له طابع فئوي نجح نوري المالكي ومن حوله في تركيبه، ولأن الأنظمة المحيطة بالعراق، وتحديداً سوريا والأردن، استجابت في آخر الأمر لبعض المطالب الحكومية العراقية المتعلّقة بزحف المقاتلين الأجانب الى أرض الرافدين.
لكن أسباب الانكفاء هذه كانت تتناقض مع بعضها البعض، وتمهّد لتقويض واتلاف نفسها بنفسها، فتوجد أولاً حيثية ملائمة لتصميم باراك اوباما على الانسحاب من العراق، ثم تمهّد لعودة الجماعة الزرقاوية الى الواجهة، مرة بالاستفادة من «التوازن الكارثي على الطريقة السورية» بين نظام يعجز عن سحق ثورة وبين ثورة تعجز عن اسقاط نظام، بما يؤدي الى تدمير المجتمع السوري واضمحلال الكيانية الوطنية، ومرة ثانية بالاستفادة من «الانسداد في الأفق» بين ديمقراطية برلمانية عراقية مشوّهة بالمركزية المذهبية وبين حراك العشائر الأنبارية.
تعاملت الجماعة الزرقاوية، وقد انتقلت الأمرة فيها الى ابي بكر البغدادي مع الحرب الأهلية السورية كـ»مسابقة حرّة» هي المساوي العنفي لقوانين السوق الحرّة التنافسية، انما بين الميليشيات. تعاملت بهذه الخلفية ايضاً مع الصراع الأهلي العراقي، وقد عاد اليه صخبه على خلفية الصراع بين المالكي والحراك السنّي، ووصف المالكي لهذا الحراك بالجملة على أنه زرقاوي وتكفيري قبل أشهر عديدة من وثبة داعش، التي انصرف بعدها الى وصف اقليم كردستان بالأمر نفسه، ناجحاً في الوقت نفسه في ضخ «الحمية القومية» المتعلقة بكركوك لـ»داعش» التي عقدت العزم على بلوغ «ما بعد سنجار».
شاركت الجماعة الزرقاوية اذاً في المسابقة الحرّة الموحّدة العراقية السوريّة. فهمت منها ما فهمه جميع المشاركين الآخرين، من أن واشنطن كل ما يهمّها هو تحييد أسلحة الدمار الشامل وترك قبائلنا تلهو بما تيسّر لها، بما هو دون ذلك من سلاح، بدءاً من براميل المتفجرات التي ترميها طائرات النظام السوري، والتجهيز الأمريكي للجيش العراقي، والتجهيز الايراني لـ»حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية والدعم التركي والعربي لألوية وفيالق الثورة السورية.
خاضتها الجماعة الزرقاوية، أي «داعش»، كما يخوضها أي مقاول شاطر. الادخار حيث يلزم الادخار، والاستثمار حيث يلزم الاستثمار. الجرأة على المبادرة والمزاحمة، توسيع المزاحمة الى الأجور والأسعار والأرباح. كسبت الشوط. التزمت بقوانين المباراة جميعها: لم تمتلك أسلحة دمار شامل كما فعل صدام حسين وآل الأسد، لم تتعرّض لاسرائيل بخدش أو أذى، لم تستهدف أي حاضرة غربية كما فعل رجال «القاعدة» في واشنطن ونيويورك ومدريد، ولا حتى المدمّرة كول. تلميذ وذاكر ما هو مطلوب من بقية أترابه، ثم أحرز أفضل الدرجات، في مسابقة حرب أهلية محكومة باثنتين فقط، اللامبالاة الدولية والغربية بضحاياها، والتحريم الدولي والغربي للكيماوي فيها. وقد زاد التلميذ، «داعش»، من عنده، عدم استهداف أي مرفق أمريكي أو غربي، وعدم توسيع نطاق العمليات خارج صحن المباراة، «العراق والشام»، هذا رغم تخففه من التسمية.
كانت «داعش» بهذا الش رط الاضافي أقرب الى «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية التي لم تضرب في باريس أو مرسيليا، منها الى «حزب الله» أو «تنظيم القاعدة» البن لادني، في استهدافهما لما هو أبعد من دوائر القتال الترابية.
كحال مقامر مستاء من خسارته في جولة «بوكر» قرّرت واشنطن أن تُفركش «الدق». كحال حكومة اشتراكية التوجّه لا تحترم اقتصاد السوق قرّرت التدخّل لحماية الأسماك الصغيرة من السمكة التي «تتمدّد».
لكن هذا التدخّل، ولا داعي لذرّ الرماد في العيون، هو انقلاب «غدّار» على نتائج المباراة الحرّة من جانب، للعودة الى مباراة سابقة من جانب آخر، باستئناف حرب نشبت قبل عقد واستمرّت لسنوات، مع الجماعة الزرقاوية.
من لم يستطع تدمير الجماعة وهو سيّد الأرض، يراهن على ذلك اليوم. ومن يراهن الآن لم يحترم أخلاقيات المراهن، «أخلاقيات الميسر». أطاح بجولة قمار لم تعجبه، بحجة العودة الى استئناف جولة قمار دامت لسنوات، قبل سنوات، لكنه أيضاً لم يكن فالحاً فيها… على الأقل، لم يكن فالحاً فيها بحسب معايير باراك اوباما التي وصل على أساسها للبيت الأبيض.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة