يتشكل جزء أساسي من من «مثقف» الغد وإنسانه. وعندما لا يتم الحرص على إعداد هذا الجمهور، وهو في فترة التكون العاطفي والعقلي، لا يكون الحديث عن «القراءة» والاهتمام بالأمور الثقافية، أو بما يتعلق بها، إلا حديث خرافة. وهنا يأتي دور المعلم والأستاذ (المدرسة) والإعلامي (الصحافة) والأسرة (البيت).
عندما نحضر اليوم ملتقيات ثقافية في مختلف البلاد العربية لا نجد أثرا للجمهور الثقافي. لا يتعلق الأمر فقط بالملتقيات التي تنظمها وزارات الثقافة، أو جهات محلية، ولكن بالجامعة، أيضا، حيث الجمهور موجود على الدوام في فضاءاتها وبين أروقتها. لكن هذا الجمهور لاه عما يجري من حوله: فبعض الأساتذة يقاطع الندوة لأنه على خلاف مع بعض أعضاء اللجنة المنظمة، والطلاب لا علاقة لهم إلا بالدروس للحصول على العلامات؟
وحين تلحظ، سواء في الجامعة أو خارج أسوارها، الأعداد الغفيرة من الجماهير التي تحج لحضور «حفلات افتتاح» الندوة، لا يمكنك إلا التعجب من الذين يتحدثون عن غياب الاهتمام بالشؤون الثقافية في وطننا العربي. وخلال حفل الشاي لا يمكنك، أحيانا، الظفر بقطعة حلوى أو مشروب إلا بشق الأنفس. ولما تبدأ أشغال الندوة، لا تجد نفسك إلا أمام المشاركين وقليل من الحضور؟ وفي باقي الجلسات، لا يتغيب، فقط، « »، ولكن أيضا بعض المشاركين الذين يرون أن مهمتهم تنتهي بتقديم المداخلة، ولا يبقى، داخل القاعة، غير المصور، ومن على المنصة، أو بعض الفضوليين الذين يودون التدخل لغاية محددة، وليس الإنصات وإثراء الأوراق واحدا منها على أية حال.
لكن حين تكون وجبات الغذاء مفتوحة قد لا تجد لك مقعدا إلى طاولة، وعليك بالطابور. لقد صار الجمهور جمهور الافتتاح للقاء المسؤولين، والتقاط الصور، واختطاف طرف للحكي. وإنه أيضا جمهور الطعام الذي تهمه المعدة، لا العقل أو الثقافة. قد يكون السبب هو نوع الندوات التي صارت تنظم ..وهذا صحيح إلى حد ما، لأنها صارت لا تهم أحدا، ولكن ذلك ليس هو السبب الجوهري، أو العامل الوحيد.
أسباب غياب « » كثيرة ومتعددة، ولا يمكن اختزالها في سبب دون آخر. ويتقاسم المسؤولية فيها المنظمون والمدعوون والمناخ الثقافي العام. وحين نقارن الجمهور الرياضي والفني مع الثقافي نجد البون شاسعا. ومعنى ذلك أن الجمهور موجود، ويمكن إلى حد ما، أن يكون جمهور الرياضة والفن، جمهورا ثقافيا أيضا. ولكن لماذا لا يتفاعل هذا الجمهور مع الندوات ذات الصبغة الثقافية أو الأدبية؟ لقد صارت وسائل الاتصال الجماهيري منتشرة، والإخبار عبر الرسائل النصية، يجعل التواصل مع هذا الجمهور متأتيا بصورة كبيرة، وهو ما لم يكن في العقود السابقة، حيث كانت الأخبار الثقافية تتم عبر الجريدة، أو بعض الملصقات البدائية. نسوق هذا فقط لإبراز أن المشكل لا يتعلق بالإخبار أو التواصل، أو بزمن التنظيم الذي لا يتلاءم مع الجمهور، كما يقدم ذلك عادة للتبرير.
أتذكر أن المحاضرة، والندوة في السبعينيات وحتى الثمانينيات كانت تضيق بالجمهور. وكان مدرج كلية الآداب بفاس أو مدرج ابن خلدون بالرباط لا يتحمل الأعداد الغفيرة من الجمهور. كان الطلاب يتسابقون على المقاعد مع الأساتذة. وحين تكون الندوة يظل الجمهور فارضا حضوره حتى انتهاء الأيام الثقافية. أما حين تكون مناقشة رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في فاس أو الرباط، فكان الجمهور يأتي من أقصى المدن البعيدة مثل أكَادير وطنجة ووجدة. ونفس الشيء عن مناقشة أطاريح الدكتوراة التي كانت تمتد لساعات، وأحيانا من الثالثة بعد الزوال، إلى الثامنة والنصف ليلا. وكان الجمهور مستعدا لمتابعة المداخلات حتى الصباح، بلا ضجر أو ملل. نحن الآن نناقش، أحيانا، رسائل الدكتورة في منصة تضم لجنة المناقشة، وطاولة معزولة للطالب المترشح. وليس أمامنا سوى الكراسي الفارغة. حتى العائلة لم تعد معنية بحصول ابنها على درجة الدكتوراة، فلا يشارك أحد منها لحظة تقدم الابن للمناقشة؟ في حين كانت الزغاريد تدوي في وسط الظلام بعد إعلان النتيجة. صارت الآن مناقشة الأطروحة لا تتعدى عدة دقائق معدودات لكل مناقش؟ وبلا جمهور في أغلب الأحيان.
لا شك أن الثقافة والنشاط الثقافي لم يعودا يهمان المشتغلين بهما، فكيف بالجمهور الواسع العريض. كان جزء أساسي من النشاط الثقافي يتصل، بشكل أو بآخر، بالسياسة. وفي هذه الأثناء كان المهتمون بقضاياها يرون أنفسهم منغمسين في الشأن الثقافي باعتباره شأن اجتماعيا. فكانوا يشكلون طرفا مهما من المنخرطين في النشاط الثقافي، وفي الوقت نفسه قاعدة عريضة من جمهوره، فيستقطبون التلاميذ والطلاب والعاطفين من مختلف الفئات. بل إن هذا النشاط الثقافي، في أحيان كثيرة، لم يكن إلا غطاء لفعاليات سياسية، ولاسيما في فترات القمع. لكن السياسة لم تعد، بدورها، تغري حتى المنشغلين بها، سواء كانوا فاعلين أو مهتمين. ويكفي أن نعاين تجمعات الأحزاب، فنجد الجمهور السياسي لا يختلف كثيرا عن نظيره الثقافي. وحين تفاجئك الأعداد الغفيرة في تجمع سياسي ما، فلا داعي لأن تتعجب، أو تستغرب، فليس هذا الجمهور إلا من طينة جمهور الافتتاح والطعام. وأن عددا كبيرا جاء في حافلات خاصة، وموعود بقضاء مآرب عاجلة.
لقد أضعنا معنى الثقافة، ودلالة السياسة، فصار جمهور الثقافة يراهما، معا، بلا دلالة، وجمهور السياسة يراهما، أيضا، بلا معنى؟ فأنى لنا تشكيل مثقف الغد وإنسانه؟
سعيد يقطين