في الشهر الماضي توجه ايهود اولمرت لزيارة الولايات المتحدة، وخلال طريقه نحو غايته المقصودة تفوه بالتصريح التالي حول الذرة: في مقابلة مع نيوز ويك قال بأن علي طهران ان تبدأ بالخوف لان اسرائيل تملك خيارات كثيرة لمواجهة التهديد النووي الايراني. اولمرت أدلي ايضا بتصريح للصحافيين المرافقين له في رحلته بأنه اذا خافت ايران فستصبح لديها دافعية للتنازل عن مشروعها النووي. وفي خطابه أمام الجالية اليهودية في لوس انجلوس صرح بأن اسرائيل لن تتحمل وضعا يصبح فيه لدي ايران سلاح نووي. في الاسبوع الماضي توجه ايهود اولمرت لزيارة المانيا وايطاليا، وفي مقابلة مع التلفزة الالمانية سخر من قدرة ايران النووية علي التصرف بالمسؤولية المطلوبة بالمقارنة مع دول نووية مثل امريكا وروسيا وفرنسا واسرائيل.
في الدولة التي تتحلي بالمسؤولية يكون هناك تواصل وارتباط بين التصريحات التي أُطلقت في الشهر الماضي وبين تلك التي أُطلقت في الاسبوع الماضي. وفي الدولة السليمة المعايير لا يتلفظ الرئيس إلا بأمور محسوبة سلفا. بكلمات اخري، تبدو تصريحات اولمرت في الدولة التي تتحكم في عملية صنع القرارات في قضية الذرة وتسيطر علي تصريحاتها وكأنها عملية مخططة مضبوطة، تخرج في اطار الصراع الذي تخوضه ضد تسلح ايران النووي. حتي في ظل الظروف التي خرجت فيها الرسالة علي لسان رئيس الدولة السليمة المعايير، تظهر زلة اللسان في صورة محكمة الاخراج: كبوة من الرئيس. المواطنون المتفائلون قد يعتقدون ان مقود السفينة التي يُبحرون علي متنها موجود في أيدي أمينة، وان الطريقة التي يخرج فيها المارد النووي من زجاجة التعتيم والغموض، تتم بناء علي دراسة معمقة وإثر نقاشات هامة جدا في اطار الدوائر ذات العلاقة في هذه المسألة الحساسة. وان الصيغة التي تم اختيارها لذلك تشير الي فطنة وحكمة كبيرتين: الاشارة الي كون اسرائيل دولة نووية والتنصل من ذلك في نفس الوقت، أحدثت صدعا في جدار التعتيم النووي وإبقائه مع ذلك قائما علي حاله. الصعود بدرجة في سلم التحذيرات الموجهة لايران والبقاء في مستوي الردع القائم. ولكن معلوماتنا تشير الي ان سلسلة تصريحات اولمرت النووية لم تكن نتيجة لتوصيات الجهات الاختصاصية المسؤولية عن هذا المجال، وانما كانت وليدة مهاراته وأسلوبه الشخصي. السياسة الرسمية الاسرائيلية في مجال التعتيم النووي لم تتغير، كما هو معروف، وهي تواصل التصريح بأنها لن تكون أول من يُدخل السلاح النووي الي المنطقة.
أضف الي ذلك ان الجهود الدولية التي تُبذل الآن لكبح تطوير السلاح النووي الايراني تعتمد في السياق علي هذا الموقف الاسرائيلي، وليس من مصلحة القدس، بالمناسبة، ان تعرقل هذه المساعي. كان من الممكن الاعتقاد بأن زلة لسان اولمرت ترمي الي حث الأسرة الدولية علي تكثيف مساعيها لردع ايران عن مواصلة انتاج البلوتونيوم، الا ان هذا الافتراض لا يتساوق مع الادراك العالي أصلا من قبل اوروبا وامريكا لهذه المسألة. من يرغب في معرفة الضرر الذي تسبب به اولمرت، اذا أخذنا في الحسبان معرفة العالم أصلا بقدرات اسرائيل النووية، عليه ان يطلع علي تصريحات البروفيسور يئير عبرون، المختص المعروف في هذا المجال. عبرون يقول إن سياسة التعتيم النووي دفعت الدول العربية للتسليم بوجود المارد في القمقم الاسرائيلي. وهي ايضا تسهم في كبح اسرائيلي داخلي في مجال الذرة: الاجهزة الاسرائيلية المسؤولة عن ذلك تعمل من خلال الافتراض بأن هذه القدرة لن تُستخدم بالمرة، وانها موجودة من اجل الردع فقط. تغيير مستوي التصريحات قد يُضعف هذا السد المانع.
الاستنتاج المترتب علي ذلك: الجمهور لم يشاهد في هذا الاسبوع مناورة سياسية حاذقة وانما استعراضا هاويا آخر من عروض رئيس الوزراء.
عوزي بنزيمانكاتب رئيسي في الصحيفة(هآرتس) 17/12/2006