الجنرال في متاهته : وحدة الشعوب بين مطرقة الاستعمار وسندان التجزئة
نور الدين بورحيل الجنرال في متاهته : وحدة الشعوب بين مطرقة الاستعمار وسندان التجزئةيحتوي أدب أمريكا اللاتينية عموما، وروايات غارسيا ماركيز علي الخصوص، علي عدة مواضيع وقضايا اجتماعية وسياسية ووجودية وفكرية تتشابه في معظمها إلي حد بعيد بالقضايا والمشاكل المعاشة في الوطن العربي، مما يدفعنا إلي القول بوجود تخاطر لا شعوري أو شعوري وانتقال الافكار وتوارد الخواطر بين كتاب أو أدباء أمريكا الجنوبية وأدباء العالم العربي، وهذا الأمر ليس عجيبا وخارقا لأنه إذا عرف السبب بطل العجب : فهناك عدة أمور مشتركة بيننا نحن العرب وبين شعوب أمريكا اللاتينية: الاستعمار، التبعية الاقتصادية، التزايد السكاني المهول والمخيف لدول الشمال، التخلف الاجتماعي بأعراضه: البطالة، المرض، التسلط.. محاولات النهوض والتنمية للخروج من التخلف، حركات التحرر الاجتماعي ثم الرغبة في الوحدة بين شعوبها.. إلخ. أغلب المبدعين من افريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، وإن اختلفوا في طرق التعبير والأساليب الفنية، فإنهم يتفقون في الجوهر علي عدة قضايا مصيرية وذلك مما سمح بظهور تيار من المبدعين في دول الجنوب يخترقون الحدود والقارات ويتواصلون فيما بينهم، وهو ما دفعنا إلي القيام بدراسة مقارنة ومطولة في حلقات وسنركز، بداية، علي إحدي الروايات المهمة. إنها رواية الجنرال في متاهته للروائي الكولومبي غارسيا ماركيز.لماذا الجنرال في متاهته؟ ثم من هو الجنرال؟ ولماذا كتب عنه غارسيا ماركيز هذه الرواية؟الجنرال سيمون بوليفار: محرر الشعوب وصاحب الحلم في الوحدة:هذه الرواية تتحدث عن حلم طالما راود شعوب أمريكا الجنوبية، وطالما راود شعوب العالم العربي إنه الحلم والرغبة في الوحدة بين تلك الشعوب وإلغاء مسألة الحدود الوهمية التي وضعها المستعمر بين دول وشعوب أمريكا الجنوبية وكذلك بين شعوب ودول الوطن العربي.هذا الحلم السهل الصعب الممتنع لا يقدر علي تحقيقه إلا زعماء قادرون من أبناء تلك الشعوب التي أنجبتهم لتلك المهمة. ويمكن لنا أن نتساءل عن عدم تحقق الوحدة. لكن السؤال المفارقة لماذا دخلت دول أوروبا في الوحدة الاقتصادية والسياسية رغم اختلاف لغاتها بينما مُنع علي دول وشعوب العالم العربي وأمريكا الجنوبية ان تتوحد فيما بين شعوبها لوجود عناصر الوحدة: اللغة، الدين، الدم، التاريخ، الجغرافيا..إن الوحدة بالنسبة لشعوب أمريكا الجنوبية وكذلك بالنسبة للوطن العربي ليست مسألة ثانوية أو عاطفية، بل هي مسألة وجود ومســــألة مصير أن نكون او لا نكون نكون بالوحدة ولا نكون بالتجزئة.إن الجنرال سيمون بوليفار هو بطل الرواية ومحرر شعوب أمريكا اللاتينية من الاستعمار الاسباني وصاحب الحلم في الوحدة بين تلك الشعوب ورمز من رموزها التاريخية. إن الوطن العربي أثناء الاستعمار الذي تعرض له من طرف الانجليز والطليان والفرنسيين عرف عدة زعماء قاوموا الاستعمار وحاولوا تحقيق الوحدة بين شعوبها، ولو عبر مراحل، مثلما فعل جمال عبد الناصر وغيره. وقد تعرضا كلاهما لمكائد سياسية وعسكرية وعراقيل وصعوبات وضغوطات خارجية.إن مجرد وضع مقارنة بسيطة بين الجنرال بوليفار في رواية الجنرال في متاهته وجنرال خريف البطريق يظهر الفرق كبيرا. الأول حارب الاستعمار وحرر الشعوب منه أما الثاني فإنه جنرال ديكتاتوري وضعه الاستعمار كحليف له وكمعرقل للوحدة وسوف نقوم بهذه الدراسة بينهما في دراسة مقارنة لاحقة.ملاحظة أساسية وهي أن قراءتنا لرواية الجنرال في متاهته تجعلنا نقرأها بعين عربية قومية وحدوية.مغبونو ومنبوذو الاستقلال:بعد استكمال تحرير أمريكا الجنوبية من الاستعمار الاسباني وحصولها علي الاستقلال، بدأت مشكلة أخري، حيث استولي كل جنرال من جنرالاته علي بلد من بلدان أمريكا الجنوبية ووضع الحدود وأعلن نفسه رئيسا أبديا عليها، وبدت محاولة إنقاذ الحلم الذهبي بتوحيد القارة متأخرة وصعبة فالبيرو التي كانت تحت سلطة أرستقراطية مرتدة بدت استعادتها للوحدة مستحيلة، وكان الجنرال أندريس دي سانتا يمسك بزمام بوليفيا يقودها في اتجاه خاص، وأعلنت فنزويلا استقلالها الذاتي تحت سلطة الجنرال خوسيه انطونيو، أما الجنرال خوان فلوريس، وهو الجنوبي الكامل، فقد وحَّد غواياكل وكيتو ليخلق منهما جمهورية الاكوادور المستقلة. أما جمهورية كولومبيا، الجنين الاول لوطن فسيح وموحد، فكانت مختزلة لولاية غرناطة الجديدة سابقا، وهكذا فإن ستة عشر مليونا (حوالي سنة 1820) من الامريكيين الجنوبيين الذين ما كادوا يبدأون الحياة الحرة حتي أصبحوا تحت إرادة تسلط زعمائهم المحليين: واختتم الجنرال قائلا: وباختصار، فإن كل ما حققناه بأيدينا يخربه الآخرون بأقدامهم .فقال المارشال سوكرة: إنها إحدي سخريات القدر، يبدو أننا غرسنا فكرة الاستقلال عميقا جدا، حتي أصبحت هذه الشعوب تسعي اليوم إلي الاستقلال عن بعضها البعض (ص 27، 28 من الرواية).إذا، فبعد الاستقلال والتحرر من الاستعمار بدأ نوع آخر من الاستعمار والتسلط الداخلي علي الشعوب وتحول الاستقلال إلي تجزئة قطرية ضيقة بدل أن يكون وحدة متكاملة. إن نفس السيناريو ينطبق علي دول العالم العربي التي ما إن حصلت علي الاستقلال وتحررت ولو نسبيا من الاستعمار حتي اتجهت إلي القطرية ووضع الحدود بين شعوبها وأصبحت كل منطقة أو قطر لها حدود وعلم ونشيد ورئيس.إن مفهوم الاستقلال غير واضح، هل هو استقلال اقتصادي وسياسي واجتماعي أم أنه استقلال شكلي فقط ؟ إن جل الدول (في أمريكا الجنوبية أو العالم العربي) بعد حصولها علي الاستقلال ، لم يتحقق حلم شعوبها في الوحدة والحرية والكرامة والتغيير الاجتماعي والنماء، مما جعل مفهوم الاستقلال مفهوما شكليا فقط، لأن الجهاد الاكبر يبدأ بعض الحصول علي الاستقلال وذلك بالتنمية الحقيقية. إن جنود الجنرال بوليفار بعد حصولهم علي الاستقلال لم يعرفوا ماذا يفعلون به ها نحن أولا، قد نلنا الاستقلال أيها لجنرال: فقل لنا الآن ماذا نفعل به؟ . فكاد رده: الاستقلال مجرد مسألة كسب حرب، التضحيات الكبيرة ستأتي فيما بعد، لجعل هذا الشعور وطنا واحدا . فيقولون له: التضحية هي الشيء الوحيد الذي فعلناه أيها الجنرال . فلا يتراجع نقطة واحدة، ويقول: ما زلنا بحاجة للمزيد فالوحدة لا تقدر بثمن (ص 106)طريق الوحدة الصعب:إن الوحدة تساوي السيادة، أما التفرقة والتجزئة فإنها تعادل وتساوي العبودية والخضوع. إن سر قوة الشعوب في وحدتها نحو الأهداف والمصير والأحلام المشتركة. لقد أرجع الجنرال سبب الخضوع والعبودية إلي التفرقة بين أجزاء وأقطار القارة قائلا: ليس الاسبان وإنما تفرقتنا هي التي أعادتنا إلي العبودية من جديد (ص 15 من الرواية).إذا، هناك عوامل داخلية وأخري خارجية معرقلة للوحدة من بين العوامل الخارجية، الاستعمار الجديد الذي يستخدم الديون التي تثقل كاهل الدول والشعوب ومحاربة فرص قيم اجتماعية وثقافية مخالفة بالاضافة إلي الرؤية الضيقة عند كل رئيس دولة من تلك الشعوب وهي من العوامل الداخلية، فكان بوليفار يقول، مثلا، عن أحد الجنرالات الذي كان رئيسا مكلفا لكولومبيا إنه بخيل ومقتر بالفطرة، لكن تبريراته كانت اشد شحا: لأن ذكاءه لم يمكنه من أن يري أبعد من الحدود الاستعمارية (ص 194).ومن تلك العوامل الخارجية المهددة لعملية الوحدة الوصاية الاستعمارية علي المستعمرات حتي بعد الاستقلال وذلك بفرض قيم اجتماعية معينة عليها وضرب أصالتها وهويتها. ففي حوار بين الجنرال بوليفار وأحد الفرنسيين قال هذا الأخير بأن نموذج بونابارت مناسب ليس لنا فقط، وإنما للعالم بأسره . فقال الجنرال دون أن يخفي سخريته: لا شك في قناعتك بهذا الكلام فالأوربيون يفكرون بأن ما تبتدعه أوروبا هو وحده المناسب للدنيا بأسرها، وكل ما عدا ذلك ممقوت . وخلص إلي القول: لا نريد منكم مزيدا من الاحسان بقولكم لنا ما علينا فعله، فلا تحاولوا أن تعلمونا كيف يجب أن نكون، ولا تسعوا إلي جعلنا مثلكم ولا تنتظروا منا أن نحقق خلال عشرين سنة، بشكل جيد ما حققتموه بشكل سيء خلال ألفي سنة (ص 131، 132). لقد أراد الجنرال بوليفار أن يتخلص من الاستعمار الفكري ويبرز هوية وأصالة واختلاف شعبه عن أوروبا. لقد قامت دراسات أنثروبولوجية (أوطو كلاينبرغ وفلسفية م. فوكو) بتفكيك المركزية الاوربية Eurocentrisme وبينت أن هناك قيما ثقافية تختلف باختلاف الشعوب والثقافات ولا يمكن تعميم قيم ثقافية غربية، مثلا، علي كل الشعوب، مما يوضح مسألة النسبية الثقافية، إن نفس السيناريو (عملة التغريب والغزو الحضاري..) يعيشها العالم العربي عبر وسائل الإعلام وترويج قيم استهلاكية وهمية وواقعية غربية لا تخدم مصالح الشعوب العربية في شيء بل تضرب بعمق هويتها وأصالتها. كما ثبت فشل النماذج التنموية المستوردة من الخارج. إنه نوع من الاستعمار أكثر خبثا من استعمار الارض إنه استعمار الأدمغة وغسلها وزرع القيم وأفكار أخري مستهدفة كما أن الديون الخارجية هي الأخري تعتبر نوعا من الاستعمار وذلك بإثقال كاهل الشعوب المتخلفة. ولذلك فإن الجنرال بوليفار كان يكره القروض والديون: إنني أمقت القروض أكثر من مقتي للاسبان، لذلك نبهتُ (سانتاندير) أن كل ما نفعله لخير الأمة لن ينفع شيئا إذا ما قبلنا الديون. لأننا سنبقي ندفع فوائدها إلي أبد الآبدين وها نحن أولا، نري الأمر بجلاء الآن. لقد هزمتنا الديون (ص 224 الرواية). إن الديون والقروض التي تعطي من طرف البنك الدولي أو من طرف الدول الكبري ترجع لها بالفائدة أضعافا مضاعفة وذلك ما فعلته وتفعله فرنسا في افريقيا. بالاضافة إلي جعل تلك الشعوب فاقدة لقدرتها الذاتية علي التطور والنماء. كما أن الديون الخارجية تضرب الاستقلال في العمق.إن غارسيا ماركيز من الكتاب الذين يحملون هموم أمريكا الجنوبية ويعبرون عن آمالها وآلامها وطموحاتها أحسن تعبير. إنه ذلك الجنوبي الذي يتحدث بطريقة غير مباشرة عن آمال وآلام مشتركة بين دول وشعوب العالم الثالث بما فيه العالم العربي الذي يظهر لنا بتقاسيمه من خلال قراءتنا لرواية الجنرال في متاهته . كاتب من المغرب0