الجنجويد والبلطجية والشبيحة: تعددت الوسائل والقمع واحد

حجم الخط
0

عبد الحميد صياملماذا يثور الناس؟ لماذ تتمرد الأقليات؟ لماذا تنفجر الشعوب ضد حكامها؟ لماذا تتمرد القبائل في بلد ما ولا تتمرد نفس القبائل في بلد مجاور؟ لماذا تنفصل إرتريا عن إثيوبيا بنسبة 97′ وتيمور الشرقية عن أندونيسيا بنسبة 98′ وجنوب السودان عن السودان بنسبة 99′ بينما تفشل كل محاولات انفصال مقاطعة كيبك عن كندا وترفض بورتو ريكو الانفصال عن الولايات المتحدة في كل مرة يجري فيها الاستفتاء حول وضع الجزيرة القانوني؟ لماذا ترفض كورسيكا الانفصال عن فرنسا؟

ولماذا لم تستطيع حركة الباسك الانفصالية حشد تأييد شعبي يضغط باتجاه الانفصال عن إسبانيا؟ لماذا يحاول الشيشان الانفصال عن روسيا فتدوسهم الدبابات بينما يحاول الأبخاز الانفصال عن جورجيا فتحميهم الدبابات الروسية؟

تتلخص الإجابة عن جميع هذه الأسئلة وغيرها في كلمتين: الظلم والعدل.

فكلما كان الظلم والقهر والاضطهاد وكتم الأفواه والتعذيب والفساد والاستئثاروالتهميش هي الصفات العامة لنظام الحكم كلما بدأت عوامل التمرد والانتفاضة والثورة تتجمع بانتظاراللحظة الحاسمة. والعكس صحيح، فكلما ساد العدل وتحققت المساواة وثبتت سيادة القانون وتساوى الناس في الحقوق والواجبات، وفتحت الفرص المتكافئة أمام الجميع ووجدت الأقليات فرصة لها للتعبير عن ثقافتها واستندت إلى قانون يحميها وأتيحت لها فرص التقدم والإبداع والإنتاج دون خوف من إضطهاد أو تهميش أو مصادرة، كلما تعززالانتماء للوطن وانتفت الأسباب التي تدعو الجماعات العرقية أو الدينية للتمرد والعصيان وحمل السلاح ضد نظام الحكم.

الأنظمة السلطوية وممارسات الطغاة من المعروف أن هناك نوعين أساسيين لأنظمة الحكم وهناك تفرعات عديدة تندرج تحت كل نوع.

والنوعان هما: نظام يمثل شعبه حقيقة بدون تزوير يخضع لنظام راسخ من القانون ينطبق على كل من يتسلم السلطة التنفيذية أو يجلس في مقر السلطة التشريعية أو يمارس القضاء باستقلالية. نظام يسمح بتداول السلطة فتصبح السلطة معارضة والمعارضة سلطة والجميع يخضع لنظام تمثيلي سليم يحافظ عليه دستور متفق عليه من كافة أو الغالبية الساحقة من الشعب وتراقبه صحافة حرة لا حصانة فيها لأحد حتى لو كان الرئيس.

وهناك نظام ثان لا يمثل الشعب ولا يخضع للمساءلة وتبقى السلطة في يد قائد واحد أو حزب واحد أو عائلة واحدة.

نظام لا يخضع لقانون ولا ينصاع لإرادة الشعب ولا يقيم وزنا لرأي عام. يمارس الفساد ويحمي الفاسدين ويهدر ثروات البلاد و’يبعزقها’على نزوات الفئة القابضة على’خناق’ الوطن. نظام لا يعتمد على الكفاءة والمؤهلات بل على الولاء المطلق.

يعتمد على ذوي القربى ويستبعد كل من يشك في ولائه. نظام يعتمد على الترهيب بدل الإقناع وعلى التعذيب بدل إحترام كرامة المواطن وعلى القتل بدل اعتماد نظام قضائي عادل.

لهذا السبب يبقى هذا النوع من الأنظمة خائفا لا يثق بأحد ولا يقيم وزنا لقوى الشعب المدنية ويحاول أن يفرض هيمنته على الناس بالقوة والترهيب والتهديد أو بالإغراء والرشوة وشراء الذمم.

الأجهزة الأمنيةفي الدول التي تمثل حقيقية شعوبها، يقوم الجيش بحماية الوطن وحدوده وسلامة أراضيه، وتعمل كافة الأجهزة الأمنية على حماية الشعب ودرء الخطر عن المواطنين وملاحقة المجرمين والعصابات والقيام بخطوات إستباقية ووقائية لتفكيك مصادر الخطر قبل وقوعه.

أما في الأنظمة الدكتاتوية فيتم تحويل كافة الأجهزة العسكرية والأمنية لحماية النظام المكروه أصلا لا حماية الوطن والمواطن.

كل الأجهزة الأمنية ودوائرالمخابرات تخصص أنشطتها للتجسس على المواطنين وتفكيك شبكات المعارضة وإرهاب العناصر المناوئة للنظام وقتل من يشكل خطراعلى النظام وإخماد أي تحرك حقيقي ضده عن طريق الاعتقال والتعذيب وارتكاب المجازر إذا لزم الأمر.

هذه الممارسات ليست حكرا على نظام دكتاتوري بل أصبحت علما واسعا يغرف منه كل نظام قاهر سواء كان نظام بنوشيه في تشيلي أو عيدي أمين في أوغندا أو شاوشيسكو في رومانيا أو ستالين في روسيا أو هتلر في ألمانيا أو كيم إل سونغ في كوريا الشمالية أو بول بوت في كمبوديا.

الأنظمة العربية الدكتاتورية لا تختلف عن نظيراتها العالمية بل قد تبزها جميعا في درجة الاستخفاف بالشعب وقواه الحية وإغلاق كافة قنوات الحوار والإصغاء إلى المطالب والتعامل معها والتمادي في إرهاب القوى المعارضة للنظام والرد عليها بالقتل والتعذيب وارتكاب المجازر كما حدث في حلبجة بالعراق وحماة في سوريا وجنوب اليمن عام 1994 عند محاولة الانفصال ومذابح الجزائر بعد إلغاء الانتخابات نهاية عام 1991 ومذابح سجن بوسليم وبني وليد في ليبيا والقائمة تطول. لقد أبدعت تلك الأنظمة في عمليات إخضاع شعوبها بالحديد والنار وتفتقت عبقرياتها عن إيجاد دوائر عديدة مهمتها البطش والتنكيل والترهيب والإخضاع وسأتعرض لثلاثة أمثلة قدمتها أنظمة الحكم في السودان ومصر وسوريا مساهمة منها في علم البطش والسحل والتدمير.

الجنجويد والبلطجية والشبيحة هناك أشياء مشتركة عديدة بين التشكيلات الأمنية السرية الهادفة إلى ترويع المواطنين ومعاقبة المتمردين على النظام والشاقين لعصا الطاعة. يمتازون أولا باستخدام العنف اللامحدود. القتل والتمثيل والتلذذ بالتعذيب صفات مشتركة. لا حرمة لصغير أو شيخ أو إمرأة أو رضيع أو مريض أو كاتب أو صحافي أو ممثلة أو مغنية أو نجم رياضي.

الكل سواء والعنف المفرط أو القتل أو التمثيل في الجثثشيء لا يتثير لدى هذه الجماعات أي تأنيب داخلي لأنها تفتقد أصلا إلى ما يسمى الضمير أو الوازع الداخلي أو مخافة الله أو القانون.

الصفة الثانية؛ أن هذه الجماعات تعمل أيضا لحسابها الخاص، تسرق وتنهب وتكوش على الثروات التي تنهبها لأنها تعرف أن نظام المحاسبة معدوم وأن نظام الطاغية بحاجة إليهم مهما فعلوا ومهما عاثوا فسادا وخرابا.

والصفة الثالثة أنهم مهووسون بالمرأة ولا يتورعون عن ممارسة الإغتصاب فرادى وجماعات، صغارا وكبارا. يمارسون التعذيب والترويع قبل الاغتصاب وبعده، ثم بعد ذلك قد يمارسون سادية القتل.

أما الصفة الرابعة فهولاء الجماعات أقل وعيا وثقافة وتعليما. يتم تجنيدهم قبل الانتهاء من المدارس الثانوية، وبالكاد تجد واحدا منهم جلس على مقاعد الجامعة ولو يوما واحدا.

يعتدون بعضلاتهم وشنباتهم وفحولتهم أكثر مما يعتدون بعقولهم. شرهون في المأكل والمشرب وطلب اللذة وطلب المال والقوة. نظام عمر البشير أبدع في إنتاج جماعات إسمها الجنجويد، ووزارة الرعب في مصر التي قادها حبيب العادلي نيابة عن رئيسه الأبله مبارك أنتج نظام البلطجية ونفس التركيبة أبدعتها عبقرية علي عبد الله صالح تحت مسمى البلاطجة أما نظام الأسد فقد تفوق على كل نظرائه بإطلاق أيادي الشبيحة في كل أرجاء سوريا ولبنان مستفيدا من خبرات عريقة في علم التشبيح والبلطجة والزعرنة والشللية والمافيوسوية. عن الجنجويد حدث ولا حرج.

أول من ساهم في إنشاء هذه الميليشيات الدموية معمر القذافي للانتقام من هزيمته في تشاد.

ثم حولهم البشير لخدمة أهدافه بالتصدي لجيش تحرير السودان في دارفور منذ عام 2003. يقدر عدد من أبادتهم هذه الميليشيات الدموية بأكثر من 200,000 على أقل تقدير.

وقد أوصلت ممارسات الجنجويد في دارفور نظام البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية حيث وجهت له و ل 51 آخرين تهما بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجريمة الإبادة البشرية.

لقد ارتكز نظام مبارك وخاصة في سنواته العشر الأخيرة على البلطجة الأمنية والسياسية والاقتصادية والإدارية.

تحول النظام برمته من أعلى القمة إلى أصغر شرطي إلى نظام أهوج جائر قاهر فاسد لا يراعي قانونا أو يحتكم إلى منطق أو قانون. لقد ارتكب بلطجية النظام من الفظائع في مصر على مدى نحوعشرين عاما ما لا يمكن حصرها في مقال.

حملة البلطات، كما ينص الإسم، من مدمني المخدرات واللصوص ومرتكبي الجرائم، تم تجنيدهم للترويع والترهيب والقتل مقابل جنيهات قليلة وإعفاء من الاعتقال والمساءلة.

في غضون نحو أسبوعين من إنطلاق ثورة 25 يناير قتلوا ما يزيد عن 800 مصري واعتدوا على المتظاهرين والأجانب وهتكوا عرض الحرائروحطموا كاميرات الصحفيين، لقد كان البلطجية ورقة النظام الأخيرة وعندما لم ترهب الجماهير سقط النظام فقد كان التيار الجماهيري العارم أكبر من أن يقف في وجهه ثلل من القتلة والمجرمين فانتهى بهم الحال إلى السجون أو الاختفاء كالخفافيش.

أما شبيحة النظام السوري فهم فرق موت يزيد عددها على العشرة آلاف شاب شكلها مالك إبن الشقيق الأكبر لحافظ الأسد عام 1975 عند الدخول إلى لبنان ثم إنضم إلى تشكيل المجموعات عدد من عائلة الأسد مثل نمير ومنذر وهلال وهارون وغيرهم من آل الأسد. والاسم قد يكون مشتقا من الشبح الذي يؤذي ولا يراه أحد وقيل من شبح الضحايا للتعذيب والسلخ قبل الموت وقيل لأنهم يستعملون سيارات الشبح في المطاردة فلا يفلت من قبضتهم أحد. إنهم قتلة محترفون مارسوا كل الفظائع في لبنان وعندما أخرجت القوات السورية من لبنان عام 2005 جفت كثير من مصادر الشبيحة فتحولوا إلى الشارع السوري يبحثون عن فتافت الأمور إلى أن جاءت الفرصة الذهبية بانطلاق الانتفاضة السورية ضد النظام في الخامس عشر من شهر آذار مارس 2011. لقد تحول الشبيحة من عصابات لترويع المعارضة مقابل مكاسب شخصية إلى سلاح قاطع لحماية نظام آيل للسقوط عن طريق الإفراط في القتل وارتكاب المجازر وترويع المواطنين آملين أن يخمدوا الثورة.

لكن تطور الأحداث أثبت أن الشعب السوري قد تجاوز عقدة الخوف وصمم على الاستمرار في ثورته إلى أن يطوي صفحة هذا العبث اللامتناهي بأرواح البشر وأمنهم الإنساني وكرامتهم وعرضهم وشرفهم. لا جهازالسافاك إستطاع أن يحمي الشاه من السقوط ولا فرق الحماية (الإس إس) أنقذت نظام هتلر من الدمار ولا مرتزقة القذافي أطالت في عمر النظام عندما انتفض الشعب الليبي.

وكما تبخرت جموع البلطجية في مصر واليمن وانحلت فرق الجنجويد أو انضمت للجيش السوداني لن تتمكن فرق الشبيحة من حماية نظام القهر والظلم والاضطهاد في سوريا.

المسألة مسألة وقت فقط. ولنا موعد مع فجر حرية عربي لا يبقي على هذه الأنظمة البالية التي تنتمي للعصور الوسطي وملوك الإمارات الأوروبية الذين تتلمذوا على أيدي مايكفلي وكتابه ‘الأمير’. إنتهى تأثير مايكفلي في أوروبا والعالم ولم يبق له إلا مجموعة أتباع في بلاد العرب يعيشون الفصل الأخير من مسلسل القمع الطويل ليبدأ بعد ذلك مسلسل جديد عنوانه الحرية والكرامة والعدل والمساواة.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية