الجنرال بالفيديو كليب !

حجم الخط
0

خيري منصور

خطرت ببالي الفكرة بعد مشاهدة متعمّدة لعدة اغنيات عربية حديثة صوّرت بالفيديوكليب، واتّضح لي ان اللعبة كلها موظفة لحجب الصوت والتعامل البصري بالعين مع الاغنية، لكن ليس علي الطريقة التي عبّر بها بشّار بن برد حين قال بأن الاذن تعشق قبل العين احيانا، فالشاعر يري بأذنه وقد يشمّ بعينيه، وحكاية الخلط بين الحواس ليست مقترنة بالسوريالية كما يظن البعض، انها قديمة قِدم هاجس الجنون والمغامرة، واجتراح آفاق تحرر الحواس من الرّتابة ومتواليات المألوف العضوي. اغنية الفيديوكليب قد لا يظهر فيها المغني او المغنية الا قليلا وفي مشاهد وأوضاع لا علاقة لها من قريب او بعيد بالمناخات التي تقدمها الكلمات، وهناك من ينوبون عن المغني راقصون وراقصات، ومشاهد تراوح بين الايروتيكية والاستربتيز، وهذه هي الحيلة التي لجأ اليها مخرجون وفنانون في بلدان تبحث عن بديل مسموح به لأفلام البورنو… ثمة علي الدوام تحويم او تحليق حول المحرّم والممنوع لكن المرغوب بشبقية هو حصيلة المكبوت المزمن.

وسواء تمّت الاحالة الي الذاكرة الجنسوية بالايماءات او بالمجاز اللغوي الذي تعجّ به هذه الامبراطورية المترامية الارداف فإن تواطؤا ما، طرفاه المنتج والمتلقي ينوب عن التصريح بواسطة التلميح، وبالطبع يضيع الكثير من الجهد والوقت لقول ما يمكن قوله في عبارة واحدة وفي اقل من نصف دقيقة.. ليس من هدفي هنا مناقشة الفيديوكليب في الغناء او المشاهد الاستعراضية ـ الاستعرائية والتي تضاعف لدي العربي المصاب أساسا بالغوريزم الفضول البصري للتلصص، واساءة استخدام العيون في التعامل مع الآخر. هدفي ببساطة هو ما أسميه الخطاب السياسي بواسطة الفيديوكليب، وهنا أقترح علي مخرجٍ لم يشمله التدجين بعد ان يختار خطابات سياسية لزعماء عرب خلال نصف قرن فقط… ويفضّل ان تكون الاختيارات لمن هم أكثر راديكالية في الشعار والوعود، خصوصا المرحلة الانقلابية التي كانت السلطة تستمد شرعيتها من دبابة ونشيد وبيان عسكري بعد اعلان منع التجوّل.. ولو أخذنا من اكثر الخطابات السياسية رواجا عيّنات ذات علاقة بتحرير المواطن من الشقاء والفقر والجهل، اضافة الي تحرير فلسطين التي كانت ولا تزال توغل في الغياب والاحتلال كما لو ان الامر يتناسب عكسيا مع وعود الخطاب، فإن ما أقترحه علي المخرج هو التالي:

يقول الزعيم: اننا نعمل طوال الوقت علي انقاذ المواطن من آفات الحاجة والارتهان، فيقدم المخرج علي الفور مشاهد لمتسولين تناسلوا كالأرانب في عهد الزعيم، وطوابير من الناس يقفون أمام المخابز والحوانيت، ويقول الزعيم:

ان الحرية هي مبرر سعينا نحو السّلطة، لأننا نهدف الي تحرير البشر اولا.. فلا حرية او تحرير للأرض بلا تحريرا الانسان.

هنا يقدم المخرج مشاهد متعاقبة لمن يسمون في أدبيات النظام العربي الحرّ زوار الفجر، وتتحدث أرامل عن أزواج اختفوا في السّجون، وتجري مقابلة سريعة مع ابن شهيد يعمل بائعا لورق التواليت والكبريت عند اشارات المرور!

ويقول الزعيم: ان الاستعمار هو سبب التخلف والفاقة، والحيلولة دون تطور المجتمعات المنكوبة به.. فيقدم المخرج علي الفور لقاءات وتعليقات من صحف وفضائيات توضح الكيفية التي وصل فيها الزعيم الي السلطة.

ان الثالوث الحزين الذي يتشكّل في العالم العربي المحتل من المرأة والطفل والفقير هو الضحية بامتياز لنظام باترياركي لكن من طراز معكوس.

في الماضي كان الأب او الباتريارك يقدّم المأمن المادي والمعنوي للأبناء المطالبين بالطاعة وللزوجات اللواتي ينشدن ودّه ورضاه لكن الباتريارك الحديث يعيش عالة علي ابنائه ونسائه، وفي الوقت ذاته يحول دون بلوغهم سن الرّشد، لأن منطق الوصاية بالمفهوم الرّعوي هو النقيض لاعلان الفطام عن ذلك الحليب الأسود السّام! ہہ ہما كتبه د. عبد الوهاب المسيري عن الفيديوكليب قدر تعلّقه بالغناء، يستحق التأمل والاضافة، فهو يري ان الراقصة الشرقية لم تعد عبر هذه التقنية كما كانت في صورتها التقليدية وملابسها المثيرة، لأن المغنيات بالفيديوكليب يدخلن الي بيوت المشاهدين وغرف نومهم بثياب بسيطة، احيانا تكون ملابس الطالبات في الجامعة، او البائعات او الصبايا اللواتي يرقصن بين ذويهن في الاعراس بموافقة الاهل.. ويسمي د. المسيري هذا تطبيعا للرقص الشرقي، بعد ان ينزع منه ذلك المظهر التقليدي المتكرر في الأفلام او الملاهي.. يهمني من ملاحظات د. المسيري ما قاله عن دور الفيديوكليب في جعل غير المألوف والمستهجن مقبولا بمرور الوقت وادمان المشاهدة… وفي الخطاب السياسي الذي نقترح عرضه بواسطة الفيديوكليب لافتضاح تناقضاته، سيحدث العكس، لأن التطبيع قائم مع الخطاب المجرد الذي يسمعه المواطن او يشاهده بدون أية قرائن او مُصاحبات بصرية واستعراضية، يكفي ان نتصور قائدا عسكريا بكامل لياقته وأناقته والاوسمة التي تطرّز سترته.. وهو يتحدث عن الحرب، ثم تعرض مشاهد لجنود مهزومين اشباه عراة وبعضهم يرتدي ملابس النساء كي يخفي هويته وينجو.. ومن ثم تعرض مشاهد أخري لنماذج بشرية يكسو الاحباط ملامحها وقد أصابها الهلع اضافة الي الصدمة لأن عرقوب سواء كان زعيما او جنرالا وعدها بالغار فجمعت ما استطاعت من أوراقه… ثم قدّم لها العار عاريا كما لو انه عورة!

اننا في هذه المقاربة انما نُدير مفتاحا في القفل، والامر سيبقي متروكا لمخرج لم يفقد هاجس المغامرة والتجريب شرط ان يكون محتفظا بقدر من المناعة كي لا يسقط في الفخّ ويضيف مجهوده الي الخطاب السياسي الذي يحتال بالبلاغة علي الهشاشة وبالطبل لإخفاء صوت الناي والأنين! ہہ ہقبل ثلاثة عقود كتب مثقف عربي ملتاع وملدوغ ان النظام السياسي العربي يستحق براءة اختراع وحزمة من جـــوائز نوبل لأنـــه اجترح المعجزات… فالطبيعة استغرقت ملايين السنين كي تطوّر القرد الي انسان حسب المفهوم الداروني، لكن النظام العربي اعاد هذا الانسان الي قرد في أقل من نصف قرن!

اما عملية التقريد هذه فقد تمّت عبر خمس مراحل هي علي التوالي:

الحاق سلسلة من الهزائم بهذا الكائن بحيث فقد ثقته بنفسه، لأن الزعيم والجنرال بريئان من الهزيمة كما يقول الاعلام الملفّق والذي تعلّم من جوبلز ان يكذب ويكذب حتي يصدّق نفسه حتي لو كذّبه الآخرون.. والمرحلة الثانية: هي توريط هذا الانسان بشروط العيش في حدّه الأدني بحيث يصبح المأوي والرغيف وقسط المدرسة هي أقانيم الوجود، وبالتالي تسود حياة الضرورة علي حساب حياة الحريّة!

والمرحلة الثالثة: اعتصار هذا الانسان حتي آخر قطرة، بحيث يشعر بأن عليه ان يشكر من امتصّ دمه علي ما أبقاه من النّخاع كما قال شاعر اندلسي!

والمرحلة الرابعة: التجهيل المبرمج، بحيث يتحول الوعي الي سلاح معكوس وحين تم ذلك تولت الضحية الدفاع عن جلاّدها والتمست له الاعذار واصيبت بماسوشية مزمنة، بحيث تستمريء العذاب وتحوله الي استعذاب.

والمرحلة الخامسة: هي هذه التي نعيشها كمرادف للفصل الخامس المطرود من التقاويم والجهة الخامسة التي لم تدخل بعد الي البوصلة.. هذه المرحلة هي موسم الحصاد.. فالناس اقتنعوا رغما عن أنوفهم بأن سبب شقائهم هو كونهم قد حلموا ولم يكونوا واقعيين كالسّلاحف.. وعلينا الآن ان نصدّق بأن هذا المستنقع الذي نقطعه وأيدينا علي أنوفنا هو القدر ونهاية المطاف، والتفريط به قد يقذفنا خارج التاريخ وفي العراء!

ان اسقاط الاقنعة عن خطاب سياسي يشبه علبة مجوهرات مغلقة وفي داخلها الدود والعطن، يحتاج الي فيديوكليب لأن الناس أوشكوا علي نسيان عادة القراءة وأصبحوا يفكرون ويصغون واحيانا يأكلون بعيونهم فقط!! ہ شاعر وكاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية