الجمعية العامة والمجموعة العربية والبحث عن انتصارات معنوية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

اعتمدت الجمعية العامة الثلاثاء قرارا جديدا يطالب بوقف فوري لإطلاق النار بغالبية 153 صوتا إيجابيا، ولم يصوت ضده إلا عشر دول من بينها الولايات المتحدة وغواتيمالا وليبيريا وباراغواي والتشيك وحفنة من الدول الجزرية الصغيرة، بينما صوتت 23 دولة بـ”امتناع”. وجوهر القرار الوقف الفوري الشامل لإطلاق النار لأسباب إنسانية، وإطلاق جميع الرهان وحماية جميع المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية بدون انقطاع.
وهذا هو القرار الثاني الذي تعتمده الجمعية العامة، حيث صوتت على مشروع قرار يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر وأجازته بغالبية 120 صوتا (ثم أضاف العراق صوته متأخرا) ومعارضة 14 دولة وامتناع 44 دولة.
والفرق بين القرارين بيّن. فقد زاد عدد المؤيدين هنا 33 دولة، ونقصت الأصوات السلبية أربعة ونقص عدد الممتنعين 21 دولة. وهذا تحول كبير وواضح نحو قناعة معظم دول العالم بضرورة وقف إطلاق النار.
وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة قانونا، على عكس قرارات مجلس الأمن الدولي، إلا أنها تعكس الرأي العالمي الذي بدأ يتصاعد باتجاه توافق عالمي لضرورة وقف إطلاق النار الشامل، وليس هدناً إنسانية كما أشار قرار الجمعية السابق وقرار مجلس الأمن 2712 الذي اعتمد يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، باستثناء الدولتين المشتركتين فعلا بحرب الإبادة، الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ويمكن أن يؤثر ثقل هذا القرار المهم على قرارات الدول الأعضاء ويؤدي إلى وصم بعض الممارسات الإسرائيلية بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتزداد عزلة الكيان ويتحول هذا الزخم إلى تيار عالمي مناهض مثلما حدث مع الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وأمثلة أخرى. كما يمكن أن تسفر هذه القرارات عن إجراءات دولية تؤثر على الأوضاع على الأرض.

وقف لأسباب إنسانية إطلاق النار

خرج وفد السفراء العرب وكانوا في منتهى السعادة. هُزمت أولا محاولة النمسا إقحام تعديل على مشروع القرار يذكر الرهائن المحتجزين لدى “حماس” بالإسم، ثم هزمت محاولة الولايات المتحدة إقحام تعديل أكبر على مشروع القرار بإدانة حركة حماس وما قامت به من استهداف للمدنيين وقتل أطفال واغتصاب، وضرورة منح الصليب الأحمر فرصة زيارة الرهائن.
وقف الوفد العربي بعد التصويت أمام الصحافة ليعبر عن سعادته، وقال سفير فلسطين رياض منصور، للصحافيين بعد اعتماد القرار إن العالم شاهد موقفا قويا ونبيلا وعظيما للجمعية العامة بتأييد 153 عضوا مقابل معارضة 10 لاعتماد قرار يلزم سلطة الاحتلال الإسرائيلي بأن توقف لأسباب إنسانية إطلاق النار بشكل فوري.
وأوضح منصور وهو محاط بممثلي الدول العربية والإسلامية الأعضاء بالأمم المتحدة، أن القرار يلزم سلطة الاحتلال الإسرائيلي بأن توقف لأسباب إنسانية وقف إطلاق النار وبشكل فوري. وهذه لها قوة إضافية في الدورة الطارئة العاشرة: “متحدون من أجل السلام”. وأضاف أنهم يأملون وسيعملون على أن يتم الالتزام بوقف إطلاق النار الإنساني وفورا كما دعا إلى ذلك الأمين و 13 دولة في مجلس الأمن، وكما دعت إلى ذلك الجمعية العامة.

هل ستنصاع إسرائيل للقرار؟

استند رياض منصور في تعليقه أمام الصحافة التي ألحت عليه لتوضيح أهمية هذا القرار، على قوة انفاذ القرار إلى مصطلح “يطلب أو يأمر أو يفرض” ترجمة لكلمة demand وأنها أقوى كثيرا من كلمة يدعو أو يناشد. وهذا طبعا لا ينسجم مع حقيقة أن قرارات الجمعية العامة، على أهميتها المعنوية والأخلاقية والقيمية، لا ترقى إلى مستوى قرارات مجلس الأمن الملزمة للدول الأعضاء بموجب البند 25 من الميثاق الذي يجبر أعضاء المنظمة الدولية بدون استثناء بالالتزام بالقرارات الصادرة عن المجلس.
فالرد الإسرائيلي على هذا القرار لم يتأخر كثيرا، فقد تكلم ممثل الكيان الصهيوني لدى المنظمة الدولية، جلعاد أردان، وكان الغضب والقهر والعزلة تظهر على لغة الجسد في كل حرف يقوله مهاجما القرار والذين صاغوه لأنه فشل “في إدانة حماس بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بل إنه لم يذكر حماس على الإطلاق. وهذا لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الموت والدمار في المنطقة، وهذا بالضبط ما يعنيه وقف إطلاق النار”. وفي حركة مسرحية تعودنا أن نراها من كافة المتكلمين الصهاينة في قاعة الجمعية العامة، رفع يافطة كتب عليها رقم هاتف يحيى السنوار وصورته، ونصح الدول الحاضرة في القاعة أن يتصلوا بالسنوار والطلب منه الاستسلام ورفع الراية البيضاء ليكون هناك وقف إطلاق النار. هكذا بكل بساطة يريد للجمعية العامة أن تحقق لجيش المجازر الإسرائيلي ما عجز عن تحقيقه خلال 68 يوما. لكن كل حرف نطق به كان يدل على هزيمته المعنوية.
لكن الحقيقة أن قرارات الجمعية العامة لا تصبح قانونا دوليا بل تتحول إلى توصيات مهمة قد تختار الدول أن تنفذها. فمثلا لو أن هذه الدول الـ 153 أرادت أن تتخذ خطوات أحادية لتجسيد معنى القرار لاستطاعت أن تغير المعادلة خلال 24 ساعة. وأول هذه الخطوات يجب أن تأتي من الذين تبنوا مشروع القرار وتقدموا به للتصويت عليه أي المجموعة العربية والإسلامية المكونة من 57 دولة التقت في مؤتمر قمة مشترك في الرياض في 11 تشرين الأول/نوفمبر بعد 35 يوما من المجازر وأصدرت بياناً طويلاً مكونا من 32 بندا، تتصدر فقراته المصطلحات: تدعو وتدين وترفض وتؤكد وتطالب وتشجب. البند الوحيد في البيان الختامي الذي يحمل بعدا عملياتياً هو البند السادس الذي يدعو إلى كسر الحصار وفرض إدخال قوافل المساعدات الإنسانية بشكل فوري. ثم تبعه البند السابع الذي ينقضه تماما وذلك بتفويض مصر أن تعمل بكل إمكانياتها لإبقاء المعبر مفتوحا وإدخال المساعدات إلى القطاع “بشكل فوري ومستدام وكافٍ”.
من بين الدول السبع والخمسين هناك ما لا يقل عن 15 دولة تعترف بالكيان وتتعامل معه. وبعضها وقع معه اتفاقيات أمنية وتجارية وعسكرية. وبعض الدول العربية تقيم علاقات غير علنية وتسمح للطيران الإسرائيلي أن يستعمل المجالات الجوية لتلك الدول، ما يوفر ملايين الدولارات بسبب اختصار مسافات السفر وخاصة إلى شرقي آسيا.

قرارات جادة

لو أرادت هذه الدول، وخاصة العربية، أن تفعّل قرار الجمعية العامة لاتخذت قرارات جادة وقدمت النموذج المتقدم للدول الأخرى التي صوتت لصالح القرار من خارج الدول العربية والإسلامية وهي الأغلبية.
– عليها أن تفعل أولا قرار كسر الحصار بإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كبيرة عبر معبر رفح حيث تتكدس مئات الأطنان منها في مطار العريش والمخازن الملحقة به. ويتم إدخال عدد محدود جدا من الشاحنات لا تكفي لإنقاذ وضع إنساني واحد في مركز حماية أو مستشفى.
– تقوم الدول العربية التي لها علاقة بإسرائيل والدول المطبعة معها بتجميد العلاقات وسحب السفراء وإغلاق السفارات على طريقة دول أمريكا اللاتينية.
– تقوم الدول الإسلامية بعدها، مثل تركيا والسنغال ونيجريا والبوسنة والهرسك وتشاد وأذربيجان وطاجيكستان وأوزباكستان بتخفيض العلاقات وسحب السفراء وتعليق العلاقات التجارية مع الكيان الصهيوني ووقف أي معاملات دبلوماسية إلى أن تصغي للقرار وتحترم بنوده وتوقف عمليات سحق المدنيين.
– تتفق على عقد مؤتمر ثانً على مستوى الرؤساء في نيويورك وتصدر موقفا موحداً يقوم على أساس إعطاء مهلة لا تزيد عن 24 ساعة لوقف إطلاق النار وإلا فالإجراءات العقابية والرادعة للكيان ستدخل مرحلة التنفيذ الفوري.
لقد تعودنا على أن الخطابات القوية والمنمقة قد تثير الاعجاب، وخاصة كلمة سفير باكستان منير أكرم، الذي أسماه رياض محامي المجموعتين العربية والإسلامية، لكن الخطابات لا تنقذ طفلا ولا تمنع هدم مدرسة. وفي كل مرة يحدث اجتماع لمجلس الأمن أو للجمعية العامة، أو للجامعة العربية أو للقمة العربية والإسلامية يزداد القصف وحشية بطريقة أقسى من السابق، وكأن الكيان يقول لهذه الدول: لكم الخطابات ولنا الفعل على الأرض بمزيد من القنابل والصواريخ والقذائف والقتل. فبعد قرار الجمعية العامة الأخير هدمت إسرائيل أكبر مدرسة للأونروا واقتحمت مستشفى كمال عدوان واعتقلت الطواقم الطبية والصحية، ودمرت المسجد العمري التاريخي واقتحمت جنين. وأعتقد أن لسان حال المحاصرين يقول: “ماذا جنينا من قراراتكم إلا مزيدا من القتل والدمار؟”.
إسرائيل منذ إنشائها بقرار من الجمعية العامة وحتى اليوم وهي في حالة انتهاك لقرارات الجمعية ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي حالة انتهاك لاتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة. فما الذي تغير هذه المرة ليعتقد أحد أن إسرائيل ستنصاع لقرار الجمعية العامة وهي التي لم تعط بالا لقرار مجلس الأمن قبل هذا القرار بأقل من شهر؟ فعلى ماذا تراهن المجموعتان العربية والإسلامية. فإما أن يتحول الخطاب إلى فعل ملموس على الأرض يشعر به أهل غزة والضفة الغربية وإما أن تعترفوا بعجزكم واتركوا الكلمة للمقاومة الشجاعة لتصنع فجرا جديدا لشعبها المظلوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية