الجهة الأخري من الضوء

حجم الخط
0

الجهة الأخري من الضوء

عيسي مخلوفالجهة الأخري من الضوءلا أجد ما أضيفه علي ما قيل في شعر محمد الماغوط منذ ديوانه الأوّل حزن في ضوء القمر حتي اليوم. هذا الشاعر الذي يخرج من الأعماق المعذَّبة ويضع أمام أعيننا ماسه الصافي الذي استخرجه من المياه الآسنة والوحول. فالشعر هنا لا يفصل بين الجماليات والحياة وهو أيضاً فعل مقاومة وفعل ثورة، ليس الثورة بالمعني السياسي بل بالمعني الكياني والوجودي. شعر محمد الماغوط صرخة مدوّية في الأرض الخراب، الخراب المادّي والروحي علي السواء. ولئن كانت صرخة الماغوط ضدّ الظلم والاستبداد والفقر والقهر تنطلق من مكان وزمان محددين، فإنها لا تنحصر بهما وتذهب أبعد من ذلك لتطال العالم أجمع، اليوم وفي كلّ العصور. لن ألتفت إلي شعر الماغوط إذن، هذا الشعر الذي سيبقي إحدي أجمل المحطات في الشعر العربي المعاصر. لكني سأتوقف عند صوته في آخر حديث أجراه معه عبده وازن ونشرته صحيفة الحياة . في هذا الحديث الذي نُشر بعد الموت، يتكشّف وجه الماغوط الإنسان في حياته اليومية، ويساعدنا الشاعر نفسه علي الإبحار في عوالمه. تطالعنا اللحظات العالية في هذا الحوار حين يتحدث الماغوط عن السوداوية فيقول: لا يخففها إلاّ حضور الحب والمرأة. الإحساس بالحرية كذلك… . وحين يتحدث عن الظلم وعن تجربة السجن: كنتُ في العشرين من عمري، وكنتُ أظنّ أنّ السجن هو للمجرمين والقتلة. وعندما سجنتُ في المرة الأولي شعرتُ بأن شيئاً جوهرياً تحطّم في داخلي. كلّ ما كتبته وأكتبه هو أشبه بعملية ترميم لتلك التجربة المرّة والقاسية. وما زلت أرمّم آثار هذه التجربة حتي اليوم. ولا أبالغ إن قلتُ إنّ أمل الحياة سقط في السجن، وكذلك الجمال والفرح… أنا كنت أبرد في السجن وأجوع. وأشعر حتي الآن أنني لم أشبع. في حياتي جوع دائم هو أقوي منّي. هذا جوع تاريخي … وكم يبدو جلياً في هذا الكلام موقف الماغوط من الظلم والذلّ، ومن المجتمع البوليسي القاهر.لكن إلي جانب هذا الموقف الساطع، نسمع الماغوط يتحدث عن تفوّقه وأمجاده بصورة أصبحت متداولة بكثرة في مجتمعاتنا وأصبحت من ثوابت ثقافتنا العربية مما يكشف عن ظاهرة تستحق الدرس وينبغي عدم الاستهانة بها. يفاجئنا الشاعر، هذا الشاعر بالذات، حين يتحدث عن نفسه بهذه الطريقة التي تتناقض مع شعره، وهو يبدو في شعره مهزوماً ومطروداً ومجروحاً ومهاناً… أي نقياً إلي أقصي الحدود.يقول الماغوط في الحوار الأخير: أذكر أن شاعراً وناقداً أوسترالياً قال: إذا اخترنا أربعة أو خمسة شعراء كبار في العالم فالماغوط سيكون واحداً منهم… وهناك شاعر أوسترالي أيضاً يدعي جان عصفور، عربي الأصل، يعتبر أنّ تعريفي بالشعر هو الأجمل … وفي مكان آخر ينقل عن خالدة سعيد قولها: أنت مرصود والعين عليك وهناك أناس يحاولون أن ينالوا منك. أنت أكبر شاعر عربي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً … وأخيراً هذه اللقطة الغريبة حقاً: عندما كانت سنية تحتضر كانت تملحس بيدها علي ركبتي قائلة: أنت أنبل رجل في التاريخ .الاعتداد بالذات بلغ درجة دفعت بالماغوط إلي القول إنه لم يشعر بالحاجة إلي تعلّم اللغات: لم يهمني الأمر. لم أتعلم أي لغة أجنبية ولم أحاول طول حياتي. لا جلد لي علي اللغة الأجنبية. إنني أحب الكسل والفوضي . وفي مكان آخر: أنا شاعر طالع من الحياة والتجربة وليس من الثقافة والكتب”، و”لم أكن أقرأ كثيراً . وأخيراً: أشعر بالندم لأنني تعلمت أن أقرأ وأكتب … نخشي أن يشجع مثل هذا الكلام الأجيال الشابة التي يعتبر بعض أفرادها أن كل قصيدة يكتبونها أو كل لوحة يرسمونها أو كل منحوتة ينحتونها هي الأولي من نوعها في العالم!الماغوط صاحب موهبة فطرية كبيرة جعلته يكون صاحب تجربة شعرية كبيرة علي الرغم من ثقافته المتواضعة، وهو بذلك يشكّل الاستثناء لا القاعدة. أما القاعدة فهي أن الإبداع يحتاج إلي صقل والصقل يحتاج إلي ثقافة. ويبقي السؤال: هل يمكن للكاتب أن يبدع فعلاً ويحقّق إضافات إذا لم يكن علي معرفة واسعة بما كُتب ويُكتَب في العالم؟ ومن قال إن الثقافة عيب، وإنها تعطّل فعل الإبداع! التحدي الأكبر هو قدرة المبدع علي إخفاء ثقافته وراء عمله الإبداعي تماماً كما يخفي النحات مثلاً آلاف ضربات الإزميل التي تتألف منها المنحوتة ولا يبقي إلاّ المنجَز المصقول، كأن العمل، لحظة الانتهاء منه، وُلد للتوّ. واللغة التي لم يشعر الماغوط بحاجة إلي تعلمها طوال حياته أليست معرفتها اليوم أحد تحديات الحداثة الكبري؟ هل يستطيع الكاتب والمثقف أن يعيش في العالم الراهن بدون معرفة وإتقان لغة أو لغات أخري حية كتلك التي تقدّم المعارف والعلوم الحديثة وتنقلها؟ اللغة الواحدة، خاصة إذا كانت لغة تعيش في عزلة عن عصرها، ما عادت تكفي إذا لم تكن مسكونة بلغات أخري… شائع إذن، عندنا، موضوع تأليه الذات. في حديث إلي إذاعة الشرق استمعنا إلي الفنان منصور الرحباني كيف يعظّم نفسه، وبأسلوب أسطوري، خلال الحديث عن الموسيقيين الكلاسيكيين الكبار، وقرأنا آراء الشاعر سعيد عقل حول الفنون التشكيلية الحديثة وتهكّمه من بيكاسو، واكتشفنا أيّ انقطاع يعيشه بعض فنانينا وكتّابنا الكبار عن الفنون الأخري التي لا يمارسونها، وأحياناً عن الفنون نفسها التي يمارسونها. وما كانت لتعنينا هذه الآراء والمواقف لو لم تكن تصدر عمن نعدّهم رواداً ورموزاً في الثقافة العربية الحديثة، ولو لم نكن نخشي علي قاماتهم الكبيرة العالية من أن تنحني، ونخشي علي ثقافتنا من الانغلاق علي نفسها والاكتفاء بذاتها، لا سيما في هذه المرحلة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والتي أصبحت فيها اللغة الدينية هي البديل عن كلّ اللغات.شاعر من لبنان0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية