الجماهير تستقبل يوم عرفات بالدعاء للنجاة من الغلاء… وأمراض اجتماعية انتشرت بين الأجيال الجديدة من الشباب

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما يستقبل المسلمون والعرب عيد الأضحى بأرواح أرهقها الحزن.. استمر موسم “التنزيلات” على مقدرات الأمة على أيدي حفنة من المهرولين، أملا في نيل صك الأمان من تل أبيب. الأسباب التي تدفع الجماهير للشعور بالهزيمة متعددة ولا تنتهي، فها هي الخريطة تستقبل كائنا مشوها تحت عنوان” منتدى النقب”، فيما يتلاشى لحد الاختفاء أي دور للجامعة العربية، التي تراجع تأثيرها عند حد إصدار برقيات التعازي وإسداء النصح.
وفي صحف أمس الجمعة 8 يوليو/تموز كان أمام الجماهير العريضة ألف سبب للتوجه بأكف الضراعة نحو عرفات سائلين السماء أن تنقذهم من الفناء الذي يلاحقهم بسبب الغلاء، أمس كذلك زار الفرح بيوت الكثيرين من أقارب وعائلات المفرج عنهم بقرار رئاسي، حيث تم الإفراج عن أكبر قائمة من المسجونين، ما عده كثير من أنصار السلطة أحد ثمار الحوار الوطني، الذي انطلق مؤخرا.
ومن الفتاوى الدينية: لماذا سمي جبل عرفات بهذا الاسم، بينت دار الإفتاء التي نقلت عن إمام الدعاة الراحل الشيخ الشعراوي أنَّه المكان الذي التقى سيدنا آدم وزوجته السيدة حواء فيه، بعد أن هبطا من الجنة إلى الأرض وتفرقا، وفي جبل عرفات عرفها وعرفته، وزاد على هذه الرواية الشيخ الشعراوي: «أن الله أراد بتفرقهم وجمعهم عند هذا المكان ليكون لقاؤهم عن اشتياق وحاجة، ويريد الله أن يجعل بينهم المودة والرحمة والألفة والسكن بينهما فيجب أن يبحثوا عن بعضهما». وفي السياق ذاته أشار الشيخ عويضة عثمان أمين الفتوى في دار الإفتاء إلى حديث منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك الله له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
مقارنة بائسة

لعل المقارنة التي اهتم بها كارم يحيى في “المشهد” بين نصي وسياقي بروتوكول الجامعة العربية وبيان جامعة النقب مسألة مغرية. وواصل الكاتب، مسجلا عددا من الملاحظات على البيان الذي تورطت في التعتيم عليه، أو تجاهلته معظم صحف القاهرة ومواقعها الإخبارية غير المحجوبة. وهو حال يخالف حضور المواطن في بروتوكول تأسيس الجامعة العربية الذي نص في ديباجته على أنه “يأتي استجابة للرأي العام العربي في جميع الأقطار العربية”. وبداية فليس خافيا أن مأسسة “منتدى النقب” على هذا النحو رباعي الأدوات (اجتماع سنوي وزاري.. ولجنة توجيهية.. ومجموعات عمل.. ورئاسة عند وزير الخارجية الإسرائيلي حتى الاجتماع الوزاري المقبل) هو استكمال لما سمي بـ”قمة النقب” في 27 مارس/آذار 2022. وربما يعكس استخدام كلمة “قمة” في غير محلها، إذ أن الاجتماع كان على مستوى وزراء الخارجية، طموحا ورغبة في التضحيم والتفخيم ولفت الانتباه حينها، أو في “الفرقعة” لإعطاء دفعة وتسويق دعائيين، وهذا قبل الانتقال للعمل الهادئ من أجل بناء الإطار التنظيمي. ولست ممن يجادلون في ما هو عليه تعبئة العداء ضد إيران وحلفائها في المنطقة من أهمية في سياق هذا الإطار الإقليمي الجديد، فعلى ضوء قراءة الوثائق وما توافر من معلومات من الخطأ اعتباره أحادي الهدف على هذا النحو. ومع هذا يلفت الانتباه هذه المرة غياب التنصيص على كلمة “إيران” عن الوثيقة الأخيرة للمنتدى. وهذا بخلاف سابقتها في مارس الماضي. وقتها نشرت “الأهرام “وغيرها من الصحف المصرية، أو تم التوجيه بالنشر نقلا عن وكالات الأنباء العالمية تحت عنوان:”لقاء النقب السداسي يطالب بنبذ الإرهاب ومواجهة تهديدات إيران”.

شهود عشرة

كشف بيان صادر عن المستشار حمادة الصاوي النائب العام الأدلة التي استندت إليها النيابة العامة في توجيه تهمة القتل العمد لكلٌّ من أيمن حجاج “العضو في إحدى الجهات القضائية”، وحسين الغرابلي”صاحب شركة”، في واقعة مقتل المذيعة شيماء جمال. وجاء في بيان النيابة العامة الذي اطلع عليه أحمد يحيى في “الأخبار”، أن النيابة أقامت الدليل على المتهمين من شهادة عشرة شهود، من بينهم صاحب المتجر الذي اشترى المتهمانِ منه أدوات الحفر والمادة الحارقة. وأقر أيضا المتهمان تفصيلا في التحقيقات، التي استهلت بإرشاد المتهم الثاني عن مكان الجثمان في المزرعة وبيانه تفصيلات الجريمة، ثم إقرار المتهم الأول عقب ضبطه بارتكابه واقعة القتل. وكذلك فقد ثبَت في تقرير الصفة التشريحية الصادر من مصلحة الطب الشرعي الذي أكَّد أن وفاة المجني عليها، بسبب كتم نفسها والضغط على عنقها، وما أحدثه هذا الضغط من سد للمسالك الهوائية، بما يشير إلى أن الواقعة جائزة الحدوث وفق التصوير الذي انتهت إليه النيابة العامة في تحقيقاتها، وفي تاريخ معاصر. وتضمنت الأدلة قِبَل المتهميْنِ وجود البصمتيْنِ الوراثيتيْنِ الخاصتيْنِ بالمتهميْنِ على القطعة القماشية التي عُثر عليها في جثمان المجني عليها، والمستخدمة في الواقعة، فضلا عن ثبوت وجود الشرائح الهاتفية المستخدمة بمعرفة المتهميْنِ والمجنيِّ عليها يوم ارتكاب الجريمة في النطاق الجغرافي لبرج الاتصال، الذي يقع بالقرب من المزرعة محل الحادث.

هؤلاء المعدمون

رغبة جميلة على حد رأي سامي صبري في “الوفد” أن يكون لدى الدولة هذا الإحساس الكبير بالمعلم، والاحتياج الشديد لوجوده فعليّا لا ورقيّا، داخل المؤسسات التربوية للجمهورية الجديدة، ولكنني أتمنى أن تواكب هذه التعيينات، وتلك المليارات سياسة تعليمية جديدة وخطط واقعية؛ تعيد المعلمين إلى مدارسهم، والتلاميذ والطلاب إلى أحضان آبائهم الروحيين، ومن يقتدون ويحتذون بهم وهم يشقون طريق المستقبل، وأطالب ببرامج توعوية تعيد تأديب وتهذيب الطلاب أنفسهم، وتنزع من أفئدتهم تلك الصورة المخجلة عن المعلم. وبعيدا عن هذا الأمل البعيد، ألقى الكاتب الضوء على معلمين آخرين، يسمونهم تكرما وتفضلا «خارج الخدمة» يتصدر الوجه الآخر من بطاقتهم الشخصية كلمة «على المعاش»، أمضوا في رحاب التعليم مددا تتراوح ما بين ثلاثين وأربعين عاما، أفنوا زهرة شبابهم داخل الفصول وبين أروقة الدمار، قبل أن يتحولوا أمواتا وهم على قيد الحياة، يواجهون الحياة بمعاش حكومي يتراوح ما بين ألفين وثلاثة آلاف جنيه، وهم الشريحة التي أتمت المدة التأمينية كاملة، أما سواهم فليس له سوی ألف جنيه أو أكثر قليلا، وهو مبلغ لا يليق بصانع الأجيال، وإن توجه إلى نقابته باحثا عن معاشها فيجده مضحكا، لا يوازي ثمن وجبة غداء، ولا يزيد على 110 جنيهات (بعد آخر تعديل) يتم تجميعها وصرفها كل ثلاثة أشهر، بشكل لا أجد وصفا دقيقا له غير كلمة «مسخرة».

لا تسد الرمق

عدد هؤلاء البؤساء الذين يهتم بحالهم سامي صبري يقترب من 29 ألف معدم مستحق للمعاش يتقاضون نحو 100 مليون جنيه، وبجوارهم نحو 218 ألف تعيس من الورثة يحصلون على نحو 30 مليون جنيه، وموارد النقابة تأتي من استقطاع نسبة 2$ من مكافأة الامتحانات، وهي لا تكفي لسداد معاشات كل المستحقين، والشماعة الجاهزة دائما لا بد من تدخل الدولة، وإنقاذ النقابة التي خربتها جماعة الإخوان قبل رحيل أعضائها عن المجلس الغريق. يجب أن تعلم الحكومة أن المعلمين سقطوا سهوا من اهتمام الدولة عشرات السنين، وعندما خرجوا للمعاش وجدوا أنفسهم ضحايا نقابة لم تبحث لهم عن موارد أخرى مثل كثير من النقابات التي تفتتها صراعات نخبوية وشخصية، قضت على الأداء النقابي المهني والخدمي لصالح الأهواء والمنافع الشخصية. هذه الفئة المطحونة، تستحق الآن اهتماما أكبر يبدأ بنقابتهم الأم وفروعها في المحافظات، وإن تطلب الأمر تقديم تشريع قانوني بفرض رسوم رمزية بسيطة لصالح هؤلاء المعدمين، فذلك أسرع وأفضل من الانتظار بحثا عن تمويل للنقابة، وإن كانت الأجيال السابقة تحملت تبعات هذه الجريمة التي ارتكبت بحقهم، وتغاضوا مجبرين عن كل هذا العبث، فإن ذلك لم يعد مقبولا الآن، وإن كان فريق من المعلمين قادرا على مواجهة الحياة بما يتقاضاه من راتب متواضع وزهيد، فإن حياة من خرجوا لمعاش أقسى وأصعب، وكم بكيت قلوب هؤلاء، واحترقت مآقيهم حزنا على حالهم، وما وصلوا إليه من حسرة وعجز عن تلبية أبسط مطالب أبنائهم وبناتهم في المأكل والملبس، بل والسكن الآدمي الذي يليق بهم.

علامات الساعة

ما يحدث في الشارع المصري الآن اعتبره فاروق جويدة في “الأهرام” ظواهر غريبة علينا ولم نرها من قبل في حجم الجرائم والدماء التي تتدفق وحالات الانتحار والتحرش والاغتصاب.. كل هذه الظواهر تؤكد أننا أمام مجتمع تخلى عن بعض ثوابته وأخلاقياته وبدأ مرحلة من السلوك تتسم بالفوضى وتضع يدها على أمراض اجتماعية انتشرت بقوة بين الأجيال الجديدة من الشباب. ما حدث لفتاة المنصورة على يد زميلها أمام أبواب الجامعة، وما حدث للمذيعة الشهيرة على يد أحد أعضاء الهيئة القضائية، والأم التي وضعت الترامادول لأبنائها وماتوا جميعا، وتاجر المخدرات الذي دفع 20 مليون جنيه وحصل على حكم بالبراءة.. كل هذه الظواهر والأحداث تضع المجتمع كله أمام أكثر من سؤال حول أسباب ذلك كله.. أولا: لا بد من أن نراجع الظاهرة وأسبابها، كيف وصل حجم الجريمة إلى هذه الأرقام والمعدلات، خاصة أنها شملت فئات كثيرة ودخلت في مسؤوليات حساسة ربما انتشرت أكثر بين فئات الشباب، ولكنها جمعت وظائف أخرى وأعمار مختلفة.. وإذا جاز لنا أن نقول إنه شطط الشباب فماذا يقال عن إنسان في منصب مسؤول، أو أم تقتل زوجها أو أبناءها من أجل عشيق أو علاقة مشبوهة.. إن أخطر ما في هذه الظواهر أنها وصلت إلى آباء كبار وأصحاب مناصب مرموقة، بل إنها أصبحت من أكثر الظواهر بين النساء. ثانيا: قد تكون الأسباب الاقتصادية أحد العوامل، ولكن ماذا يقال عن جرائم في الطبقات القادرة، بل الغنية وتتمتع بمستوى ثقافي رفيع.. كيف تقتل سيدة زوجها ذبحا من أجل عشيق أو شاب منحرف؟

جرائم لا تشبهنا

لا يستطيع أحد، على حد رأي فاروق جويدة، أن يتجاهل كارثة المخدرات التي انتشرت بين بعض الشباب وكانت وراء جرائم كثيرة.. إن لعنة المخدرات التي تنوعت أشكالها ومصادرها تقف وراء جرائم الذبح وهذه السلوكيات الوحشية التي نشاهدها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.. ورغم الجهود الناجحة التي يقوم بها الأمن المصري في مقاومة عمليات التهريب والتعاطي، فإن الأرقام تؤكد أن المخدرات من أسباب انتشار الجريمة في مصر، غياب دور الأسرة تجاه الأبناء من أهم أسباب غياب الرقابة لذا أصبح سهلا على الأبناء الحصول على المخدرات بأكثر من وسيلة.. ولم يستثن الكاتب معاناة الناس أمام كابوس الأسعار واختلال منظومة الأعباء والطبقية الجديدة، وارتفاع معدلات الفقر بأنها وراء اختلال سلوكيات الناس وانتشار الجرائم أمام ضغوط نفسية فرضت نفسها. لا نستطيع أن نتجاهل الجانب النفسي أمام ضغوط الحياة وأعباء المعيشة.. كانت مواقع التواصل الاجتماعي وقصص الذبح والقتل والتحرش والاغتصاب هي المادة السهلة، وربما كان ذلك من أسباب انتشار الجرائم في البيوت والشوارع.. وهنا ينبغي أن لا نتجاهل ما يشاهده الأطفال من مسلسلات العنف والقتل والشذوذ، وفي المقابل نحتاج الأعمال الجادة الهادفة التي يجد فيها المشاهد القدوة الصالحة والخلق القويم. لا بد أن نعترف بأن الأخلاق القدوة والرمز قد غابت عن حياتنا، وأن هناك سباقا محموما يجري ويشجع النماذج الرديئة ما بين النصب والعنف والتحايل وهذا يفتح الأبواب أمام غياب الوعي، بأن هذه النماذج هي الطريق الأسلم والأفضل.. لقد غاب دور الأب المكافح والأم الأمينة والأبناء الأوفياء وسادت نماذج غريبة علينا تدعو للانحراف والنصب والفهلوة..

أعداء الجمال

اهتم أحمد أبوالمعاطي في “الأهرام” بواقعة صادمة أسفرت عن غضب كثير من أبناء مدينة أسوان: القصة تتعلق بتلك التجربة الملهمة، التي بدأتها قبل نحو عشر سنوات تقريبا، الفنانة الأسوانية المبدعة مها جميل، ونجحت من خلالها في تحويل شوارع مدينة أسوان الساحرة، إلى متحف مفتوح للإبداع والبهجة، بالعديد من الجداريات الفنية، المرسومة باحترافية فنانة درست علوم ترميم الآثار، قبل أن تلتحق بكلية الفنون الجميلة، لتدرس أصول هذا اللون من الفن، وغيره من الفنون الأخرى، من منابعها الأصلية، ممثلة في تلك الكلية العريقة، التي تخرج فيها مئات من المبدعين والفنانين، الذين واجهوا بإبداعاتهم على مدار عقود، كل معاني القبح، بإعلاء قيم الجمال والإبداع والفن. منذ سنوات بعيدة، قررت مها جميل، مستعينة بمجموعة منتقاة من شباب الفنانين في أسوان، تنفيذ جدارية ضخمة، خططت في وقتها أن تضم مئة وجه مصري، لأشخاص عاديين، يمكن للزائر أن يصادفهم في الشارع، ويمثلون بملامحهم المصرية الصريحة مختلف فئات المجتمع الأسواني، قبل أن تحظى فكرتها بإعجاب شديد من قبل الناس، لتضيف إليها، بعد فترة، صورا لشخصيات مصرية بارزة، أثرت الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية، على مدار قرن من الزمان. الذين يعيشون في أسوان، وتابعوا تلك التجربة الفريدة، يدركون جيدا الدور الكبير الذي لعبته تلك الرسوم البديعة على جدران الشوارع، في دعم حركة السياحة في ذلك البلد الساحر، وكيف كان عشرات من السائحين يتابعون بإعجاب، هذه الفنانة الجميلة ورفاقها، وهم يواصلون عملهم بدأب يومي، بل يطلبون منهم تسجيل ملامحهم في تلك الجدارية الضخمة، حتى تظل وجوههم مرسومة على جدران هذا البلد، الذي وقعوا في غرامه، وعشق أهله الطيبين. ولست أعرف إذا كان صحيحا ما يقوله كثير من أهالي أسوان، بأن تلك الجدارية التي كانت تضم حتى وقت قريب، أكثر من ثلاثمئة بورتريه، قد تمت إزالتها بالفعل، أم أن الأمر لا يزال قيد الدراسة، ضمن خطة مشروع الهوية البصرية، الذي بدأ قبل شهور في مدينة الأقصر، وإذا كان الأمر كذلك بالفعل، فلماذا لا تتم الاستفادة من تلك الجدارية البديعة، التي تمثل في حقيقة الأمر التجسيد الأمثل لفكرة الهوية البصرية؟

بين أحد وعرفات

الوقوف بجبل الرحمة «عرفات» يستدعي كما نصحنا الدكتور محمود خليل في “الوطن” من الذاكرة المسلمة خصوصا، والإنسانية عموما، المكانة التي يحظى بها الجبل في حياة الجماعات المؤمنة. للجبل وضعية خاصة في الديانة اليهودية، فمن فوق صخور جبل الطور تلقى نبي الله موسى تعاليم السماء ووصايا الخالق العظيم لبني إسرائيل، ثم نزل بالألواح إلى قومه فوجدهم ضلوا من بعد إيمان، عقب أن خدعهم «السامري» بعجل جسد له خوار، وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى، ليحكم عليه موسى بعدها بالنفي، ويعيد بني إسرائيل إلى صوابهم. ومن فوق الجبل أيضا، انطلق لسان السيد المسيح بموعظة الجبل، بما تحمله من تعاليم سامية ومعان جليلة، تدعو إلى مواساة الآخرين، وتحمّل الأذى، والمحبة الشاملة للبشر، والوداعة وعدم مقابلة الشر بالشر، وغير ذلك من تعاليم رفيعة خلّدها الوجدان البشري. أما الجبل في العقيدة الإسلامية فله شأن أي شأن. فداخل الغار القابع في جبل حراء، ظل النبي، صلى الله عليه وسلم، يتأمل ملكوت السماوات والأرض وأوضاع قومه، حتى أتاه أمين الوحي برسالة الإسلام، بما تحمله من قيم وأخلاقيات رفيعة، ومن ثم نزل إلى عرب مكة يدعوهم إلى الرسالة التي سيجدون فيها أنفسهم كبشر، وسيحققون عبرها إنسانيتهم الحقيقية: «قَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ». جبل «أُحد» يرتبط أيضا في الذاكرة الإسلامية بدرس الأخذ بالأسباب والاحتكام إلى قوانين الأرض وتطوير معطيات الدنيا عند خوض المعارك. فالله تعالى يمنح نصره لمن يأخذ بالأسباب، والمسلمون في «أحد» لم يلتزموا بتعليمات قائدهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فلقوا الهزيمة أمام عدوهم، بعدها تعلموا الدرس فتفوقوا.

حكمة على جبل

يكمل الدكتور محمود خليل سرد ما جرى للمسلمين يوم ظهروا على عرب مكة، نادى أحدهم «اليوم يوم الملحمة» فغضب النبي وقال له: «بل اليوم يوم المرحمة»، ليتعلموا درسا جديدا ملخصه أن إقامة إنسانية الإنسان وحماية حقوقه، حتى لو كنت غالبا يمثل جوهرا من جواهر هذا الدين. فالرحمة قيمة مركزية في الإسلام: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ». وكما كانت بداية الإسلام على جبل، فقد كان تمام الرسالة أيضا من فوق جبل، هو جبل عرفات الذي حج النبي، صلى الله عليه وسلم إليه، وأعطى المسلمين وصاياه الأخيرة من فوق ترابه الطاهر، نبههم فيها إلى حرمة الدم، وأن اقتلاع الكعبة حجرا حجرا أهون على الله من قتل نفس بريئة بغير نفس، أو فساد في الأرض، وحرمة الربا وأثره المخرب على اقتصاد المجتمعات المختلفة، ودعاهم فيها إلى حماية حقوق المرأة، والمساواة بين البشر. الجبل له حكاية في كل دين من الأديان السماوية، وفي وديان الجبال وقع العديد من الأحداث الفارقة في تاريخ كل دين، فقد احتضن وادى طوى ذلك النداء القدسي لموسى بأن يخلع نعليه استعدادا لتلقى التوجيه السماوي له بالذهاب إلى فرعون، وفي وادي حنين تمكن النبي، صلى الله عليه وسلم، من مواجهة عرب هوازن وثقيف الذين خططوا للانقضاض على المسلمين بعد فتح مكة. الجبل له في كل دين «حكمة بالغة وقوة مقتدرة».

جبل الرحمة

الأيام المباركة التي نمر بها ذكرت الدكتور ناجح إبراهيم في “المصري اليوم” بأهم الأحداث في التاريخ البشري: على جبل الطور في سيناء الحبيبة كلم الله سيدنا موسى فسُمى بـ«كليم الله»، وأنزل عليه صحائف التوراة وهي الدستور الرباني لأمة بني إسرائيل أعظم أمة وقتها ورثت النبوة والرسالة كابرا عن كابر. وعلى جبل طابور في الجليل في فلسطين تجمع أكبر حشد من تلاميذ السيد المسيح، عليه السلام، ليلقي إليهم كلماته المودعة ويذكرهم بأهم بنود رسالته في موعظة مودع شملت جوامع كلماته ومضامين رسالته فيما سُمي بعد ذلك بـ«موعظة الجبل»، وهي أعظم مواعظه على الإطلاق.
وفي غار حراء تنزّل جبريل الأمين «مبعوث السماء الأعظم» على محمد، صلى الله عليه وسلم، ليخبره بأول قرارات السماء له ولأمته «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ»، وعند جبل الرحمة في عرفات وقف الرسول ليودع أمته وينبئهم كوامن نفسه وخلاصات عمره ورسالته ويحذر من التنكر له ولرسالته. نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مد البصر عن يمينه ويساره وأمامه ومن خلفه، عشرات الآلاف جاءوا محبين راغبين طائعين بعد أن حاربوه وقاطعوه وطردوه من وطنه الحبيب، سعد بثمرة كفاحه ونتاج دعوته، فقال: «استنصت الناس يا جرير»، فأنصت أصحابه ومعهم الحجر والسماء والأرض والكون لكلمات النبي المودعة للدنيا كلها بعد أن ملأها نورا وضياء وبركة. هكذا مضى رسول الله يسوق للدنيا كلها أجمل النصائح وأشملها: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا أن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، اتقوا الله في النساء، أن الشيطان يئس أن يُعبد في أرضكم، ولكنه رضي أن يُطاع في ما سوى ذلك فاحذروه على دينكم، اسمعوا وأطيعوا وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».

طوبى للمساكين

واصل الدكتور ناجح إبراهيم تذكيرنا بأهم المؤثرين في حياتنا من الأنبياء: أما المسيح، عليه السلام، فبدأ موعظة الجبل بالبشرى لأصحابه وحوارييه، وكل من سلك نهجه الذي يتلخص في العبودية لله والعفو والإحسان، فقال: «طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات، طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون، طوبى للرحماء لأنهم يرحمون، طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله، طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون، طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات»، وكلمة طوبى التي رددها المسيح 9 مرات تعني «مباركا أو سعيدا ومحظوظا». ثم أردف المسيح يحث الدعاة والعلماء وحملة الرسالات على الفضيلة وتطهير ثيابهم وأفئدتهم وجيوبهم، «أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح، لا يصلح بعد لشيء إلا أن يطرح خارجا ويُداس بين الناس». وبيَّن أنه جاء لتكملة ناموس الأنبياء من قبله وليس نقده، فقال: «ما جئت لأنقض الناموس، بل لأكمله»، لأن كل رسول يكمل ويتمم الآخر. ولم يكتفِ المسيح بكلمة «لا تقتل» بل منع غضب الإنسان على أخيه، ولم يكتفِ بالنهي عن الزنى، بل نهى عن كل نظرة شهوانية محرمة، ولم يحذر من الحلف بالباطل، بل نهى عن الحلف مطلقا: «لا تحلفوا البتة». وختم وصيته بهذه الكلمات المبدعة المحسنة الرائعة: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم». وهكذا كانت هذه الوصايا المودعة عند جبل الرحمة بعرفات وعند جبل طابور في فلسطين، ما أعظم رسل الله، وما أعظم كلماتهم ووصاياهم التي لو أخذنا بواحدة منها لوسعتنا الأرض بعد ضيق، والرزق بعد فقر، ووسعتنا النفوس المحبة بعد كراهية.. سلام على رسل الله ما أشرقت شمس النهار.

بين الإنسان وربه

يلعب الرمز دورا مهما في التواصل بين الأفراد والمجتمعات في تاريخ البشرية، وفي علاقة الإنسان بربه كما في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، كما أوضح الدكتور أكرم السيسي في “الشروق”: الرمز إذن نوع من أنواع التواصل الإلهي والإنساني، والرمز له أشكال متنوعة يمكن أن يظهر بالصوت أو بالصورة أو بعلامة أو بكلمة أو بقصة أو بأسطورة أو بلون أو برؤيا، كما جاء في القرآن الكريم، أو بدرس عملي من الطبيعة كدرس الغراب عن كيفية دفن الموتى، إلخ، ولكن ما نقصده من الرمز في مقالنا هو «الإيحاء»، أي التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى اللغة على أدائها، أو لا يراد التعبير عنها مباشرة. من ناحية أخرى، الرمز في اللغة هو ركيزة الصور البديعية كـ«الاستعارة» و«الكناية»، وهو أن أستعير كلمة أو رمزا أو صفة ليدل على معنى جديد غير ما يدل عليه المدلول الأصلي للكلمة أو للرمز، أو أن أشير بالكلمة أو بالرمز إلى مدلول جديد لا أريد التعبير عنه صراحة فأكنيه بشيء آخر للتعظيم ــ على سبيل المثال ــ بالصفة المراد الإشارة إليها، كوصف النبي محمد (ص) بكِنية «ابن الذبيحين» لأنه حفيد «الذبيح الأول» النبي إسماعيل الذي أمر الله أباه النبي إبراهيم «أبو الأنبياء» ــ عليهما السلام ــ بذبحه، وابن الذبيح الثاني عبدالله الذي نذره للذبح أبوه عبدالمطلب ـ جد النبي (ص) ــ إذا أتم عشرة من الأبناء الذكور، إلا أن الله أوحى له بنسخ ذبح إسماعيل فافتداه بمئة من الإبل، وذلك للتدليل على أن النبي محمد (ص) من سلالة أعظم الطائعين لله في التاريخ البشري، وذلك بنذر «الأبناء» لله ـ أغلى ما يمتلك الإنسان في حياته.

ربما أصابوا

نعود للحدث الذي يراهن عليه البعض بصحبة أكرم القصاص في “اليوم السابع”: كان بدء الحوار الوطني مرحلة وفرصة لتوسيع المشاركة، ضمن مرحلة من مراحل البناء والاتجاه إلى سياقات جديدة من العمل السياسي والاجتماعي والأهلي، ومع انطلاق الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني تكون المبادرة قطعت شوطا بعيدا منذ تكليف الرئيس عبدالفتاح السيسي، بالتنسيق مع جميع تيارات وفئات المجتمع لإدارة حوار حول أولويات العمل الوطني، وكما أشرنا مجلس الأمناء يحمل درجة من التنوع، وخلال الجلسة الافتتاحية تحدث أعضاء مجلس الأمناء، لتحديد سياقات الحوار ولائحته، ونقاط تنظيمية، وأكد الدكتور ضياء رشوان المنسق العام للحوار الوطني، أن الحق في المعرفة والمتابعة الفورية والشفافة سيكون مكفولا للرأي العام طوال مجريات وفعاليات الحوار. كل هذا يؤكد أن الحوار الوطني يسير بخطى جادة منذ اللحظة الأولى لتكليف الرئيس عبدالفتاح السيسي، وأنه قطع مسافات بعيدة على غير توقعات كثيرين، الدولة قدمت كل الشروط التي تدفع نحو جديته وبناء الثقة والمشاركة في وضع السياسات، وتظل النقطة الأهم هي بناء الثقة بين أطراف الحوار، ومد جسور الثقة بين الدولة والتيارات السياسية والأهلية، وهي السبيل لنجاح هذا الحوار، بما يضمن فتح المجال لتوسيع المشاركة لكل قطاعات المجتمع. قطعت مصر مراحل متعددة وواجهت إرهابا ومحاولات تهديد وجودية لحدودها وأمنها، انتصرت عليها مع التقدم في التنمية إلى الأمام وكلها عوامل تفتح الباب لخطوات ربما تم تأجيلها بسبب حرب الدولة والمجتمع على الإرهاب، ومحاولة بناء أسس الاقتصاد والعمل العام، والآن يمكن أن تسمح أوضاع الاستقرار بالمزيد من الخطوات، وخلق نقاش سياسي حول الأولويات، وفتح الباب لمشاركة أوسع وملء فراغ يفترض أن يكون غير موجود.

ثمرة وحيدة

تظل أهم خطوة في الدعوة للحوار الوطني من وجهة نظر أكرم القصاص أنها فتحت الباب لمناقشات وآراء متنوعة، وهذا في حد ذاته يمثل نقطة إيجابية، والأهم هو بناء الثقة وإقامة جسور بين الدولة والتيارات السياسية والمنظمات الأهلية، وهذه الثقة هي الأرضية التي يمكن أن تمهد لجمع الشمل والبناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية، واستعادة وحدة الصف لتحالف 30 يونيو/حزيران، لأن بناء الثقة يسمح باتساع مجال التفاهم وتحديد نقاط أساسية، وبعد إقامة هذه الجسور يمكن أن تكون هناك مساحات للتفاهم والتحاور. مع الأخذ في الاعتبار أن هناك خلافات بين التيارات السياسية والحزبية، حسب توجهاتها، لكن نجاح الحوار هو قدرة كل هذه التيارات على تقبل بعضها، بحثا عن مطالب تحظى بتوافق، دون الدخول في مواجهات واشتراطات قد تشتت الأمر، وأن تكون هذه التيارات مستعدة لتقبل الأسئلة، حول نفسها ووزنها النسبي، وربما أيضا اعتبار الحوار يشمل قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، بين تيارات لها انتماءات متنوعة، يسارا ويمينا. تابع الكاتب: الحوار أيضا يفتح المجال للنقاش بين التيارات السياسية وبعضها، وليس فقط بين حكومة ومعارضة، حيث يحمل كل تيار تصوراته السياسية والاقتصادية ورؤيته للأولويات، بشكل يتناسب مع أسسه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، ونقصد يسارا ويمينا، وإن كان الواقع الاقتصادي العالمي اليوم أسقط الكثير من الحواجز التي تفصل بين الأيديولوجيات المختلفة.

بين القمة والقاع

عشاق الأهلي والزمالك غير قانعين بإنجاز الفريقين، وبدوره يرى إبراهيم ربيع في “الأخبار” أن الأزمة عامة: يسأل رجل من العوام البسطاء لماذا الرياضة في بلدنا خارج دائرة الانضباط.. لماذا هي منفلتة ومسرفة وأحيانا منحرفة، رغم أنها أكثر القطاعات ارتباطا والتصاقا بالرأي العام وبأكبر شريحة جماهيرية فعالة في الكم والنوع والتنوع، وفي شدة الانفعال مع أحداثها وتشابكاتها واشتباكاتها؟ السؤال وجيه ويرتفع فوق مستوى ذهنية العوام إلى ذهنية مستويات تعليمية وثقافية أخرى.. لكن الرجل البسيط من تكرار العبثية والفساد الرياضي، ضغطت عليه الحالة المتردية التي يعيشها يوميا وهو يطالع الوجبات الإعلامية بكل ألوانها وشطحاتها، ثم وهو يشاهد يوميا أيضا مباريات ترمي في وجهه عدة علامات استفهام جعلته ينطق بما هو أكبر من مستواه العلمي والثقافي.. وبينما المتعلمون يحاولون التفسير ويصلون أحيانا إلى استنتاجات فإن العوام تغلب عليهم العصبية والتعصب، وأحيانا العنصرية فيبرروا لأنديتهم ونجومهم ورموزهم العبث والفساد. وبما أن الرياضة أقصر الطرق إلى الشهرة لمن يلعب، أو يدير أو حتى يشجع، فإن مواقعها في أي مكان هي قبلة كل من يريد أن يعوض فشلا في مجالات أخرى أو من يدغدغه طموح أن يجمع بين الحسنيين.. المال والشهرة.. ومن هنا أقدم لهؤلاء الحيارى وجهة نظري في سبب إفلات الرياضة من منظومة الضبط والربط وتركها تتفاعل مع نفسها.. لن أبني وجهة النظر على فكرة الانصهار بين الرياضة والسياسة، لأنها فكرة قديمة ولا أرى فيها وجاهة كاملة، لأن من يريد أن يستغل الرياضة لخدمة السياسة لن يضيره شيء أن تخدمها وهي منضبطة ومحترمة.. إن جوهر مشكلة الرياضة أنها ملتقى كل شرائح المجتمع، بحيث ترى في شرايينها الإدارية المنتمين لجميع أركان المؤسسات المؤثرة في المجتمع والدولة.. خذ مثلا تشكيل مجالس إدارة الاتحادات والأندية، سترى فيها أعضاء في وظائف كبري داخل جهات هي التي من المفترض أن تساعد في ضبط قطاع الرياضة، لكنهم مطالبون بخدمة أغراض المكان الضيق الذي اختيروا له، وليس خدمة المكان الأوسع وهو القطاع كله.. فهم معنيون أكثر بإرضاء جمعياتهم العمومية لا إرضاء القوانين واللوائح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية