نيويورك: دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الجلسة المستأنفة للدورة الاستثنائية الطارئة الحادية عشرة المتعلقة بالنزاع في أوكرانيا، الاتحادَ الروسي لتعويض أوكرانيا عن الخسائر التي تكبدتها من جراء العدوان الروسي على البلاد منذ 24 شباط/ فبراير 2022.
وقد اعتمد القرار المعنون “تعزيز سبل الانتصاف وجبر الضرر الناجم عن العدوان على أوكرانيا” بأغلبية 94 صوتا لصالح القرار، بينما صوّت ضده 14، وصوتت 73 دولة بـ”امتناع”.
وينص القرار على اعتماد آلية لتحديد الضرر الذي لحق بأوكرانيا، وحصر الأضرار وتقدير قيمة التعويضات التي ستطلب من الاتحاد الروسي.
وجاء في القرار أن الجمعية العامة تؤكد التزامها بالسيادة والاستقلال ووحدة أراضي أوكرانيا، ومطالبة الاتحاد الروسي بالكفّ فورا عن استخدام القوة ضد أوكرانيا، وتطالب الجمعية العامة روسيا الاتحادية بالانسحاب الفوري والكامل وغير المشروط لجميع قواتها العسكرية من أراضي أوكرانيا، وإعادتها إلى داخل حدودها المعترف بها دوليا، ويشمل الانسحاب كذلك من المياه الإقليمية الأوكرانية.
كما تسلم الجمعية العامة بأن من الواجب محاسبة روسيا عن انتهاكات القانون الدولي في أوكرانيا أو ضدها بما في ذلك عدوانها على أوكرانيا، وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة، فضلا عن أي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويجب أن تتحمل العواقب القانونية لجميع أفعالها غير المشروعة دوليا، بما في ذلك جبر الضرر، وأي ضرر ناتج عن مثل هذه الأفعال.
كما تدرك الجمعية العامة أيضا، ضرورة إنشاء آلية دولية لجبر الضرر والخسائر والإصابات الناشئة عن الأفعال غير المشروعة دوليا التي يرتكبها الاتحاد الروسي في أوكرانيا أو ضد أوكرانيا.
وتوصي الدول الأعضاء، بالتعاون مع أوكرانيا، لإنشاء سجل دولي توثيقي للأضرار والمعلومات والأدلة، والمطالبات بالتعويض عن الضرر أو الخسارة أو الإصابة لجميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المعنيين، وكذلك دولة أوكرانيا، التي تتسبب فيها الأعمال غير المشروعة دوليا من جراء أفعال الاتحاد الروسي في أوكرانيا أو ضدها، وكذلك لتعزيز وتنسيق جمع الأدلة.
وقدم مشروع القرار أمام الدول الأعضاء سفير أوكرانيا لدى الأمم المتحدة، سيرغي كيستيلسا، قائلا: “لقد دمرت روسيا أراضي كبيرة من دولة ذات سيادة. الخسارة المادية لا تقارن مع خسارة الأرواح. روسيا تبذل قصارى جهدها لتفادي دفع التعويضات والمساءلة، وستفشل كما فشلت في أرض المعركة.” وقارن السفير الأوكراني اجتياح العراق للكويت باجتياح روسيا لأوكرانيا.
فقد اعتمد مجلس الآمن آنذاك عددا من القرارات بما فيها القرار 687 (عام 1991) الذي أكد على إنشاء لجنة خاصة بالتعويضات، وأنشأ صندوقا خاصا معنيا بالتعامل مع أي أضرار وخسائر ناتجة عن ذلك الاحتلال غير القانوني. وقال: “إن المقترح الذي أمامكم هو إعلان بضرورة مساءلة روسيا عن انتهاكاتها للقانون الدولي في أوكرانيا، ويعيد التأكيد على ضرورة اعتماد آلية ملموسة للانتصاف، تضخ زخما جديدا في هذا المسعى. وهي دعوة للدول الأعضاء كي تجتمع لبناء بنى تحتية دولية ذات مصداقية ومشروعية تتعامل مع تبعات الاعتداء الروسي على أوكرانيا والفظائع الكبيرة على أمل تحقيق العدالة للملايين الذين تغيرت حياتهم للأبد”. وحول المفاوضات مع الجانب الروسي، أكد السفير الأوكراني على الشروط المسبقة التي أكد عليها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وهي “استعادة الأراضي الأوكرانية والتعويض عن الأضرار ومحاكمة مجرمي الحرب، وهذا القرار يقربنا من هذا الهدف” وفق قوله.
من جهته، قال السفير الروسي للأمم المتحدة، فاسيلي نيبنزيا، متحدثا كذلك للدول الأعضاء في الجمعية العامة قبل التصويت: “إن الدول المشاركة في رعاية القرار يجب أن تفهم أن اعتماده سيؤثر عليهم في المستقبل… هذه الدول تقول إنها تلتزم بالقانون الدولي وتحاول في الوقت نفسه أن تنتهكه. مشروع القرار ينص على إنشاء ما يسمى بآلية دولية لانتصاف وجبر الضرر، ولكن يقولون إن هذه مسألة فنية… وهذه مسألة ستحدد من خلال مجموعة من الدول، وهذه الدول ستحدد من الطرف المذنب ومن يحق له الانتصاف”. وأضاف نيبنزيا أنه ومن خلال القرار “لا يمكن للأمم المتحدة أن تضطلع بدور في العملية بسبب اقتراح إنشاء الآلية خارجها، ولا يخطط أحد بأن تقوم بإبلاغ الجمعية العامة بأعمالها”.
ومن الملفت للنظر أن الكثير من دول الجنوب امتنعت عن التصويت أو صوتت ضد القرار، على الرغم من معارضة أغلبها للاجتياح الروسي لأوكرانيا، وتصويتها في قرارات سابقة ضد ذلك الاجتياح. وأشار مندوبو عدد من الدول التي عارضت أو امتنعت عن التصويت، كالهند وإندونيسيا ومصر والبرازيل وغيرها، إلى عدد من النقاط التي رأوا أنها إشكالية، ومن بينها أن نص القرار غير واضح في الحديث عن تقديم “جبر الضرر والتعويضات”.
كما شددت بعض الدول على ضرورة ألا يسمح القرار بالقيام بإجراءات أحادية الطرف، بما فيها الاستيلاء على الأصول في سبيل التعويضات. وقال السفير المصري، أسامة عبد الخالق، الذي امتنعت بلاده عن التصويت: “يمثل طرح هذا القرار بصياغته الحالية سابقة خطيرة، حيث يقوم بإقحام الجمعية العامة في تطوير آلية هي عبارة عن سجل للأضرار تخرج عن الإطار المؤسسي للأمم المتحدة دون توضيح القواعد المحددة لها أو آليات عملها أو الخطوات اللاحقة على إنشائها، أو دور الأمم المتحدة في متابعتها وهو ما لا يستند إلى سوابق معتبرة ولا يتسق مع دور الجمعية العامة”. وتحدث عن دعم بلاده لجهود تحقيق المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة. مضيفا: “يقلقنا أنه في الوقت الذي تبدي فيه بعض الدول درجة عالية من التحمس لاستحداث آلية للتعويض خارج إطار الأمم المتحدة في سياق نزاع محدد، تقوم ذات المجموعة تقريبا (الدول الغربية في أغلبها) بالامتناع وأحيانا التصويت ضد قرارات لا تهدف سوى إعمال القانون الدولي وإقرار الشرعية الدولية في سياق صراعات أخرى”.