الجنوب السوري من الكبتاغون إلى حرب إقليمية مصغرة.. هل تنجر إليها إسرائيل؟ 

حجم الخط
0

وجبة الفيليه في قائمة الطعام المقدمة في مطعم “كرييه ناش” (بالروسية بلادنا) في أحد الأحياء الفاخرة في دمشق، هي وجبة فاخرة بشكل خاص، هذا ما تقوله توصيات الطهي التي كتبت عنها في سوريا. ووجبة “السمك المقرمش” التي عليها قطرات من الكافيار، يوصى بها جداً. وجبة الفيليه تكلف 16 دولاراً، وإذا أضفنا إلى الحساب الوجبة الرئيسية من مختارات الأجبان المستوردة التي تكلف نحو 5 دولارات وأيضاً تحلية جميلة، فإن من سيتناول الطعام سيدفع مع البقشيش نحو 30 دولاراً. هذا زهيد جداً بالمفاهيم الإسرائيلية، لا سيما لمن حلم بأكل الفلافل في دمشق. صور المأكولات الفاخرة التي تظهر في صفحة المطعم على الفيسبوك الذي يعتبر أفضل مطعم في سوريا صورة مغرية جداً، لكن الأشخاص المميزين، من ضيوف وتجار سلاح ومخدرات، وضباط روس أو موظفين كبار في الحكومة، قد يسمحوا لأنفسهم بإسعاد قلوبهم بهذا الطعام والنبيذ المقدم فيه.

لكن القصة هي صاحبة المطعم، لونا الشبل، التي افتتحت المطعم في حزيران الماضي، وهي خلال ذلك تعمل كمستشارة شخصية للرئيس بشار الأسد. بدأت حياتها المهنية كمراسلة ومذيعة في قناة “الجزيرة”، وخلال بضع سنوات، وعند اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وقفت بحزم إلى جانب نظام الأسد وقدمت استقالتها من “الجزيرة”، ومنذ ذلك الحين هي “الوجه النسائي” للنظام. تقدم إحاطات للمراسلين وتظهر في لقاءات سياسية وترسم خطوط الدعاية وتجني أموالاً كثيرة. يقدر رأس مالها ببضعة ملايين من الدولارات، إضافة إلى دخلها من المطعم. الشبل هي الإصبع المغروسة في عيون مواطني سوريا، الذين عندما يجدون عملاً فإن رواتبهم الشهرية قد تغطي بصعوبة ثمن وجبة واحدة في مطعمها.

الشبل درزية وأصلها من مدينة السويداء جنوب سوريا. لذلك، ثمة أهمية سياسية كبيرة لأن الأمر يتعلق بالمدينة والمحافظة التي يشكل الدروز معظم سكانها والتي أدارت في السابق وتواصل إدارة النضال أمام نظام الأسد. الخدمات الجيدة للشبل وجدت التعبير أيضاً في 2015 عندما نقلت لسكان المحافظة رسالة متشددة باسم الأسد، أوضحت فيها بأن أمامهم خيارين، إما السماح لأبنائهم بالتجند والقتال ضد المتمردين، أو تحمل عار الجوع. التهديد لم يساعد، فالدروز أوضحوا للأسد بأنهم ليسوا طرفاً في الحرب ولن يكونوا، ولن يرسلوا أبناءهم للقتال ضد مواطنين سوريين آخرين.

قبل سنتين طلب تدخل الشبل مرة أخرى مع محافظة مسقط رأسها وأبناء طائفتها. بعثتها كانت هذه المرة مفيدة. فقد نصحت الرئيس بالاعتذار شخصياً لرؤساء الطائفة الدرزية في السويداء بعد أن أساء جنود سوريون لكرامة أحد الزعماء الروحيين، وهو حكمت الهيجل. امتثل الرئيس واعتذر للمرة الأولى منذ بدأت الحرب، وبذلك تجنب على الأقل في حينه مواجهة كبيرة بين أبناء الطائفة والنظام. ولكن السويداء ودرعا، المدينة التي بدأ فيها العصيان المدني قبل 12 سنة، لم تهدآ تماماً. تجرى فيها بين حين وآخر مظاهرات ضد النظام التي تجر مواجهات عنيفة مثل المواجهات التي حدثت الشهر الماضي في إحدى بلدات محافظة السويداء التي طلب فيها المتظاهرون إبعاد القوات الإيرانية ورجال “حزب الله” الذين تجولوا قرب المناطق الدرزية.

في أيار 2018 وافقت روسيا وإسرائيل على أن تكون روسيا هي المسؤولة عن إبعاد حرس الثورة الإيراني والمليشيات المتفرعة عنه وحزب الله من منطقة الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان إلى مسافة نحو 85 كم شرقي الحدود مع إسرائيل. حسب الاتفاق، سينتشر الجيش السوري على طول الحدود كقوة حرس حدود. هذا الاتفاق سبقه هجوم إسرائيلي كثيف على أهداف سورية وإيرانية، الذي حصل على اسم “بيت الأوراق”، وجاء بعد إطلاق صواريخ من هضبة الجولان نحو إسرائيل. في آب أعلن المبعوث الروسي في سوريا، ألكسندر لبرنتايف، أنه نجح في التوصل إلى موافقة إيران على إبعاد قواتها إلى مسافة 85 كم كما تطلب إسرائيل، وأن قوات روسية ستدخل هي أيضاً إلى المنطقة كقوة شرطية.

ولكن تعهد روسيا بقي على الورق. مواقع حزب الله في الحقيقة نقلت نحو الشرق، لكن ليس للمسافة التي طلبتها إسرائيل، وقوات أخرى لحزب الله ومليشيات مؤيدة لإيران تمركزت في منطقة درعا والسويداء. قوات شرطية روسية واصلت القيام بدوريات شرطية في هذه المناطق، لكن في المقابل تبين أن حزب الله ومليشيات إيرانية، التي يعدّ جزء من أعضائها مقاتلين من الأفغان الذين تجندوا من بين اللاجئين الموجودين في إيران – عززوا منظومة تمركزهم وأقاموا عشرات المواقع العسكرية في شمال السويداء ودرعا. مؤخراً، نشر أيضاً أن إيران تنوي إقامة قاعدة عسكرية كبيرة في المكان ستتجمع فيها قواتها. ورد في الشبكات الاجتماعية أنه قوات كبيرة مزودة بسلاح ثقيل وصواريخ قصيرة المدى وصلت إلى هذه القاعدة، وأن القوات المؤيدة لإيران تظهر بالملابس المدنية كي تخفي انتماءها العسكري. من غير المعروف ما هي درجة دقة هذه التقارير، لكن للوجود الإيراني جنوبي سوريا أشغالاً ممتعة أخرى تقلق إسرائيل، والأردن أيضاً.

مصادر محلية في سوريا أبلغت بأن القوات المؤيدة لإيران، بالشراكة مع قوات الجيش السوري، أقامت في المنطقة مختبراً لإنتاج مخدر الكبتاغون (المعروف بالبنتلين). إنتاج المخدرات لتمويل نظام الأسد غير جديد. ففي العام 2018 ضبطت سلطات الجمارك اليونانية سفينة “نوكا” كانت في طريق من ميناء اللاذقية في سوريا إلى ليبيا وعلى متنها 6 طن من الحشيش الهندي المصنع ونحو 3 ملايين حبة كبتاغون القوية بشكل خاص بقيمة شاملة تقدر بنحو 100 مليون دولار. ولكن تطوير مركز إنتاج في جنوب سوريا يشير إلى نية تحويل الأردن إلى دولة عبور، وهذه نية سبق وتأكدت بعد أن ضبط الأردن قبل نحو شهرين رزمة كبيرة من المخدرات احتوت على نحو 6 ملايين حبة كبتاغون، كانت في الطريق إلى دول الخليج.

للأردن علاقات تجارية مفتوحة مع سوريا، وللملك عبد الله علاقة مباشرة مع الأسد، لكن خوفه من الأسد أنه لا يريد ولا يمكنه إيقاف التجارة التي تبلغ 5 – 8 مليارات دولار في السنة، حسب التقديرات. طرح الملك عبد الله قلقه على الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما التقاه في أيار الماضي. وحسب مصدر أردني تحدث مع “هآرتس”، فإن الملك حذر من أنه إذا لم يتم وقف محاولات التهريب عبر الأردن سيضطر لاتخاذ خطوات متشددة أكثر. يطبق الأردن الآن سياسة “إطلاق النار من أجل القتل” ضد مهربي المخدرات. وحسب هذا المصدر، فإن الرئيس الأمريكي وعد الملك بالتجند لهذا النضال. وحقاً كان قانون مكافحة الكبتاغون الذي سن في كانون الأول الماضي من إحدى النتائج.

يصعب رؤية طوق حقيقي للنجاة في هذا القانون. فهو يفرض في الواقع على وكالات النظام أن تبني خطة عمل لمحاربة تهريب المخدرات من سوريا، لكنها تعطيهم فترة ستة أشهر لطرحها. القانون يشمل تخصيص أموال لتمويل النشاطات ضد المخدرات، لكنه لا يقترح كيف سيتم توزيعها أو ما هي الوسائل التي ستتبع.

حول هذا الأمر توجه الأردن أيضاً إلى روسيا باعتبارها الراعية الرئيسية لسوريا، وسارعت موسكو في الرد. في الأشهر التي مرت، خفضت روسيا قوات شرطتها في جنوب سوريا بسبب الحرب في أوكرانيا، ونقلت قوات شرطية من محافظات أخرى إلى جنوب سوريا. وزادت عدد الدوريات وأضافت محطات حراسة على طول الحدود مع الأردن. من المهم لروسيا الحفاظ على شبكة علاقات سليمة بين سوريا والأردن، الذي فيه نحو 800 ألف لاجئ سوري. ويمكن للتجار السوريين عبره استيراد وتصدير البضائع. أي دولة عربية تقيم علاقات تجارية مع سوريا تعزز شرعية نظام الأسد.

تحاول روسيا الآن تجنيد مجموعات مقاتلة درزية من منطقة السويداء للنضال ضد تهريب المخدرات. وقد توجهت إلى الشيخ يحيى الحجار، قائد قوات “الكرامة”، وهي المليشيا الدرزية الأكبر في منطقة يوجد فيها نحو 1500 مقاتل، وطلبت ضم مقاتليه لهذا النضال. رفض الحجار هذا الطلب بسبب الموقف المبدئي الذي تقرر في السابق من قبل الزعيم الروحي الكبير ركان الأطرش، الذي توفي في 2019، والذي بحسبه يجب على الدروز الحفاظ على الحيادية.

أوضح الحجار هذا الأسبوع في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية بأنه “لن ينضم إلى أي دولة لها مصالح عسكرية أو اقتصادية في سوريا، “هذا موقفنا الذي تقرر قبل تسع سنوات”. أضاف الحجار بأنه طلب من روسيا إقناع الأسد بإطلاق سراح سجناء دروز وفتح معبر رسمي بين محافظاتهم والأردن لمساعدة اقتصادهم، لكنه أمر لم يتم، حسب قوله. هذا الموقف لا يمنع الدروز من محاربة التهريب واعتقال مهربين ونقلهم إلى السلطات. هذه عملية غير مجدية، لأن هؤلاء المهربين يعملون، ضمن أمور أخرى، كمبعوثين للنظام أو على الأقل في خدمة القوات المؤيدة لإيران.

الواقع الذي تحتك فيه القوات الدرزية، المقسمة بين ثلاثة زعماء على الأقل، مع مليشيات مؤيدة لإيران وقوات حزب الله وشرطة روسية وجنود الجيش السوري، يتضمن مواجهة عنيفة ستتدحرج إلى حرب “إقليمية” صغيرة، والمسألة مسألة وقت. إسرائيل في الوقت الحالي ليست مكوناً من مكونات معادلة القوات في المنطقة، لكن يكفي إطلاق عرضي لصواريخ عليها أو بعض الاستفزازات الأخرى لتجد نفسها تتبادل اللكمات مع أحد الطرفين.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 27/1/2022



كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية