الجماهيرية.. في ذمة الله

حجم الخط
0

فرحة عارمة اجتاحت ليبيا زنقة زنقة.. بعد خبر مقتل العقيد القذافي على أيدي الثوار الليبيين.. فمقتل القذافي لا يمثل بالنسبة لليبيا رحيل مجرد رئيس بل هو رحيل عهد سياسي كامل.. فليبيا بكل ما فيها كانت مختزلة في شخص العقيد القذافي.. في تجسيد حي للنظرية السياسية العتيقة والبالية (دولة الرجل الواحد!) فإذا ذكرت ليبيا ذكر القذافي.. فلا رموز سياسية غير الزعيم القذافي.. ولا مناهج فكرية يقام لها وزن مثل ما يقام لكتاب (أخضر) ليس سوى هذيان أدبي ومجموعة غير مرتبة من الأفكار! مجموعة متقاطعة من القصص غير المترابطة والمكتوبة على طريقة (من هنا وهناك!) ولكن بما أنها صادرة عن القذافي الذي صور نفسه بصورة (زعيم أفريقيا ومفكرها الثائر) صار لها وزنها! إن ما آل اليه حال الزعيم القذافي هو رسالة واضحة للشعوب قبل الأنظمة والحكومات.. مفاد هذه الرسالة أن الشعوب متى ما أرادت الحياة والعيش بكرامة فلا شيء من الممكن أن يقف بوجهها.. ولا يمكن إيقاف عجلات التغيير عندما يصير التغيير هدفا للشعوب.. فشعب ليبيا ظل الإعلام الليبي يختزله في نموذجين نموذجيين وثالث يغرد خارج السرب: النموذج الأول هو صورة المواطنين الليبيين الذين يهتفون بحياة الزعيم القائد.. والنموذج الثاني هو الثوريون اللذين لا يتورعون عن فعل أي شيء في سبيل بقاء النظام وهم ليسوا في الحقيقة سوى مجموعة من (البلطجية) اللذين كانوا يعملون على قمع أي اصوات تنادي بالتحرير أو الخلاص من حكم العقيد القذافي! بينما النموذج الثالث هو النموذج الذي كان يحاول النظام الليبي اقناع العالم والشعب الليبي بأنه القسم الخائن من ليبيا والمدعوم من الغرب بمخططات جاهزة للإجهاز على ليبيا.. فمارس النظام أبشع جرائم التنكيل والإعدام بكل من دعا للحرية ولعل من أبشع جرائم النظام هو ما فعلته المرأة الملقبة (بشانقة الرجال) بأحد من حلموا بالخلاص من حكم النظام وهو الصادق حامد الشويهدي الذي عاد من الولايات المتحدة في مارس/آذار ذلك العام بعد تخرجه بهندسة الطيران، وبدأ من فوره بتشكيل حملات معارضة لحكم العقيد القذافي باسم ‘جبهة إنقاذ ليبيا’ وسريعاً وقع وبعض شركائه بالأسر، فأحضروه يوم 5 يونيو/حزيران 1984 وكان ثاني أيام رمضان، إلى ‘مجمّع سليمان الضراط الرياضي’ بالمدينة الرياضية ببنغازي، ثم أجلسوه على الأرض مكبّل اليدين وقرأوا عليه مذكرة الاتهام، وبعدها حكم الإعدام.. وما أن سمع الذين حاكموه شعبياً بالحكم، ومن بينهم كانت هدى بن عامر وأختها سلوى، حتى ركضوا داخل المجمّع الرياضي أمام الآلاف مرددين شعارات ثورية، ثم ارتجلت بن عامر عبارتها الشهيرة وقالت: ‘صفيهم بالدم يا قايد. سير ولا تهتم’! في ذلك الجو من الهيجان الغوغائي نقلوا المشنقة إلى منتصف ساحة المجمّع وجاؤوا بالشويهدي إليها وهو متهالك، ووضعوا الحبل في رقبته، ثم ركلت هدى بن عامر الكرسي من تحت قدميه، فهوى الشويهدي، إلا أنه فاجأ الجميع وظل يفرك قدميه باستمرار، في إشارة دلت بأن عملية الإعدام لم تنجح وبأنه لم يمت ولم تحتمل هدى بن عامر رؤية العملية تفشل أمام الآلاف، فأسرعت وأمسكت بقدميه وراحت تشدهما كما المجنونة المسعورة ليلفظ أنفاسه، حتى توقف المسكين عن الحركة تماماً، فأنزلوه وقام طبيب بفحصه للتأكد من وفاته، وكانت مفاجأة ثانية حين اكتشف الطبيب أنه ما زال حياً أيضاً، عندها نقلوه إلى مستشفى قريب.

وفي المستشفى أجرى له الأطباء عملية تنفس اصطناعي، ووجدوا أن أنفاسه عادت بسرعة إلى انتظامها الطبيعي، وما كادوا يهللون فرحاً إلا ونغصت عليهم الأوامر القذافية فرحهم، لأن العقيد القذافي أمر بالإجهاز عليه، ولأن الأطباء رفضوا قتله، فقد انبرى ‘الثوريون’ لتنفيذ المهمة فوضعوا جورباً في فمه مثقوباً وبه رمال، وكلما كان يتنفس كانت حفنة رمل تسد منافسه حتى همد ومات!! وبرغم بشاعة جرائم النظام في التنكيل بكل من طالب بالحرية الا ان الليبيين ثاروا على الظلم كما أثبتوا أنهم شعب واع حينما رفضوا أي تدخل أجنبي في بلادهم واكملوا ثورتهم بتحرير ليبيا (زنقة زنقة) وبموت القذافي سطروا آخر سطر في حكم الطاغية وبثوا رسالة مفادها أن اي حاكم يستحل البطش بمواطنيه سوف يجد نفسه يواجه مصيرا بشعا فكما تدين تدان.. انها رسالة بليغة من شعب يستحق الاحترام لانجازه هذه الثورة الرائعة بدون اي تدخل أجنبي! رحل القذافي ليكون رحيله رحيلا لكل الأفكار المتهالكة والتخاريف السياسية (رحلت الجماهيرية) هذا النظام الذي يكرس لحكم الفرد والعشيرة على العكس من اسمه الدال على الديمقراطية وحكم الجماهير جسد الشعب الليبي أبيات الشعر العتيقة التي يثبت صحتها مع نجاح كل انتفاضة عربية جديدة.. (إذا الشعبُ يومًــا أراد الحيــاة – فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ ولا بـدَّ لليل أن ينجلي – ولا بـدّ للقيد أن ينكسرْ ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة – تبخَّرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ)! رحلت الجماهيرية ليبدأ أهل ليبيا في المهمة الأصعب وهي إعادة ليبيا إلى خارطة العالم بشكل جديد يواكب هذا العالم. الأحمدي فرح – السودان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية