رام الله ـ «القدس العربي»: لا يبدو الاحتلال الإسرائيلي جادا في مسألة التحقيق في إعدامه للصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، مجمل سلوكه وإجراءاته، بحسب مراقبين كثر، تهدف إلى امتصاص الموقف عبر سياسة التدرج التي ستقود في نهاية المطاف إلى نسيان الأمر بفعل الزمن وخفوت حدة الموقف الغاضب على الفعل الإجرامي.
وفي ضوء ذلك يتذكر صحافيون فلسطينيون والمهتمون في العمل الإعلامي والحقوقي، عشرات الجرائم التي قام بها الجيش الإسرائيلي بحق صحافيين في الميدان من دون أن يترتب على ذلك أي تحقيق دولي يوقع العقوبة بحق المجرمين والقتلة ويجعل من حديث الإفلات من العقاب فعلا ماضيا.
ورغم ذلك يدرك هؤلاء الصحافيون والسياسيون وجهات رسمية فلسطينية تحدثت لـ«القدس العربي» أن الجريمة الحالية مختلفة عن الجرائم السابقة، وعليه يكون السؤال المهم حول دور السلطة الفلسطينية في متابعة هذا الملف الذي يكتسب أهميته وزخمه من نواح عديدة حيث الجريمة الموصوفة بالبشاعة ودلالاتها وطبيعة الضحية التي تعرضت لفعل الاغتيال، وما أبرز الصعوبات والمعيقات التي تعترض طريق ملاحقة قتلة أبو عاقلة.
ضغوط لفتح تحقيق
السفير الفلسطيني د. أحمد الديك، المستشار السياسي لوزير الخارجية والمغتربين قال إن وزارته هي صاحبة الاختصاص في متابعة ملف الجريمة على المستوى الخارجي، وهي بانتظار ان يكتمل التحقيق بحيث تتسلم الخارجية الملف كاملا متضمنا شهادات الشهود، والأدلة وتقارير النيابة العامة.
وتابع في حديث خاص لـ«القدس العربي» أنه وفور تسلم الخارجية للملف، وهو أمر سيكون في القريب العاجل من الأيام، ستعمل فورا على رفعه للمحكمة الجنائية الدولية في المستوى الأول، أما في المستوى الثاني فستعمل على نشره على أوسع نطاق عالمي.
وتابع مؤكدا: «في إطار عمل الوزارة أيضا سيكون مطالبة المدعي العام في الجنائية الدولية بسرعة التحقيق ومن ثم إصدار مذكرة جلب بمن يتبين للمحكمة الدولية أنهم متهمون بالجريمة».
وبحسب الديك فإن الخارجية تخوض معركة كبيرة على مستوى دبلوماسي في مواجهة روايات الاحتلال المتتالية والمتناقضة والمتضاربة منذ اليوم الأول للجريمة.
وأشار إلى أن إعلان النيابة العسكرية في الجيش الإسرائيلي حول عدم القيام بتحقيق رسمي في الجيش لمعرفة من الذي قتل أبو عاقلة هو أمر متوقع، معتبرا أن ذلك القرار هو محاولة لدفن القضية، وهو حال الكثير من قضايا القتل والإعدام التي تعرض لها الفلسطينيون حيث دفنها الجيش من دون أي ملف تحقيقي.
ويرى الديك أن الملف الثالث الذي تتحرك فيه السياسة الفلسطينية الخارجية يتمثل في مطالبة الدول التي أدانت الجريمة بأن تدرك أن فعل إدانة دولة الاحتلال وحده لا يقود إلى أن تتوقف عن جرائمها.
وأضاف: «على هذه الدول أن تعرف أنها تمتلك فرصة لإنجاز التحقيق مع الطرف الفلسطيني وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي اقترحت علينا أن ترسل فريقا متخصصا من المحققين وهو الأمر الذي رحبنا به كما نرحب بأي جهد دولي في هذا المجال».
واتهم السفير الديك أمريكا بإنها تقول كلاما بالإعلام من دون أن يترافق فعلا على أرض الواقع، حيث لم تبادر حتى اللحظة إلى إرسال لجنة تحقيق خاصة بها. وتابع: «كل ملفاتنا وأدلتنا متاحة ومتوفرة لتسهيل مهمة أي تحقيق دولي» مؤكدا أن كل ما تمكنا من جمعه يشير بإن الجيش الإسرائيلي هو من أطلق النار على شيرين بقصد القتل.
وعن التحديات التي تواجه الخارجية والمؤسسات الفلسطينية في متابعة هذا الملف قال الديك إن فلسطين لديها عتب كبير على الجنائية الدولية، تلك المحكمة التي فتحت تحقيقا في خمسة أيام حول جرائم الحرب في أوكرانيا وهي منذ عام تقريبا لم تحرك ملف قرار المدعية العامة المتعلق بوجود شبهات جرائم حرب ضد الإنسان في فلسطين من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى الديك أن المدعي العام للمحكمة الجنائية، كريم خان، يتعرض لضغوط سياسية من أجل عدم إجراء تحقيق وهو ما يعبر عن موقف سياسي.
وشدد: «نحن ضد أي عملية تسييس للمحكمة الجنائية الدولية، ومع الالتزام الكامل بميثاق روما ولوائح المحكمة من الناحية القانونية».
ويرى الديك أن الدول التي أدانت الجريمة فيما شكل أكبر إجماع دولي، نطالبها ألا تتوقف عند حدود الإدانة، ونرى أنها تمتلك فرصة للتقدم خطوات عملية للكشف عن القتلة الذين ندرك انهم معروفون للجيش الإسرائيلي.
ويصف السفير الديك سياسة الاحتلال بأنها تبحث عن أبواب للهروب من الجريمة. وهي هنا تراهن على حدوث تراخ أو أن يحدث ضعف في الذاكرة، وشدد أن الجهد الفلسطيني الرسمي يسعى في هذه المرة إلى أن لا تفلت إسرائيل من العقاب في ضوء ان الاهتمام الحالي لا يقتصر على فلسطين إنما على كل العالم.
ويتابع: «نحن ندرك أنه في حال أفلت الاحتلال من العقاب فإنه من الصعب أن يخضع للعقوبة في المرات المقبلة وهذا يعني منحه رخصة لمزيد من القتل».
وعن موعد تسلم الخارجية لملف التحقيق الفلسطيني من النيابة العامة، أكد الديك أن النيابة أنهت التحقيق عمليا، وأصدرت بيانها الأول، أما التحقيقات التي أجريت لاحقا فهي متعلقة ببعض القضايا الإضافية وجزء من عملية تجميع الأدلة التي ترد النيابة تباعا، وهي من دون شك تؤكد البيانات التي جمعت على أن الجيش الإسرائيلي هو من أعدم أبو عاقلة.
وفور وقوع الجريمة عملت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية على التعميم على سفارات دولة فلسطين للتحرك الفوري تجاه وزارات الخارجية ومراكز صنع القرار والرأي العام والإعلام ووسائله المختلفة في الدول المضيفة، من أجل فضح جريمة إعدام الشهيدة الإعلامية شيرين أبو عاقلة.
ونشط الجهد الإسرائيلي مع وقوع الجريمة على المستوى الدولي على نشر دعاية سياسية تتبرأ من الجريمة وتتهم جهات فلسطينية بقتلها، وهو ما تحاول الأطراف الفلسطينية التأثير فيه عبر نقل الحقائق التي أظهرها الميدان.
كما عملت الخارجية الفلسطينية على مطالبة الدول والأطراف الأممية والدولية بإدانة الجريمة بشكل صريح وواضح، وحشد أوسع تدخل دولي لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وللصحافيين.
إعدام خارج القانون
واعتبر وزير العدل الفلسطيني محمد الشلالدة عملية «قتل شيرين بإنها جريمة حرب استنادا إلى القانون الدولي الإنساني، وجميع القوانين والقرارات الدولية».
وتحدث الشلالدة موسعا يوم الخميس الماضي ضمن حلقة نقاش دعت إليها وزارته بالتعاون مع وزارة الإعلام، حملت عنوان «الحماية القانونية للصحافيين في القانون الدولي الإنساني، شيرين أبو عاقلة نموذجا».
وأوضح وزير العدل أن «التحقيقات أثبتت أن قتل أبو عاقلة جريمة قتل عمد، ودورنا، كسلطة وإعلاميين، ليس معرفة ومساءلة الجندي مطلق النار، إنما تكييف هذه الجريمة باعتبارها إعداما خارج القانون، ما يعني وجود أوامر وتعليمات بالقتل يجب محاسبة مصدريها، بدءا من رأس الهرم السياسي وصولا إلى الجندي المنفذ».
وشدد ان هذه الجريمة ليست مجرد عملية إطلاق النار بقصد القتل، إنما ترتبت عليها سلسلة من الجرائم الجنائية، كالاعتداء على الجنازة، واقتحام المستشفى الفرنسي، «فكل فصول الجريمة تثبت أنها جريمة حرب».
وأكد وزير العدل الفلسطيني ان جرائم وانتهاكات الاحتلال هي فعل يومي بحق الصحافيين والشعب الفلسطيني عموما، ولا بد من تحويل الشجب والإدانة العالمية لهذه الجريمة إلى إجراءات قانونية لضمان عدم إفلات الاحتلال من العقاب.
وطالب وزير العدل إضافة إلى المسار الرسمي الفلسطيني يجب ان يكون هناك مسار تقوم عليه عائلة أبو عاقلة لرفع قضية أمام القضاء الأمريكي، لكونها تحمل الجنسية الأمريكية.
إلى جانب ذلك قال المحامي وخبير القانون الدولي الدكتور أحمد الأشقر أن هناك ضرورة لتفعيل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، والذي يلزم كل الدول بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن جنسيتهم ومكان ارتكابهم للجريمة.
وشدد الأشقر أن الاختصاص القضائي الجنائي العالمي يعني أنه يمكن لكل المحاكم الداخلية الوطنية في كل الدول التي لديها اعتراف باختصاصها الجنائي العالمي أن تحاكم وتصدر القرارات التي تدين المجرمين المتورطين بإعدام أبو عاقلة.
ويتابع: «في حال صدرت أحكام جزائية بإدانة المجرمين فإن ذلك يعني تحميل المسؤولية من رئيس الوزراء ورئيس أركان الحرب الإسرائيلي أيضا».
ويرى الأشقر أن قضية أبو عاقلة قد تكون بداية لانتهاء حالة إفلات الاحتلال الإسرائيلي من العقاب في ظل أن هذه القضية أصبحت قضية رأي عام عالمي وبالتالي يمكن تدويلها وإسقاطها في موضع الاهتمام الدولي لتكون نموذجا على محاكمة القتلة.