الجمال الذي يأخذنا إلى الموت بسعادة

حجم الخط
0

ما بين الحياة والفن:فاروق يوسف1 ‘محبس شذر يا هواي حطني باصبعك/ لوما حجايا الناس للموت اتبعك’ أسمع غزلا مهذبا يضرب العظم مثل البرد. حينها يمكنني أن أعبر الساقية من غير أن أقفز. لقد مشيت في الهواء من غير أن أرى ماء. تلقاني العشب. أخضر كان العشب وكانت الكعكة تضحك. دُق الجرس. جرس كنيسة اللاتين أم جرس المدرسة الجعفرية؟ النصارى يصلون. فجأة من غير حقول تختصر اليابسة خضرتها في عيني فتاة مقبلة على الاعتراف. ‘أنا ندمي لا يزال أخضر’ ندمي يسيل على الكأس، بين الفخذين، بعد الخاتم بعظمين. سلالة كلاب، يمكنهم أن يشموا رائحة ثياب اللص، غير أنهم لن يغفروا عثرته وهو يقرأ سورة الاخلاص. يقول: ‘حين رأيتها اكتمل ديني’ أنت أيضا أبله. ليحط البلهاء على الماء مثل فقاعات. بق بق بق والليل ابله. ولانه ابله فهو يخفينا عن أنفسنا. سمر سمر عيني سمر. الدربونة مسدودة والحائط أسمر. يحلق الترجمان. فأما الدربونة فهي الزقاق، واما الحائط الأسمر فهو الجني الذي لا يخرج من قمقمه إلا من أجل أن يرافق الفتيات الصغيرات وهن يذهبن إلى المخبز في الطريق إلى الكنيسة. ‘اشطب يوما من حياتي’ يقول الخباز كلما وقعت عينه على صبية. العراقيون يحبون البطيخ الأحمر. لا تنفع اللغة. ‘رقي’ نعم. هي المفردة التي تشبه النبوءة المنزلقة على سقف بيت الفقمات. الماء فيها أكثر. نبوءة تخفي الماء بين ثيابها. المرأة التي تستحم والقنديل الذي يستخرج زيته من نوره فيما الشموع تقطر ابتسامات ناعسة. أيها البري مثل نمر ضال أعرني جوعك لالتهمها قبل أن تصل إلى باب دارهم. يضحك النمر ويطلب لي شايا. اسود كالباذنجان لكن قلبك أبيض مثل لبه. الجارة تلتفت. يلتفت ملك الموت. ليست الانوثة عادلة وهي تقوض اساس المُلك. ميت أنا لأني كنت الخاتم. حي أنا لأني كنت لمعة أسنانها فيما ابتسامتها تترك اثرا على فمي. ثيابي مبتلة والبخار يسيل من أهدابي. 2هل كان علي أن أعرف من اي باب خرجت تلك الصبية وإلى أي باب تعود؟ كانت المتاهة مشبعة برطوبة النعناع. في الطريق إلى بيتها تجني الصبية من البستان ثمار شتائها الذي لن يتكرر في مكعب ثلج. لقد أبرقت وأرعدت وأمطرت وسقت وهفهفت ونعمت ورعت وأنضجت وكورت وحان وقت القطاف. يخيل إلي أني حين أتذكرها فذلك لا يقع إلا بعد أن أكون واثقا من أني قادر على تخيلها. في سن مبكرة رأيتها من الخلف واقفة أمام نافذة مفتوحة تنظر إلى البحر. نجح سلفادور دالي في استلهام مؤخرتها الطازجة. أوحى لي الرسام الاسباني المجنون أنها ستكون موجودة يوما ما في طريقي. سأعثر عليها بين صفحتي كتاب، في تقاطع زقاقين، بين الدمعة والمنديل، في المصافحة الغامضة بين أعميين. نبوءة لا تزال تكلفني الكثير من الغمز واللمز. يكفي أن أتذكر فتاة دالي لكي تكون فتاتي موجودة. الثوب يشف عن لحم وردي. اللحم يشف عن نهر من النبيذ الاحمر. النهر يغمرني بالتنهدات. هي ذي الصبية تقفز من الزقاق الضيق في عقد النصارى إلى الجنة لتختفي هناك. خالدة فيما الشغف بها يمر مثل رشفة من عصير الرمان أمام الباب الخلفي من الجامع الأموي. الحجر الكريم يلمع في اصبعها فتحل الفوضى. ‘لك العينان لترى، لكن لا تخرج لسانك متعجبا’. خرجت من الباب الامامي للمتحف. امام انظار الزائرين. لم يدق جرس الانذار. كان الحارس ينظر من النافذة. لساعات لن تكون الفتاة موجودة في اللوحة. لن ينقص من توقيع دالي شيء. النافذة التي تطل على البحر لا تزال موجودة. وفي البحر هناك مراكب بعيدة. إن سأله أحد عن الفتاة سيقول له: ‘خرجت في نزهة’ جواب يحلم به الرسام السريالي نفسه. سيضحك دالي وهو يدرك أن خطته قد نجحت. ‘سأعود’ تقول. ‘لن أكون سببا في شقاء الحارس’ ولكنك تشقيني بغيابك. قبل ثلاثين سنة ذهبنا صبيين إلى حدائق لكسمبورغ. عثرنا على مصطبة خشبية فارغة وجلسنا نتأمل بركة الماء. ادرنا ظهرينا إلى باريس. قلت لها: ‘المشهد يليق بعجوزين’ كبرنا فجأة. لن نعيش حتى ذلك النهار. بعد أكثر من عقدين عدت وحدي. جلست على المصطبة نفسها. تغبرتُ. تباطأت عاطفتي. كان الوقت يمر سريعا هذه المرة. كان النهار أقصر أيضا. كنت وحيدا إلى درجة أني شعرت معها أن سطح البركة من نحاس. 3لم يرها دالي إلا من الخلف. صدقت أنها معجزته. ولأني أصدق أن للرسامين معجزات صغيرة فقد اتبعت أثر خطواتها، حتى بعد غيابها. طالعة من عقد النصارى. ذاهبة الى سوق الصدرية. يكون الفن خطرا حين يترك شيئا منه عالقا بنا اينما مضينا. الملاك الحارس الذي ينظم خطواتنا، يرقق أوقاتنا، يحررها من الصدأ، يهذب نظراتها، يملأ الهواء من حولها عطرا. يحصن شعورنا بالكرامة، يقوينا. الثقة بالفن هي نوع من الايمان الديني: هناك مطلق يمكنه أن يهبنا في كل لحظة ضعف سببا للتماهي معه، من خلال مخلوقاته ومن خلال ما تتركه تلك المخلوقات من أثر لا يمكن أن يُمحى. في كل متحف تطأ قدماي أرضه أرى معبدا. ‘عدت بنا إلى البداية إذاً’ لمَ لا؟ الفرق انني لا استعمل الفن وسيلة لفرض أفكار دينية بعينها. الفن في جوهرة هو فعل سحري. فعل يضفي على وقائع نعيشها بطريقة مبتذلة معنى القداسة. كل التفاهات التي نقوم بها ونحن في حالة اليقظة يمكنها بيسر أن تذهب إلى سلال النفايات لولا الفن. غرورنا يمنعنا من الاعتراف بذلك. ليكن. الامر سواء. انكارنا لا يغير من حقيقة الامر شيئا. اتصال هاتفي بصديق. لقاء عاشقين في منعطف شارع. الذهاب الى المقهى لشرب فنجان قهوة. التسوق اليومي أو الاسبوعي. قراءة الصحف أو الانصات إلى الاخبار في التلفزيون. كلها أفعال لا تفصح عن عبقرية في الاداء الإنساني. من الممكن أن يؤديها كل مخلوق عادي إذا ما اعتاد عليها. الفن يصنع من خبر صغير في جريدة رواية عظيمة مثل مدام بوفاري. يجعل من أعمى يشم عطرا بطلا اسطوريا في فيلم (عطر امرأة). في رواية المسخ لكافكا يبدل مريض نظرتنا إلى العالم. ألا يحق لنا أن نتساءل عن هوية الفتيات الخمس اللواتي يظهرن في لوحة بيكاسو (آنسات أفنيون) وقد غيرت تلك اللوحة طريقة النظر إلى الأشياء؟ في الكثير من اغنيات أم كلثوم هناك جملة أو مفردة يمكنها أن تستقر في مناطق عميقة من الروح لتسلبنا القدرة ولو لثوان على التفكير بعقلانية. خذ مثلا: يا ظالمني، برغم شعبيتها الفاجعة، فانها تصنع فاصلة بين خطابين. ما قبلها وما بعدها. أم كلثوم نفسها كانت ذكية في معالجة أماكن التوقف والتأمل والتفكير صوتيا. يدفع الفن إلى التفاؤل بالقوة نفسها التي تدفع فيها الحياة الى التشاؤم. في الفن هناك حلول خرافية تكمن في مكان خفي. حلول في إمكانها أن تقول دائما: ان العالم لا يزال جميلا وأن الحياة ممكنة في كل لحظة عيش. لقد وهبتني فتاة دالي سنوات من العيش الهانىء واللذيذ. سيقال: ‘انك تكذب على نفسك’. على حافة البيانو، في عيني الشاة، بين اصابع حطاب تاخذ الكذبة شكل العينة الالهية. لقد انتهى عالمنا إلى فضيحة وثائق كويكلس: الكل يكذب. ولكنه الكذب النفعي، الرخيص، المجافي للأخلاق. كذب جعل من ممارسة السلطة فعل خيانة مطلقا. في المقابل هناك كذب يعلمنا الأمل من غير أن يخدعنا. هو الكذب الذي يقول لنا أن هنالك كنزا في مكان ما. الجمال الذي يأخذنا إلى الموت بسعادة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية